عاش السوريون تحت وطأة قانون الطوارئ لـ48 عاماً، منذ صبيحة 8 آذار عام 1963 والبلاد تحكم من خلال الإجراءات الطارئة والأحكام العرفية أو المحاكم العسكرية، حتى المحاكم المدنية كانت تستمد صلاحيات واسعة في أحكامها؛ فقُيّدت الحريات، وشُدّدت الرقابة على المواطنين وعلى وسائل الإعلام، وأتيح الاعتقال من دون محاكمة.
إنه حمل ثقيل عانى منه السوريون ودفعوا بسببه كثيرا من الأثمان، ولكن كل تلك السنين كانت مجرد بداية للخراب الكبير، فعلى الرغم من أن بشار الأسد ألغى العمل بحالة الطوارئ في نيسان 2011، إلا أن البلاد كانت قد دخلت حالة حرب حقيقية مع نشر الوحدات العسكرية في مختلف أرجاء الوطن، كان مشهد نشر الآليات والمدرعات القتالية مهيبًا، وينذر بالكارثة التي ستحل بالسوريين لاحقًا.
طالما لجأ نظام البعث وتحديدًا في ظلّ نظام الأسدين الأب والابن إلى الحلول العسكرية والقائمة على العنف لحل أي قضية سياسية، كان نشر الرعب وسيلة لتثبيت أركان النظام، وآلية الأحكام العرفية وقانون الطوارئ تتيح التصرف كما يحلو لهم بمصائر الناس ومقدراتهم. اعتقالات تعسفية، وأحكام جائرة تصل إلى التعذيب، والقتل، والرمي بالرصاص عند الغضب كما فعل رفعت الأسد في سجن تدمر سيّئ الصيت.. لا محاكم عادلة، لا مرافعات، ولا تحتاج ماكينة القتل الأسدية إلى أدلة أو قرائن تسوغ الأحكام الجائرة التي تتلى على عجل بينما حبل المشنقة المتدلي ينتظر مزيدا من الضحايا.
اليوم لن أتحدث عن قانون الطوارئ وحالة الأحكام العرفية، بل سيكون الحديث عن الأُثر العميق الذي تركته هذه الأحكام في المجتمع السوري، وكيف صاغت تلك المرحلة وما نتج عنها مخيلتنا وأفكارنا وتصوراتنا عن أنفسنا وعن الدولة وعن الآخر.
كم من فتاة دفعت أثماناً من عمرها وسمعتها نتيجة هذه الأقاويل التي تتحول لتصير أحكاماً عرفية، في مجتمع تمشي فيه المرأة على حبل رفيع، في طريق مليء بالألغام..
صار المجتمع السوري نتيجة لهذا المناخ السائد، حادّاً في أحكامه، صارماً في محاكماته، منغلقاً على ذاته، يبدو أن الإنسان يخضع لتأثير السلطة ورموزها، ويتعلم من النموذج الأعلى الذي يحكم ويحاكم من دون أن يحتاج إلى دليل، ولا يحترم الإجراءات، ويعاقب بلا مساءلة.. في مدارسنا على سبيل المثال كنا نتعرض للعقوبة بناء على تهمة أو وشاية غير صحيحة، ومن دون أن يُسأل أحد عما حدث فعلًا.
تحول كثير من السوريين في الأوساط الاجتماعية إلى قضاة يطلقون الأحكام على الآخرين، صار من الشائع -وبخاصة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي- أن يمارس المواطن السوري دور القاضي، والحاكم، الجهة التي تبت بالقضايا الكبرى والصغرى وما بينهما، ويبدو أن العيش تحت ظروف القمع والأحكام التي لا تقبل الجدال، ولدت الرغبة في امتلاك سلطة ما، ولو وهمية، وقد وفر منطق الحارة ووسائل التواصل الاجتماعي هذه الميزة، وصار متاحا إطلاق الأحكام النهائية من دون أي حاجة للتبين أو التحقق أو توخي الدقة والالتزام بالعدالة أو الحدّ الأدنى من الموضوعية.
في هذه البيئة تحولت أحكام الآخرين على الآخرين بمنزلة أحكام مبرمة ونهائية، ما يعرقل الكثير من أوجه النشاط الطبيعي للإنسان سواء في العمل أو الزواج أو الانخراط في نشاطات المجتمع المختلفة، وذلك بناء على شبهة أو حكم جائر تطلقه نساء الحارة ورجالها في جلسات القهوة الصباحية التي تتحول لتكون محكمة عرفية تطلق أحكامها وقراراتها النهائية حسب المزاج.. كم من فتاة دفعت أثماناً من عمرها وسمعتها نتيجة هذه الأقاويل التي تتحول لتصير أحكاماً عرفية، في مجتمع تمشي فيه المرأة على حبل رفيع، في طريق مليء بالألغام.
لكن لماذا يطلق بعض السوريون الأحكام على بعضهم الآخر بموجب الاشتباه؟ هل يعود ذلك إلى الكراهية التي تسللت إلى قلوبهم؟ هل هو سلوك "الفجور بالخصومة" وهو التعبير الذي صار رائجًا ليصف المدى الذي وصل إليه الوضع السوري العام؟ إن التنقيب عن أسباب ضعف الثقة بين السوريين يعود في تصوري إلى عامل الخوف، فالمجتمع الذي عاش عقودًا من الزمن في نمط من العلاقات القائمة على الوشاية، الشك، الخوف، الريبة، الكراهية، الاعتقال، يدفع بالمرء لتبني منطق الاحتياط والحكم الاستباقي على حساب العدالة، فالعدالة لا قيمة لها أمام الشعور بالأمان، وبالطبع أمام الشعور بالانتصار الرمزي.
لقد رسخت الدولة الأمنية الاعتقال بناء على الشبهة، وصار بديهيًّا التضحية بالمبدأ والقانون والقضاء، لينتصر المزاج والرغبة والمصلحة الشخصية والهراء في فضاءات السوريين وتفاعلاتهم اليومية، يمكن رصد ذلك ببساطة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وحتى وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية.
هنا أتساءل إن كان المجتمع السوري ضحية السلطات السياسية الحاكمة أم شريك لها؟! أظنّ -ومن دون مواربة- كلا الأمرين صحيحًا؛ فالمجتمع ضحية للنظام البعثي والأسدي منه على وجه التحديد، لأنه تكوّن وتفاعل تحت سياط القمع، وبموجب الخوف والأحكام العرفية، وهو شريك لأن أفراده تقمصوا شخصية القائد الأوحد الذي قرر ويحكم ويحاكم من دون أن يراجعه أحد، فالمجتمع أعاد إنتاج القمع، كما أعاد إنتاج تلك الأحكام العرفية وطبقها على أفراده الأكثر ضعفا وهشاشة.
وهذا ما يدفعنا للقول إنّ مسار السوريين نحو مجتمع صحي طويل لم ينته مع سقوط النظام السوري، هذا المسار ينتهي عندما يتوقف المجتمع عن إعادة إنتاج تقاليد وأعراف هذا النظام مجددا، عندما يثور على ذاته ويتخلص من تلك التركة الثقيلة ويبدأ بالتعافي من حمولات ذلك الماضي.
يبدو أن محاكم المجتمع السوري العرفية امتداداً مشوهاً لقانون الطوارئ الذي ترك أثراً عميقاً فينا، وصارت هذه المحاكم جزءاً من تكويننا اليومي، من لغتنا، ومن نظرة بعضنا إلى بعضنا الآخر، وإلى العالم من حولنا..
كان شعار العدالة واحدا من أهم شعارات الثورة السورية إلى جانب الحرية والكرامة، ولكن العدالة كانت أولى ضحايا الحرب، بل إن الحرب في واحد من معانيها هو قتل العدالة، ومن هنا نرى أن السوريين تأثروا بحالة الحرب، وشرعوا في قتل العدالة التي طالما طالبوا بها، من يطلب العدالة حقا عليه أن يرفض منطق الحرب ونتائجها. من يطالب بالعدالة عليه أن يكون موضوعيًّا في أحكامه، منصفًا في قراراته، مؤمنًا بالمساواة في أدبياته، لا يعتمد الوشاية والاتهام والتلفيق ومنطق الفجور بالخصومة في الصراع أو المنافسة مع الآخرين.
يبدو أن محاكم المجتمع السوري العرفية امتدادا مشوهًا لقانون الطوارئ الذي ترك أثرًا عميقًا فينا، وصارت هذه المحاكم جزءًا من تكويننا اليومي، من لغتنا، ومن نظرة بعضنا إلى بعضنا الآخر، وإلى العالم من حولنا، لم نعد نحتاج إلى سلطة وإجراءات قانونية لتعلن الحكم، صرنا نحمله معنا، جاهزًا، وسريعًا، وقاسيًا.
في مجتمعنا الذي تعلم الخوف والتوجس لسنوات طويلة، لم تعد العدالة بحثًا عن الحقيقة؛ فصارت الأحكام مهما كانت جائرة بديلًا للعدالة، وذلك بحثًا عن الأمان أو الانتصار مهما كان رخيصًا، وحتى لو على حساب إنسان آخر، يكفي أن يقول أحدهم رأيًا مخالفًا، أو أن يكون هناك من يريد الانتقاص منه، لتبدأ عملية إطلاق الأحكام العرفية التي لا مرافعات قانونية فيها ولا استئناف، يكفي أن نفترض أمرا ما بأحد الأشخاص ونعلن أحكامنا الجائرة بحقه.
Loading ads...
ربما لم تنته صلاحية الأحكام العرفية وحالة الطوارئ عندما ألغيت رسميًا، بل هي بدأت فعليا حينما انتقلت من الدولة إلى المجتمع، فهل يمكن أن تُلغى حالة الطوارئ والأحكام العرفية بعد أن صارت تسكن فينا، وجزءًا منا، نحن السوريين؟!.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه



