أنا لا أرتدي الكوفية، قلّما حدث هذا.
والأسوأ أنني أفضّل المندي على المسخن، ولا أستمتع بمعظم الأغاني الفلسطينية، ولا أحب شعر محمود درويش القديم، ولا أرتدي الثوب المطرّز، وفوق كل هذا لا أكتب عن الوطن كثيراً.
وكل ما سبق لا ينتقص من فلسطينيتي.
لا شيء ينتقص منها... فهي متحققة بذاتها، والرموز واستخداماتها بالنسبة إلى شخص مثلي هي حمولة فائضة، ودعاية غير ضرورية لما هو مكتمل بالفعل.
الرموز ليست الوطن نفسه، هي أدوات نلجأ إليها حين نريد أن نُذكّر العالم بقضيتنا، أو حين نرغب في تذكر من نحن. وفي قصة تتغير بسرعة كقصتنا الفلسطينية، وتُغير معها الجغرافيا والتاريخ، فما يقوله الرمز أيضاً يتغير بتغير الوقت.
وكذلك حدث مع الكوفية: فانتقلت من كتف الفلاح، إلى عنق الفدائي، إلى رأس "الختيار" وهو يرفع غصن الزيتون في الأمم المتحدة، إلى تغطية وجه الملثم.
لذا، لو كنت مكان إليسا لفعلت الشيء نفسه، ولأعدت الكوفية لصاحبها، لأن هذا حدث في 2026. ولو أعطاني أحدهم الكوفية في 1987، في زمن الانتفاضة الأولى لارتديتها بكل زهو.
في هذه السنوات تغيرت نظرة العالم إلينا، وتغيرت نظرتنا إلى أنفسنا. لعلنا اليوم بحاجة إلى رموز جديدة، ليست ماضوية، ولم تستحوذ عليها فئة دون أخرى.
للرمز قوته، وسطوته، وهو القادر على اختصار ما لا يمكن رؤيته مكتملاً في لحظة واحدة. كفلسطين مثلاً.
لكن ما بات يخيفني في الرموز الفلسطينية أنها تقوى أكثر من اللازم، إلى الحد الذي باتت تقارب قوتها قوة الأسطورة، ففي السيميائيات وعلم العلامات هذا ما يحدث حين يشتد بأس الرموز، وهو المؤشر الأسوأ على أن "كمية الواقع" واحتمالات تحققه تقل في قضيتنا، وكلما انتشرت رموزنا أكثر في العالم كان دليلاً على أننا ننقص، أرضاً وشعباً وتماسكاً، وأن قصتنا تتحول إلى أسطورة، كي لا أقول خرافة قديمة.
والكوفية ببعدها النضالي تعتاش بشكل ما على حساب البعد السياسي، ولنكن صادقين مع أنفسنا، التخيل دائماً سيظل أجمل من الواقع، والأدرينالين الذي نحصل عليه في تظاهرة ضد إسرائيل واحتلالها وإبادتها لنا ووصف العالم لنا بالأحرار والأبطال، أكثر إرضاء بكثير من الجلوس على طاولة مع ثلاث خبراء لمراجعة مسودات تقارير جافة عن تحسين المعاملات الحكومية، في محاولة لبناء دولة بالطرق المملة التي يتبعها العالم.
نحن مدمنون على الوطن، ومترفعون عن الدولة، ولأن نظرتنا لأنفسنا تغذيها الرموز -التي نملك منها أكثر مما تملكه شعوب الأرض مجتمعة- فسنعاني دائماً من متلازمة الاستحقاق، وسنصدق أسطرتنا، ولن نعثر على لغة ثالثة لا تشبه الخطاب المتأرجح بين ثنائية الابتزاز والاستجداء.
ما حدث مع إليسا هو شكل من أشكال الابتزاز الصريح الذي يحق للأساطير فقط أن تمارسه، والحقيقة أن فيه استجداء غير كريم باسم فلسطين.
السياق هنا أهم من الفعل، ففي حفل غنائي، في مهرجان فني، لمغنية غير فلسطينية، ولا تقدم الأغاني الوطنية، لا أحد يتوقع أن تكون القضايا الوطنية هي متن الحدث، وإن صارت سوف يعد ذلك مفاجئاً، لكنه في كل الأحوال ليس إلزامياً.
ليس إلزامياً أن تكون قضيتنا هي محور كل حدث في كل وقت وكل بلد وكل مناسبة، وليس إلزامياً أيضاً أن تحصل كل شخصية عامة عربية على "صك وطنية" منا، وليس إلزامياً أن يكون لكل إنسان رأي كامل ومعلن من قضيتنا.
التضامن خيار فردي، وشكل التضامن كذلك هو خيار فردي. وحتى عند أعتى "المتضامنين" وأشرسهم فهو لا يحدث في كل مكان وكل زمان، ولأنه كذلك -خيار حر بالكامل- يأخذ قيمته المعنوية كفعل إنساني نبيل.
أما أقل ما يمكننا فعله كفلسطينيين، فهو ألا نقبل بفرض التضامن الإجباري مع قضيتنا، أو أن تُستخدم لقمع الآخر باسمنا، أو أن تكون العدالة التي نطمح إليها ذريعة لأي ظلم أو حكم أخلاقي، ولعل ما مارسته الأنظمة العربية الشمولية سابقاً باسمنا من البعث العراقي، إلى البعث السوري و"فرع فلسطين" كان أقسى درس لنا عن ترك الناس لخياراتهم.
نحن في مكان معتم وغامض من التاريخ، نحن الفلسطينيين الذين حولتنا الخيارات غير الوطنية والقنوات الإخبارية من "أكثر شعب عربي متعلم" ومن "رمز الثورية في العالم"، إلى صوت متكرر للتسول ومحاكمة الآخرين.
لماذا لم يُرمَ العلم اللبناني على إليسا، بلادها أيضاً جُرحت بنفس السكين الإسرائيلية؟
لماذا رفع الناس أعلامنا وكوفيتنا وصورنا في لحظة ثم فرغت الشوارع والساحات من مؤيدينا؟
لماذا تغيرت أولويات المجتمع الدولي وصرنا الخبر الثالث في النشرات؟
هل استنزفنا "رموزنا"؟
أم هل أكثرنا من الحكم على الآخرين أم أن العالم ملّ من عدم قدرتنا على توحيد رؤيتنا لقضيتنا وإصرارنا على الرمزية مقابل الواقعية؟
Loading ads...
إذا لم ننتبه نحن الفلسطينيين إلى خياراتنا، وخطابنا، ومن يمثلنا ومن يتكلم باسمنا، فلن تكون إليسا وحدها، كثيرون سيعيدون لنا الكوفية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






