42 دقائق
اختباران فاصلان.. كيف ستديرهما الحكومة المغربية الجديدة؟
الجمعة، 25 سبتمبر 2026

لم تحمل الانتخابات التشريعية المغربية، التي جرت يوم 23 سبتمبر/أيلول الجاري، أية مفاجآت تذكر. فقد كان المراقبون يتوقعون سلفا تصدر حزب الأصالة والمعاصرة (المعروف اختصارا بـ"البام" بالفرنسية) نتائج الاقتراع، فضلا عن عودة حزب العدالة والتنمية إلى المشهد.
لقد انصب الرهان الأساسي في هذه الانتخابات على نسبة المشاركة؛ حيث سادت مخاوف من العزوف الانتخابي، عززتها مؤشرات عدة كضعف الإقبال على التسجيل في اللوائح الانتخابية، وتواضع الحضور في التجمعات إبان الحملة.
أما الرهان الثاني، فتمثل في التساؤل عن المرتبة التي سيحتلها حزب العدالة والتنمية (الإسلامي)، لا سيما بعد السقوط المدوي الذي كابده في الانتخابات ما قبل الأخيرة، حين تراجع من كونه القوة السياسية الأولى بما يتجاوز الـ100 مقعد لولايتين متتاليتين، إلى المرتبة الثامنة بـ13 نائبا فقط.
كان هاجس العزوف حاضرا بقوة؛ إذ برز تساؤل مقلق عما إذا كانت نسبة المشاركة ستنخفض إلى ما دون عتبة 30%، مما من شأنه أن يطعن في جدوى العملية الانتخابية برمتها، وينسف بالتالي شرعية الحكومة المرتقبة
كانت عودة حزب العدالة والتنمية أمرا واردا، إلا أن الحدث الأبرز كان سيتجسد فيما لو تصدر الحزب النتائج؛ إذ كانت المنهجية الديمقراطية ستفرض اختياره حينها لقيادة الحكومة؛ بيد أن السياق السياسي لعام 2011 يختلف جذريا عن السياق الحالي، فالمغرب اليوم مرتبط بـ"اتفاقية أبراهام"، في حين تعهد عبد الإله بنكيران خلال الحملة بالانسحاب منها.
وهنا يطرح التساؤل: هل يستطيع المغرب التخلي عن هذه الاتفاقية دون تحمل كلفة جيوسياسية؟
علاوة على ذلك، يقبل المغرب على استحقاق استضافة كأس العالم؛ فهل تتوافق ملامح وأساليب الوزراء المحتملين من حزب العدالة والتنمية مع متطلبات كسب رهان المشاريع الكبرى وإدارة العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية؟
كان هاجس العزوف حاضرا بقوة؛ إذ برز تساؤل مقلق عما إذا كانت نسبة المشاركة ستنخفض إلى ما دون عتبة 30%، مما من شأنه أن يطعن في جدوى العملية الانتخابية برمتها، وينسف بالتالي شرعية الحكومة المرتقبة.
لقد باتت النتائج معروفة؛ فقد بلغت نسبة المشاركة ما يزيد قليلا على 38%، وهي تظل في المحصلة نسبة مقبولة، وتجدر الإشارة إلى أن هذه النسبة كانت متدنية وفي حدود 26% على المستوى الوطني حتى الساعة الخامسة من عصر يوم الاقتراع، قبل أن تشهد الصناديق إقبالا متزايدا في الساعات الأخيرة، بفضل جهود التعبئة التي قادتها السلطات والأحزاب على حد سواء.
بيد أن هذه النسبة "المقبولة" تستوجب قراءة أعمق؛ فرقم 38% يقتصر على المواطنين المسجلين فقط، بينما توجد شريحة واسعة غير مسجلة. وبحساب الكتلة الناخبة الفعلية، نجد أن نسبة المشاركة تقارب 23% فقط ممن يحق لهم التصويت. ويعني هذا أن 77% من الناخبين المحتملين بقوا خارج اللعبة الانتخابية، وإن لم يكونوا بالضرورة خارج العملية السياسية بمعناها الأوسع.
وتتعلق الملاحظة الثانية بتصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات، وهو الحزب الذي لا يتجاوز عمره 20 عاما، لكنه مر بحيوات وتحولات عدة خلال هذه الفترة.
لقد تأسس الحزب في الأصل بهدف كبح جماح المد الإسلامي، وتوالت على قيادته شخصيات من مشارب متنوعة ضمت توجهات يسارية، وتكنوقراطية، وأعيانا، كما تعرض لهزات سياسية طالت بعض قيادييه مما أثر سلبا على نتائجه في انتخابات 2021.
ومع ذلك تمكن الحزب من إجراء عملية إعادة ترتيب لأوراقه الداخلية، أو ما يشبه "البيريسترويكا" (برنامج للإصلاحات الاقتصادية أطلقها رئيس الاتحاد السوفياتي الأسبق ميخائيل غورباتشوف)، ليغدو مقبولا في المشهد السياسي بقيادات شابة.
حزب العدالة والتنمية تعافى بعد الكبوة التي مني بها في الانتخابات ما قبل الأخيرة، واستطاع أن يعيد حضوره بفضل قيادة عبد الإله بنكيران
غير أن العامل الحاسم في تحقيقه هذه النتائج تمثل في التحاق رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم فوزي لقجع بصفوف الحزب؛ فالنتائج التي حققتها كرة القدم المغربية جعلت من لقجع وجها شعبيا، يضاف إلى ذلك كونه وزيرا منتدبا في المالية، مما يعكس حنكته التقنية في مجال دقيق وحساس.
لقد استشعر الفاعلون الحزبيون أن انضمام لقجع إلى "الأصالة والمعاصرة" سيصنع الفارق المأمول، ومن جهته أفلح لقجع في حملته الانتخابية في مزج لغته التقنية بخطاب سياسي؛ حيث تعهد برفع القدرة الشرائية، والقضاء على ظاهرة "المغرب بسرعتين "، والارتقاء بالمغرب إلى المرتبة السادسة عالميا في الصحة والتعليم محاكيا فعله في كرة القدم.
بطبيعة الحال تكتب لغة الحملات الانتخابية كالشعر، بينما يقتضي تنزيلها على أرض الواقع نثرا عمليا، وشتان بين الوعود والواقع.
غير أن لغة لقجع البسيطة أثناء الحملة، وقدرته السجالية، وتنقلاته في ربوع البلد، ساهمت جميعها في النتائج التي حصدها الحزب وفق إجماع كثير من المراقبين.
لقد استطاع لقجع أن ينفصل عن التحالف الحزبي الذي يربطه بحزب التجمع الوطني للأحرار (أو المستقلين على الأصح)، والذي يقود الحكومة المنتهية ولايتها، محملا إياه تبعات الغلاء والأزمة الاجتماعية ولعنة الأوليغارشية؛ وبذلك كأنه قاد معارضة من داخل الحكومة، مانحا حزبه نوعا من العذرية السياسية.
أما الملاحظة الثالثة، فتنصب على حزب العدالة والتنمية الذي تعافى بعد الكبوة التي مني بها في الانتخابات ما قبل الأخيرة، واستطاع أن يعيد حضوره بفضل قيادة عبد الإله بنكيران؛ فقد جعل الأخير التنديد باتفاقية التطبيع أحد محاور حملته، واتخذ من انتقاد الأوليغارشية لازمة متكررة، مدعوما بأسلوبه السجالي؛ هكذا أخرج الحزب من سباته، وبوأه الرتبة الرابعة، وأعاده كجزء من المشهد الحزبي والبرلماني والسياسي، غير أن عدم تبوؤ الحزب للمرتبة الأولى يجعل نتيجته خالية من الرهانات الكبرى.
على صعيد الأحزاب الأخرى، لم يطرأ أي تغيير جوهري؛ إذ ظلت مرتهنة بقوتها التنظيمية والمال ونفوذ الأعيان، مع تسجيل تقدم نسبي لتحالف اليسار، الذي يخرج عن ثنائية وجدلية المال والأعيان.
أما الظاهرة اللافتة للانتباه، فتتجلى في بروز أشخاص من خارج السرب، أي خارج المنظومة الحزبية والسياسية، وتحقيقهم اختراقات مهمة؛ الأول هو السيد مصطفى لخصم، وهو من أبناء المهاجرين وبطل رياضي عالمي، التحق بحزب الحركة الشعبية الاجتماعية، وبدا تميزه في حملته جليا، لينعكس ذلك على نتائجه بتصدره الانتخابات في إقليم صفرو عن دائرة إيموزار كندر.
والثاني هو الشاب أسامة باريك، الذي ظهر في خضم "انتفاضة جيل زد" في سبتمبر/أيلول من السنة الماضية عبر حضوره على منصات التواصل الاجتماعي.
إن دفع الجماهير للمشاركة لن يتم من خلال نداءات أخلاقية، أو التذرع بـ"الواجب الوطني "، أو الاكتفاء بحملات ووصلات موسمية، بل يتحقق ذلك حينما يشعر المواطن أن لمشاركته في الانتخابات أثرا ملموسا. أما أن تتغير الوجوه ولا تتغير السياسات، أو أن ترسم خارج نطاق إرادة من اختارهم الناخبون، فمن شأنه أن يزيد من حدة العزوف، أو على الأقل، ألا يرفع من نسب المشاركة
فقد استطاع استقطاب متابعين من خلال وصلات على فيسبوك ذات أبعاد محلية ووطنية، وسعى بعدها إلى تحويل هذا الرصيد إلى عمل سياسي.
ورغم الصعوبة التي وجدها في تبني أحد الأحزاب له، تمكن من خلال حزب حديث النشأة من المشاركة في الانتخابات واستقطاب الاهتمام أثناء الحملة. وقد تصدر النتائج في إقليم ميدلت من عمق الجبل، في منطقة ذات أغلبية أمازيغية، مفتقرا لأية إمكانات سوى التعبئة الشعبية التي لقيها من ساكنة الإقليم.
وتشكل هاتان الحالتان عينة لتيار شعبوي (والذي لا ينبغي أن يقرن بالديماغوجية)؛ يقوم على التوجه المباشر نحو الشعب بلغة بسيطة لا تخلو من عاطفة واندفاع، تصدر عن أشخاص من خارج السرب. وهي ظاهرة قابلة للتطور مستقبلا.
وبهذا تبدأ المرحلة الثانية التي أعقبت الانتخابات، والمتمثلة في تشكيل الحكومة، وهي مرحلة غير ذات رهان كبير؛ فأيا كانت الأحزاب المكونة لها، لن تحيد عن المقاربة التكنوقراطية في أفق المونديال، وعن تغليب الملمح التقني للمستوزرين. ولعل عامل الحسم هنا لن يكون "الانسجام الحكومي" أو حصة الأحزاب (الكوتا) كما يقال، بل ملمح المستوزرين أنفسهم.
غير أن "حكومة المونديال" هذه لن تستطيع أن تدير ظهرها للقضايا الاجتماعية الملحة التي استفحلت مع الغلاء، كالشغل والصحة والتعليم. كما سيتعين عليها الوفاء بما تعهد به فوزي لقجع من وضع حد لمغرب بسرعتين، أو في الحقيقة، لمغرب متحرك وآخر متوقف.
ويبقى الرهان الأكبر قائما؛ كيف تستطيع الحكومة المقبلة استقطاب كافة مكونات الشعب، وبالأخص الشباب، للمشاركة الفاعلة؟
إن دفع الجماهير للمشاركة لن يتم من خلال نداءات أخلاقية، أو التذرع بـ"الواجب الوطني"، أو الاكتفاء بحملات ووصلات موسمية، بل يتحقق ذلك حينما يشعر المواطن أن لمشاركته في الانتخابات أثرا ملموسا.
أما أن تتغير الوجوه ولا تتغير السياسات، أو أن ترسم خارج نطاق إرادة من اختارهم الناخبون، فمن شأنه أن يزيد من حدة العزوف، أو على الأقل، ألا يرفع من نسب المشاركة.
Loading ads...
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




