في حين تزداد مؤشرات التوتر بين طهران وواشنطن، اعتمد مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قراراً يقضي بإلزام إيران بالكشف عن مخزونها المتبقي من اليورانيوم المخصب.
القرار الذي قدمته الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، صوت عليه الأربعاء (10 يونيو 2026) بأغلبية 21 صوتاً، مقابل اعتراض روسيا والصين والنيجر، وامتناع 10 أخرى، في حين أن فنزويلا لم يُسمح لها بالمشاركة، بحسب "رويترز".
القرار لم يكن مجرد خطوة تقنية تتعلق بالتحقق من المخزون النووي الإيراني، بل عكس في جوهره اصطفافاً سياسياً واضحاً بين معسكر غربي تقوده الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، ومعسكر آخر تقوده روسيا والصين، يرفض ما يصفه بتسييس عمل الوكالة.
في المقابل جاءت ردود الفعل الإيرانية سريعة وحادة، إذ اعتبرت بعثتها لدى الوكالة أن القرار "يفتقر إلى المهنية" ويحمل طابعاً سياسياً يخدم أهدافاً تتجاوز الإطار الفني للرقابة النووية.
هذا التوتر لا ينفصل عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تتصاعد المخاوف من انزلاق المواجهة غير المباشرة بين إيران و"إسرائيل" والولايات المتحدة إلى مستوى أكثر خطورة.
بهذا السياق حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن الشرق الأوسط "يتجه نحو أزمة أعمق وأكثر خطورة"، مشيراً إلى أن تداعيات التصعيد الأخير تتجاوز حدود المنطقة وتمس الأمن والاستقرار الدوليين.
وفي إحاطته أمام مجلس الأمن أعرب غوتيريش عن قلق بالغ من أن تؤدي الهجمات المتبادلة إلى إشعال صراع أوسع، داعياً جميع الأطراف إلى تجنب مزيد من التصعيد والعودة إلى المسار السياسي.
غير أن هذه الدعوات تأتي في وقت يبدو فيه المشهد الإقليمي محكوماً بمنطق الردع أكثر من منطق التفاوض، مع استمرار التوتر بين طهران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى.
وتزداد حساسية اللحظة السياسية مع تزامن الملف النووي مع الحرب في غزة، حيث شدد غوتيريش على ضرورة التوصل إلى تسوية سياسية تستند إلى القانون الدولي، تحفظ وحدة الأراضي الفلسطينية في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية ضمن إطار الدولة الفلسطينية، في إشارة تعكس ترابط الملفات الإقليمية وتشابكها في معادلة واحدة معقدة.
في صعيد ذي صلة صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهجته تجاه إيران، ولوّح بإمكانية توجيه ضربات عسكرية "قوية جداً"، في وقت تشهد فيه العلاقة بين البلدين توتراً متزايداً رغم استمرار المساعي الدبلوماسية.
وقال ترامب للصحفيين في البيت الأبيض، الأربعاء (10 يونيو 2026)، إن الولايات المتحدة كانت قريبة من التوصل إلى اتفاق مع طهران، لكنه اتهم الجانب الإيراني بإضاعة الوقت وعدم التعامل بجدية مع المفاوضات. وأضاف: "سنهاجمهم بقوة شديدة، كنا قريبين فعلاً من اتفاق، لكنهم يواصلون الاستخفاف بعقولنا".
وكان ترامب قد كتب في وقت سابق على منصته "تروث سوشيال" أنه يدرس إصدار أوامر لاستهداف منشآت داخل إيران، من بينها محطات للطاقة وجسور.
ورأى أن طهران فوتت فرصة التوصل إلى اتفاق كان سيحقق لها مكاسب كبيرة، محذراً من أنها "ستدفع الثمن" بسبب تعثر المفاوضات.
وفجر الخميس (11 يونيو الجاري)، نفذت الولايات المتحدة هجمات طالت "قدرات المراقبة العسكرية الإيرانية وأنظمة الاتصالات ومواقع للدفاع الجوي في مناطق متفرقة داخل البلاد".
بالمقابل ردت إيران بتنفيذ ضربات استهدفت مواقع في كل من الكويت والبحرين والأردن.
المحلل السياسي مسار عبد المحسن راضي، الذي تحدث لـ"الخليج أونلاين"، يشير إلى "مفارقة" في قرار مجلس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تتمثل في أنه لم يصل إلى مرحلة الإحالة إلى مجلس الأمن، على اعتبار أن قرار الإحالة توقف منذ يونيو 2025.
ويرى أن قرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية "محاولة من قبل الولايات المتحدة والترويكا الأوروبية لكبح جماح إسرائيل التي خرقت الهُدنة؛ فإسرائيل باتت تشعر بأن المفاوضات بين واشنطن وطهرات عادت لتعيش أجواء الصفقة النووية عام 2015. وأن الحديث عن برنامج إيران الصاروخي والوكلاء أصبح بعيداً جداً عن نطاق هذه المفاوضات".
من جانب آخر يقول راضي إن واشنطن تسعى حصراً لصفقة مُحدَّثة مع إيران تشبه صفقة 2015، مستدركاً أن "النصر السياسي الذي يحتاجه ترامب كي يؤكد أنه حصل على صفقة أفضل من تلك التي أنجزها الرئيس الأسبق باراك أوباما، يتعلق باليورانيوم عالي التخصيب".
ولا يستبعد راضي موافقة إيران على تسليم اليورانيوم عالي التخصيب إلى طرف ثالث، لافتاً إلى أن قرار الطاقة الذرية أعطاها الحجة للقبول بذلك، على اعتبار أنها أجبرت العالم على الانضمام إلى طاولة المفاوضات.
وفي حال عدم قبول طهران بالقرار ستستمر الضربات الجوية الإسرائيلية في الداخل الإيراني، وضد حزب الله في لبنان، على حدّ قول راضي.
ويواصل: "المفارقة أن استمرار هذه الضربات هو قرار اتخذته إسرائيل، بغضِّ النظر عن وصول واشنطن وطهران إلى اتفاقٍ بينهما، بحسب عاموس يدلين، رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الأسبق".
بسياق متصل يجد المحلل السياسي أن تصعيد "إسرائيل" في جنوب لبنان، وتصعيد التوتر في غزة والضفة الغربية، "محاولة لإعطاء الرئيس ترامب بعض الأوراق في المفاوضات مع إيران".
ولا يستبعد أن المنطقة تعيش اللحظات الأخيرة قبل الوصول إلى اتفاقٍ بين واشنطن وطهران "وفق المقترح الأمريكي ذي الـ15 بنداً الذي سرَّبته واشنطن، في مايو 2026".
وفي إطار الحلول الممكنة يضيف: "لو كنت مشاركاً في صُنع القرار الإيراني لقررت تسليم مخزون اليورانيوم عالي التخصيب لواشنطن، الذي ورد في المقترح الأمريكي. طبعاً هذه الفرصة لم تعُد ممكنة؛ لأن إيران قررت التموضع مع روسيا والصين".
Loading ads...
ويشير راضي إلى ما سبق أن اتفقت عليه بكين وواشنطن بعد زيارة الرئيس ترامب إلى بكين، في 13 مايو الماضي، المتعلق بتعزيز الاستقرار الاستراتيجي في العالم، مبيناً: "يبدو أن قرار الذرية جاء لتذكير بكين بجانبها من الاتفاق، خاصة أن واشنطن قامت بتنشيط الدورة الدموية الأمنية لليابان في الباسيفيكي، الذي ردَّت عليه الصين بزيارة الرئيس شي جين بينغ لكوريا الشمالية".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






