ساعة واحدة
ما بعد البيئة.. دراسة تكشف أثر أزمة المناخ على الروابط الاجتماعية
الأحد، 17 مايو 2026

لم يعد تغير المناخ يهدد البيئة والاقتصاد فحسب، بل بات يطال أيضاً الروابط الاجتماعية التي يعتمد الناس عليها للصمود في أوقات الأزمات، وفق دراسة دولية حديثة.
وتحذر الدراسة من أن موجات الحر والتلوث والفيضانات والحرائق والجفاف تعيد تشكيل الحياة الاجتماعية اليومية، وتُضعف تماسك المجتمعات وقدرتها على التعافي من الكوارث.
وتضع الدراسة، المنشورة في دورية Nature Human Behaviour، مفهوم "الصحة الاجتماعية" في صميم النقاش المناخي، باعتباره أحد العوامل الأساسية للقدرة على التكيف والصمود في عالم يتغير مناخياً.
بحسب الباحثين، تؤدي الضغوط المناخية المتزايدة إلى تقليص فرص التواصل بين الناس، في الوقت نفسه الذي تصبح فيه هذه العلاقات أكثر أهمية للنجاة والتكيف.
وهكذا تنشأ دائرة مفرغة؛ فتغير المناخ يضعف الروابط الاجتماعية، ما يقلل قدرة الأفراد والمجتمعات على الصمود أمام تداعيات الظاهرة المناخية.
وعادة ما ينظر إلى تغير المناخ بوصفه تهديداً يتعلق بارتفاع درجات الحرارة، أو تزايد الكوارث الطبيعية، أو الخسائر الاقتصادية، لكن الدراسة الجديدة تشير إلى أن جزءاً كبيراً من الخطر يحدث في المساحات الأقل وضوحاً مثل العلاقات بين الجيران، وأنشطة المدارس والعمل، واللقاءات في الحدائق والساحات العامة، وشبكات الدعم غير الرسمية التي تظهر أهميتها عندما تتعطل الحياة الطبيعية.
توضح المؤلفة الرئيسية للدراسة مارلي باور، الباحثة في مركز "ماتيلدا" لأبحاث الصحة النفسية واستخدام المواد بجامعة سيدني، أن تغير المناخ ليس أمراً بعيداً عن الناس، بل يعيد تشكيل الطريقة التي يعيشون ويتواصلون بها، ويحدد في النهاية من يملك سنداً عند وقوع الأزمات ومن يُترك وحيداً.
وتجمع الدراسة أدلة عالمية تبين أن الضغوط المناخية تقلل من فرص التواصل اليومي؛ فموجات الحر وتلوث الهواء يدفعان الناس إلى البقاء داخل المنازل، وتجنب الأماكن العامة المشتركة، بينما تؤدي اضطرابات العمل والمدارس إلى إضعاف العلاقات المنتظمة التي تمنح الأفراد شعوراً بالانتماء والاستقرار.
وتشير أدلة من الصين وتوفالو إلى أن هذه الضغوط قد تقلل النشاط الاجتماعي، وتزيد أعراض الاكتئاب، وتدفع بعض الأشخاص إلى الانسحاب من الحياة المجتمعية.
وتقول باور إن هذه ليست آثاراً جانبية هامشية؛ فالروابط الاجتماعية تشكل أحد خطوط الدفاع الأساسية في مواجهة الأزمات، سواء عبر المساعدة المباشرة، أو تبادل المعلومات، أو الدعم النفسي.
وتظهر الآثار الاجتماعية لتغير المناخ بوضوح أكبر عند وقوع الكوارث المفاجئة، مثل الفيضانات والأعاصير، وحرائق الغابات. فهذه الأحداث لا تدمر المنازل والبنية التحتية فقط، بل تمزق أيضاً الروتين اليومي والعلاقات المستقرة التي تبنى حول المكان.
وعندما تهجّر مجتمعات بأكملها، أو تنقل إلى مناطق أكثر أماناً، قد يتحسن وضعها من حيث الحماية الجسدية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحسن صحتها الاجتماعية.
وتعرض الدراسة حالات من جمهورية الدومينيكان واليابان تظهر أن الانتقال إلى أماكن أكثر أماناً بعد الكوارث قد يترك كثيرين أكثر عزلة وأضعف صحة. فالمكان ليس مجرد جدران أو طرق أو خدمات؛ إنه شبكة من العلاقات والذكريات والعادات اليومية. وعندما تقطع هذه الشبكة، يفقد الناس جزءاً من قدرتهم على التكيف، حتى لو صاروا أقل تعرضاً للخطر المباشر.
ولا تقتصر المشكلة على الكوارث السريعة؛ فالتغيرات البطيئة مثل الجفاف الطويل يمكن أن تؤدي إلى النتيجة نفسها على مدى سنوات.
ففي المناطق الريفية في أستراليا، ارتبط الجفاف الممتد بتراجع المشاركة في الحياة المجتمعية وزيادة العزلة. ومع الضغوط المالية، وانعدام الأمن الغذائي، وانتشار المعلومات المضللة، تصبح الثقة والتواصل أكثر هشاشة، وتضعف قدرة المجتمع على العمل المشترك.
تؤكد الدراسة أن هذه الآثار لا تصيب الجميع بالقدر نفسه؛ فالأشخاص الذين يعيشون بالفعل ظروفاً اجتماعية، أو اقتصادية صعبة، يكونون أكثر تعرضاً لمخاطر المناخ، وأقل قدرة على الحفاظ على شبكات الدعم.
وتصف الدكتورة باور هذا الوضع بأنه "عبء مزدوج"؛ فهؤلاء أكثر هشاشة أمام آثار المناخ؛ بسبب ظروف السكن والمعيشة، وفي الوقت نفسه يملكون موارد اجتماعية ومالية أقل تساعدهم على الصمود. ومع تراكم هذه الضغوط، يتحدث الباحثون عن اتساع "فجوة الصحة الاجتماعية" بين من يظلون متصلين بمجتمعاتهم، ومن يدفعهم المناخ تدريجياً نحو العزلة.
وتشير الدراسة إلى أن ذوي الروابط الاجتماعية الأضعف يكونون أكثر عرضة للوفاة أثناء الكوارث مقارنة بمن يملكون شبكات دعم قوية. وخلال موجة الحر الشديدة في كولومبيا البريطانية عام 2021، التي تسببت في أكثر من 600 وفاة، شكل المصابون بالفصام نحو 8% من الوفيات المرتبطة بالحرارة.
وبحسب الباحثين، فإن تجاهل الصحة الاجتماعية يعني إغفال عامل رئيسي؛ فالنجاة لا تعتمد فقط على قوة المباني أو سرعة الإسعاف أو دقة التنبؤات الجوية، بل تعتمد أيضاً على وجود شخص يطمئن عليك، أو جار يعرف أنك تحتاج إلى مساعدة، أو شبكة مجتمعية تنقل المعلومات، وتتحرك قبل فوات الأوان.
Loading ads...
تذهب الدراسة أبعد من تشخيص المشكلة، إذ تدعو إلى التعامل مع الاتصال الاجتماعي باعتباره جزءاً من "البنية التحتية المناخية"؛ فكما تستثمر الحكومات في السدود وشبكات الكهرباء وأنظمة الإنذار والطوارئ، يرى الباحثون أن عليها الاستثمار أيضاً في النظم الاجتماعية التي تحدد من يحصل على المساعدة وقت الأزمة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




