كنتُ طفلةً صغيرةً جداً حين غرست أمي في قلبي أولى بديهيات الوجود؛ بذرة لم أكن أعلم أنها ستكبر لتصير ظلّي الذي يلازمني حتى المنتهى: "الله هو الذي خلقكِ"، و"الله يرزقنا، ويحفظ خطواتنا، ويرانا في كل حين".
في ذلك العمر الغضّ، لم تستوقفني الأسئلة الوجودية الثقيلة؛ لم أسألها كيف خلقني، ولا أين كان قبلي، أو ما الحكمة من وجودي هنا.
وكان ذلك كافياً كي أحبّه.
أحببتُ الله كما يحبّ الطفل الأشياء التي تمنحه الأمان. أحببته في ابتسامة أمي، في بيتي الدافئ، في الطعام الذي كان يجد طريقه إلى مائدتنا بانتظام، وفي شعري الطويل الذي كنت أظنّه معجزةً شخصيةً صغيرةً، وفي كل شيء جميل كنت أعتقد أنّ الله وضعه في يدي خصيصاً.
كان الله، في طفولتي، يشبه يداً لا أراها، لكنني أثق بأنها تمسك بي.
كبر الإيمان في داخلي، لكنه تحوّل تدريجياً إلى عادةٍ مألوفة من عادات الحياة. أضحى حضور الله في يومياتي شيئاً بديهياً لا يثير فيّ الشغف، ولا يدفعني إلى التفكّر. كنت أمارس إيماني بانتظام، لكنه كان إيماناً وراثياً، وهادئاً حدّ السكون.
لم أكن أعلم إن كنتُ أحبّ الله حقاً أو أمارس طقوساً أخذتها عن أهلي، كما أخذتُ اسمي ونبرة صوتي وملامح وجهي.
حتى أنا، بمبادئي البتول كلها، وحجابي الأسود، وإيماني الخام، أحببتُ رجلاً ملحداً، يكفر بكل ما أؤمن به.
كان اقتحامه عنيفاً، لذيذاً، ومربكاً. لكن اختلافنا لم يكن عابراً قط؛ كان يقف بيننا كجدار، وكلما اقتربت منه اصطدمت بما تربّيت على رفضه.
فعلى الرغم من عينيه العسليّتَين، حادّتَي التعبير، والفارغتَين من المضمون الذي كنت أبحث عنه، وعلى الرغم من ذلك الانجذاب الفتّاك نحوه، كنت أراه خطراً على موروثاتي كلها التي شكّلت أماناً في عقلي الذي لم يألف السؤال.
ثمّ اكتشفت، للمفارقة، أنه أرشدني إلى الله، وأيقظ، بكل قلة حيلته، شيئاً أعمق في داخلي.
كان يسألني عن قصصٍ نشأتُ عليها غير قابلةٍ للتشكيك؛ عن النبيَّين يوسف ويونس وغيرهما، ويسألني: أين الدليل التاريخي؟ ماذا يقول العلم عن هذه الوقائع؟ ولماذا نؤمن بها لمجرد أنها وردت في القرآن؟
اكتشفتُ عند كلّ سؤال أنني أحفظ الإجابات ولا أملكها. كان يضع يده على مواضع الشك التي كنت أخبّئها عن نفسي.
في البداية، كنت أدافع أكثر مما أجيب، ثم بدأت أبحث.
قرأت عن أصول بعض القصص والروايات التي وردت في القرآن، وكنت كلما وجدت روايةً أقدم أو تشابهاً تاريخياً، يرتجف شيءٌ في داخلي. راودتني، للحظة، خيبةٌ تشبه الخديعة: أيمكن أن يكون القرآن، الكتاب الذي آمنت بأنّه كلام الله، وميزان حياتي وقانونها، مجرد حكاياتٍ ورثناها ثمّ أضفنا إليها قداسةً؟
ثمّ فهمت أنني كنت أضع إيماني في المكان الخطأ.
الإيمان ليس معادلةً أخضعها للتجربة كي أقرّر بعدها إن كانت صحيحةً أم خطأ. هو شيءٌ من اليقين والاستسلام، لا يلغي السؤال، بل يترك لنا مساحةً للبحث والاكتشاف.
كان الحوار معه أشبه بزيارةٍ إلى النجوم، إلى فلكٍ بعيد، مضيءٍ وبهيّ، إلا أنني كنت أشعر بالتيه في عوالمه. أردت أن أُسهب في كل تلك الأسئلة، أن أستميت في الدفاع عن عقائدي، بينما ما كنت أريده حقاً هو أن أفهم. أن أجيب بمنطق. وهذا ما عجزت عنه.
لماذا أنتِ على حق؟ لماذا ربّكِ هو الحق؟ وماذا عن آلاف الأديان التي آمن بها البشر قبلك؟ وكيف عرفتِ أصلاً أنه موجود؟
لم أجد إجابةً معلّبةً تقنع رجلاً مثله، فبدأت أقرأ. قرأت مصطفى محمود، وجلال الدين الرومي، وشمس الدين التبريزي، وذهبت أبعد مما كنت أظنّ أنني قادرة على الذهاب.
لم أكن أبحث عن إجابةٍ أنتصر بها في نقاش، بل عن يقينٍ أستطيع أن أعيش به حين لا يكون أحدٌ أمامي.
وحين عدتُ إليه، لم آتِ بالحجة التي لا تُردّ أو بفكرٍ متعنّتٍ بأنّ كل ما يقوله صحيح، بل بروحٍ اهتدت أخيراً إلى خيطٍ رفيع، أوّله لاذعٌ وآخره نور.
لم أقل إنني على حقّ، لأنني وُلدت مسلمةً، بل لأنني بحثت، وسألت، وواجهت الشك، ثم اخترت ما رأيته أكثر اتساقاً مع عقلي وفطرتي. عدت بعينين واسعتين، وبشيءٍ من اليقين الذي لم أعرف كيف أصفه. كنت أعرف أنني أحبه، وأعرف، في العمق نفسه، أنّ الله هو الحق المبين.
أؤمن لأنني أرى أنّ وجود الكون نفسه يفتح سؤالاً أكبر من أن أتجاهله: من أين جاء هذا كله؟ وما الذي يجعل وجوده ممكناً؟
ثمّ بدأت أبحث في الأديان نفسها: من أين جاءت؟ ماذا تقول عن الله؟ ماذا نعرف عن نصوصها؟ وما الدليل على صدق أنبيائها؟
أما وجود آلاف الأديان، فلم يعُد بالنسبة إليّ حجةً ضد الإيمان، بل صار سؤالاً آخر يجب أن أواجهه: إذا كانت الحقيقة واحدةً، فأيّ هذه الطرق أقرب إليها؟
لم أصدّق، في البداية، أنني أنا من أتفوّه بكل ذلك، وأنني أستطيع أن أتحدث عن الله والأديان بعقلٍ نابضٍ لا يخاف من السؤال.
ليس لأنه وجد ضالّته في إجابتي، بل لأنه رأى أنني أؤمن، وأفكّر، وأبحث، ولا أخون ميثاقاً بيني وبين السماء.
لم يعُد الله قوةً خارقةً سمعت عنها في طفولتي، بل صار اختياراً واعياً. صار سؤالاً أعود إليه، وأبحث عنه، وأكتشفه في رحلتي الخالصة.
رأيتُ بعينيه إيماني عارياً من العادة، ووجدتُ نفسي أبحث عن الله لا لأنّ أحداً طلب مني ذلك، بل لأنني احتجت إليه.
أصعب ما في رحلتي تلك لم يكن أن أؤمن بالله، بل أن أختار بينه وبين كل خليةٍ في جسدي كانت تريد، للمرة الأولى، أن تقترب من خطيئتها الأولى مع ذلك الرجل.
كنت أريده، وأعرف في الوقت نفسه أنّ الطريق إليه يأخذني بعيداً عن الطريق الذي أريد أن أسلكه.
أدركت بعدها أنّ الله لم يكن غائباً عني يوماً. كنت أنا التي ابتعدت، ثمّ ظننت أنّ المسافة دليلٌ على غيابه.
وحين عدت، لم أعُد كما كنت. لم أعد أؤمن لأنني طفلةٌ صدّقت أمها، بل لأنني امرأةٌ اختبرت الشك، وواجهت الرغبة، وخسرت ما أرادت، ثمّ اختارت الله برغم ذلك.
اخترته وأنا مرتبكة، وأنا أرغب، وأنا أشكّ، وأنا أخطئ، وأنا أخسر. العودة إلى الله لا تبدأ دائماً من الطاعة. أحياناً تبدأ من الانكسار، من سؤالٍ لا نجد له جواباً، من علاقةٍ تكشف لنا هشاشتنا، أو من رغبةٍ نكتشف أنها أكبر من قدرتنا على حملها.
نعود إليه بخطواتٍ وجلة، وبأخطاءٍ لم نتخلّص منها تماماً، وبقلوبٍ نعلم أنها قد تضعف في الجولة القادمة.
لكننا نعود بكل ثبات، لأنّ في وجداننا يقيناً لا يتزعزع:
الله لا يطلب منا أن نأتيه أصحّاء بلا جراح، بل يفتح بابه كي نأتي بجراحنا إليه.
ربما بهذه الطريقة تحديداً أحببتُ الله.
Loading ads...
ولم أكتشف، في النهاية، أنني تأخرتُ في محبته، بل اكتشفتُ أنني كنت أتعلّم كيف أراه.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






