14 أيام
ذهان ما بعد الولادة… حين يتحول الاضطراب النفسي إلى "ترند" - رصيف22
الإثنين، 19 أكتوبر 2026

قبل نحو شهر تقريباً، استوقفني فيديو لإحدى صانعات المحتوى اللبنانيات، تتحدث فيه عن ممرضة أمريكية تدعى ليندسي كلانسي، كانت تحاكم بتهمة قتل أولادها الثلاثة عام 2023 في الولايات المتحدة الأمريكية، قبل أن تحاول إنهاء حياتها.
شاهدت الفيديو وتوقعت أن يكون واحداً من الأخبار المضلِّلة التي يلجأ إليها بعض صناع المحتوى لتحقيق مشاهدات، لكوني لم أستطع أن أصدق أنه يمكن لأم أن تنهي حياة أطفالها بنفسها.
بعد مشاهدة هذا الفيديو، أخذ "تيك توك" يقترح لي فيديوهات عن الموضوع عينه من صنّاع محتوى مختلفين، إلى حين وقعت أمامي إحدى جلسات المحاكمة: سيدة بشعر أسود تجلس على كرسيّ متحرك، ومحام سبعيني يحاول أن يقنع المحكمة بعدم مسؤولية موكلته القانونية عن الجريمة.
أثارت القضية فضولي، وبدأت أتابع جلسات المحاكمة واحدة تلو الأخرى.
كنت أبحث، بطريقة شبه عبثية، عن تفسير يسمح لعقلي بأن يستوعب ما أراه، عندها سمعت للمرة الأولى بمصطلح ذهان ما بعد الولادة، postpartum psychosis، رغم أنني أمضيت أشهراً خلال فترة حملي في العام 2023 أقرأ وأحاول فهم كل ما يحصل في جسد المرأة من تغيرات هرمونية وفسيولوجية ونفسية، استعداداً للمرحلة الجديدة في حياتي.
في حديثها مع رصيف22، توضح الاختصاصية والمعالجة النفسية، دارين صالح حوماني، أن "ذهان ما بعد الولادة يصيب سيدة من بين 1000 أم، وهو مختلف تماماً عن اكتئاب ما بعد الولادة الذي يصيب 21% من الأمهات، أي تقريباً واحدة من كل 5، ويفقد الشخص الاتصال بالواقع، ويظهر عادة خلال أسبوعين إلى أربعة أسابيع بعد الولادة".
وعن الأعراض، تقول حوماني، إنها عبارة عن "أوهام وهلوسات سمعية أو بصرية، إضافة إلى تقلبات مزاجية شديدة جداً، فتنتقل الأم من نشوة مبالغ فيها إلى اكتئاب عميق، كما تصبح أفكارها مشوشة، إضافة إلى حدوث أرق شديد".
وتوضح إن النساء اللواتي يعانين قبل الحمل من اضطراب ثنائي القطب أو الذهان هنّ أكثر عرضة من غيرهنّ للإصابة بذهان ما بعد الولادة، لذلك تتم متابعة هذه الحالات مسبقاً كإجراء احترازي.
وتكشف دارين إن النوبات غالباً ما تبدأ بشكل سريع، وتتطور خلال أيام، وفي معظم الأحيان تظهر علامات إنذار تبدأ قبل النوبة بـ 24 أو 48 ساعة وتكون على شكل: أرق شديد، تهيّج عصبي وتشوش في التفكير.
وتشير إلى أن هذا الاضطراب قابل للعلاج بنسبة مرتفعة خصوصاً عند تشخيصه في وقت مبكر: "مع التشخيص المبكر وتلقي العلاج والدعم اللازمين، تعود الغالبية الكبرى من الحالات إلى الوضع الطبيعي خلال أشهر من دون أن تلحق الأم الأذى بنفسها أو بأحد".
المشكلة تكمن في غياب الوعي الكافي بهذا المرض، ففي لبنان والعالم العربي لا تزال الدراسات حوله والحالات المثبتة قليلة جداً مقارنة بأوروبا وأمريكا، وهذا يعود، بحسب دارين حوماني، إلى "وصمة العار والخوف من كلام المجتمع، إضافة إلى أنه وفي بعض الحالات يتم تشخيصه باسم اكتئاب ما بعد الولادة".
وتضيف: "هناك أبحاث فردية في الجامعة الأمريكية في بيروت AUB ومركز "كليمنصو الطبي" إضافة إلى بعض الجامعات في مصر والسعودية، لكن مع الأسف لا توجد إحصاءات وطنية موحدة أو سجلات رسمية بسبب ندرة الفحص الروتيني، فمعظم حالات الصحة النفسية بعد الولادة غير مشخصة في لبنان بسبب عدم وجود فحص استقصائي إلزامي بالمستشفيات، إضافة إلى الخلط بينه وبين اكتئاب ما بعد الولادة".
تشدد حوماني على أن الوصمة التي تلحق بالأم في المجتمع هي العدو الأول، فالخوف من أحكام المحيطين بها أو من خطر حرمانها من طفلها بسبب مرضها يجعل عدداً من الأمهات يخفين الأعراض ويترددن في طلب المساعدة، ما يتسبب بتفاقم الوضع الصحي: "أهم جملة بيقولوها إذا كسرتي رجلك بتروحي على الطوارئ، وإذا عقلك تعب بعد الولادة لازم تروحي على الطوارئ النفسية".
بالعودة إلى قضية ليندسي كلانسي، خلال متابعة البث المباشر لمحاكمتها، استفزني الحديث عن تفاصيل الجريمة ونقلها مباشرة على الهواء أمام ملايين المتابعين حول العالم بما تحمله من تفاصيل مؤذية ودموية، وتساءلت: هل نحتاج فعلاً إلى معرفة كل هذا حتى نفهم ذهان ما بعد الولادة؟
هذا السؤال لم يعد افتراضياً، ففي السابع من أيلول/ سبتمبر الحالي، نشرت وكالة "أسوشييتد برس" الأمريكية خبراً عن سيدة أميركية تدعى "كوري والش"، أنهت حياة طفلها البالغ من العمر عامين.
ونقلت الوكالة عن الادعاء العام في هذه القضية قوله إن "والش" كانت تتابع قضية كلانسي من كثب وكانت تناقشها مع أصدقائها قبل ساعات من إقدامها على إنهاء حياة ابنها. هذا لا يعني بالضرورة وجود علاقة سببية بين متابعة قضية كلانسي والجريمة، وإنما يطرح سؤالاً أوسع: هل يمكن لقضية تحظى بهذا القدر من التغطية أن تؤثر في أشخاص يعانون أصلاً من اضطرابات نفسية؟
تقول حوماني إن المرضى الذين يعانون من أفكار وسواسية أو ذهانية قد يكونون أكثر عرضة للتأثر بهذا النوع من المحتوى: "يمكن أن يأخذ العقل سيناريواً جاهزاً ويدخله في منظومة الأفكار الموجودة أصلاً".
علاوة على ذلك يمكن أن يسبب عرض المحاكمات صدمة ثانوية للناجيات من ذهان سابق ولأهالي الضحايا والأمهات الجدد اللواتي يعانين من وساوس.
إذا كان المرض النفسي قد يغير إدراك شخص للواقع، فكيف يتعامل القانون مع الشخص الذي يعاني من اضطراب نفسي في القضايا الجنائية؟ وكيف يفرّق القانون بين شخص أقدم على جريمة عن وعي، وآخر أقدم على جريمة تحت تأثير اضطراب أثر في وعيه؟
يقول أستاذ مادة القانون في الجامعة اللبنانية، المحامي جاد طعمة، أن "العبرة هي في درجة تأثير الاضطراب النفسي على الإرادة والإدراك".
ويوضح لرصيف22 أن "الجرائم في القانون تنقسم إلى جرائم قصدية وغير قصدية، والجرائم القصدية تقوم على ركن معنوي أساسه العلم والإرادة ومتى غاب هذا الركن، غابت الجريمة بصورتها القصدية".
ويشير طعمة إلى أن "القانون اللبناني يعالج هذه الحالات من خلال المادة 231 من قانون العقوبات التي تعفي من العقاب مَن كان في حالة جنون أفقدته الوعي أو الإرادة، شرط أن يُحجز في مأوى احترازي حتى يثبت شفاؤه، والمادة 233 من القانون نفسه التي تتناول الحالة الأقل حدة، حيث تتوافر لدى الشخص عاهة عقلية وراثية أو مكتسبة تُنقص قوة الوعي أو الاختيار لديه، فيستفيد صاحب هذه العاهة من إبدال العقوبة أو تخفيفها".
ويلفت إلى أن "العبرة ليست بنوع الاضطراب، بل بمدى تأثيره الفعلي على الإرادة والإدراك لحظة ارتكاب الجريمة".
ويختم طعمة بالقول إن الفصل في هذه القضايا يبقى دائماً بيد القضاء، بالإستناد إلى الخبرة الطبية النفسية التي تساعد في تحديد درجة التأثير على الوعي والاختيار، ومنها ينطلق القاضي لتكييف الفعل قانوناً.
Loading ads...
في الختام، يمكن أن نتساءل عن قرار عرض محاكمة الممرضة الأمريكية في بث مباشر، وعن مدى صواب ذلك، خصوصاً بعدما تحولت القضية من قضية جنائية ونفسية إلى "ترند" على الإنترنت ومادة لصنّاع محتوى لم يكن جميعهم يتناولها للتوعية، لكن يجب القول إن ذهان ما بعد الولادة هو مرض حقيقي يمكن أن يكون خطيراً من دون التدخل الطبي في الوقت المناسب، لذلك نحن نحتاج إلى وعي وإحاطة أكبر بما يمكن أن تمر به النساء بعد الولادة، والتركيز على تأمين بيئة آمنة تسمح للأمهات بطلب المساعدة من دون وصمة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




