4:39 م, الأحد, 10 مايو 2026 1 دقيقة للقراءة
في خطوة تحمل أكثر من دلالة تقنية واقتصادية، دخلت سوريا فعلياً مرحلة جديدة من مسارها المالي مع إطلاق تجربة الدفع الإلكتروني عبر شبكتي “فيزا” و”ماستركارد”، في مؤشر على عودة تدريجية إلى منظومة المدفوعات الدولية بعد سنوات من العزلة والانقطاع.
وقد أعلنت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات نجاح أول عملية تجريبية عبر هذه الشبكات، حيث جرت في دمشق، السبت، عبر شركة “بيميرا” وبمشاركة مصارف عامة وخاصة، بعد أكثر من 15 عاماً من توقف هذا النوع من الاستخدام داخل البلاد.
تكتسب هذه الخطوة أهميتها كونها لا تتعلق بمجرد خدمة مصرفية جديدة، بل بإعادة وصل جزء من البنية المالية السورية بالعالم الخارجي، فقبل أشهر، أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية أن “فيزا” تستعد للعمل في سوريا بعد اتفاق مع المصرف المركزي على خارطة طريق لتطوير منظومة الدفع الرقمي، مع تركيز أولي على المؤسسات المالية المرخصة وإصدار البطاقات والمحافظ الرقمية وفق المعايير العالمية.
وقبل ذلك، أجرت سوريا أول تحويل مصرفي دولي مباشر عبر نظام “سويفت” منذ اندلاع الحرب، وهو ما اعتُبر آنذاك علامة على بداية انفتاح مالي حذر بعد سنوات من الانقطاع عن الشبكات الدولية.
ووصف اقتصاديون هذا التطور بأنه خطوة نحو كسر العزلة المالية بعد انقطاع دام لأكثر من خمسة عشر عاماً، ضمن مسعى واسع لإنهاء هيمنة التعامل النقدي المباشر والتوجه نحو اقتصاد رقمي حديث.
إلى ذلك، لم تخف الشركة المسؤولة عن المنصة طموحاتها الكبيرة، إذ كشفت أنها تملك حالياً نحو أربعة آلاف ومئتي جهاز نقاط بيع، وتخطط لتوسيع شبكتها إلى خمسين ألف جهاز بحلول نهاية العام الجاري، بهدف تغطية المشهد التجاري تدريجياً وتقليص مخاطر نقل الأموال والأعباء اللوجستية المرتفعة
يأتي هذا الإنجاز في خضم أزمة نقدية خانقة تعصف بالشارع السوري، تُنذر بإفلاس مالي شعبي واسع، فمنذ استبدال الليرة القديمة بأخرى جديدة مطلع العام الجاري، يعاني المودعون من قيود مشددة على السحوبات المصرفية، في حين لا تزال كميات ضئيلة من العملة الجديدة تصل إلى يد المواطن العادي، مما يعيد إنتاج أزمة السيولة.
وقد علّق حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية على هذه الاشكاليات معتبراً أن انحباس الأموال خارج القطاع المصرفي هو “أزمة ثقة” أولاً وليس أزمة ضخ نقود، داعياً المواطنين إلى إيداع مدخراتهم لدى المصارف لتسهيل دورة تداولها
برزت تساؤلات حول النظام الإلكتروني الوليد وما إذا كان سيُسهم في إذابة الجليد بين المواطن والمصارف، أم أنه سيبقى رهينة ضعف التيار الكهربائي وتراجع جودة شبكة الإنترنت في المحافظات، وهو ما حذر منه متخصصون من أن البنى التحتية المتهالكة ستبقى عقبة كأداء أمام تنفيذ عمليات دفع إلكترونية مستدامة.
في هذا الصدد أكد الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر، عبر تغريدة له بمنصة “إكس” أن الحديث عن توسيع نطاق الدفع الإلكتروني في سوريا لم يعد يندرج ضمن إطار التطور التقني فحسب، بل بات يرتبط بصورة مباشرة بمحاولات إعادة تنظيم الحركة المالية داخل السوق المحلية، ومعالجة الأزمات النقدية المتفاقمة التي تواجهها البلاد، وفي مقدمتها أزمة السيولة وارتفاع تكاليف طباعة العملة ونقلها وتأمينها.
وأوضح أن التوجه الحكومي والمصرفي نحو توسيع أدوات الدفع الرقمي في عمليات البيع والتحويل يعكس تحولاً تدريجياً في السياسات المالية يهدف إلى تخفيف الاعتماد على النقد الورقي، واحتواء جزء من الفوضى التي تشهدها الأسواق النقدية خلال السنوات الأخيرة.
أشار عمر إلى أن الدفع الإلكتروني يحمل أبعاداً اقتصادية تتجاوز مجرد تسهيل عمليات الشراء والتحويل، إذ يسهم في تقليص حجم التعاملات غير المسجلة، ويمنح الجهات المالية والمصرفية قدرة أكبر على تتبع حركة الأموال وتنظيم النشاط الاقتصادي، الأمر الذي قد يساعد مستقبلاً في تعزيز الشفافية المالية وتقليص الاقتصاد الموازي.
وأضاف أن تسريع عمليات الدفع والتحويل ينعكس بشكل مباشر على تنشيط قطاعات التجارة والخدمات والسياحة، لافتاً إلى أن تقليل الاعتماد على السيولة النقدية يخفف أيضاً من تكاليف التشغيل بالنسبة للمؤسسات والشركات، ويمنح بيئة الأعمال مرونة أكبر في إدارة المعاملات اليومية.
وبيّن أن نجاح أي تجربة للدفع الإلكتروني يرتبط بمدى قدرة القطاع المصرفي على توفير خدمات مستقرة وآمنة ومرنة، موضحاً أن المستثمرين المحليين والأجانب ينظرون إلى سهولة التحويلات المالية واستقرار الأنظمة المصرفية باعتبارها من المؤشرات الأساسية على جاهزية البيئة الاستثمارية.
وأضاف أن تطوير منظومة الدفع الرقمي يمكن أن يشكل عاملاً مساعداً في جذب رؤوس الأموال وتحريك النشاط الاقتصادي، ولا سيما في القطاعات المرتبطة بالسياحة والخدمات والتجارة الداخلية.
في المقابل، شدد الباحث الاقتصادي على أن مسار التحول الرقمي في سوريا ما يزال يواجه عقبات حقيقية تحدّ من فرص توسعه السريع، وفي مقدمتها ضعف البنية التحتية التقنية، والانقطاعات المتكررة للكهرباء وخدمات الإنترنت، مؤكداً أنها عوامل تؤثر بصورة مباشرة على استقرار الخدمات الإلكترونية وتضعف الاعتماد عليها في العمليات اليومية.
كما أشار إلى أن شريحة واسعة من السوريين لا تزال تفضّل التعامل النقدي المباشر نتيجة تراجع الثقة بالمصارف، ومحدودية انتشار الحسابات البنكية والخدمات المالية الحديثة.
Loading ads...
وختم عمر تصريحه بالتأكيد على أن نجاح الدفع الإلكتروني لا يمكن أن يتحقق عبر إطلاق التطبيقات والبطاقات المصرفية فقط، بل يتطلب بناء منظومة مصرفية متكاملة قادرة على توفير خدمات سريعة وآمنة ومستقرة، بما يعزز ثقة المواطنين والمتعاملين، ويدعم في الوقت ذاته النشاط الاقتصادي والاستثماري، ويهيئ بيئة أكثر قدرة على مواكبة التحولات المالية الحديثة في المنطقة والعالم.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
قبل موقعة ريال مدريد.. فاجعة تضرب برشلونة
منذ دقيقة واحدة
0
5 مصابين في انفجار حافلة داخل حي الورود بدمشق
منذ ساعة واحدة
0

