ساعة واحدة
سوريا بين الحرب والفرص: كيف يوظّف “الحياد الاستراتيجي” في تحولات الصراع مع إيران
الجمعة، 8 مايو 2026
تبدّل موقع سوريا في الخطاب الدولي أكثر من مرة خلال عام واحد فقط. من دولة وُصفت في السابق بأنها من أبرز الدول الراعية للإرهاب، إلى بلد أنهكته الحرب، وصولاً اليوم إلى طرحها كممر حيوي محتمل للطاقة يربط الشرق الأوسط بأوروبا. هذا التحول اللافت لم يأتِ من فراغ، بل تشكّل في ظل الحرب الدائرة على إيران، وما رافقها من اضطرابات في أحد أهم شرايين الطاقة العالمية: مضيق هرمز.
ومع تصاعد المواجهة عقب الهجمات الإسرائيلية والأميركية على إيران في أواخر شباط، أقدمت طهران على إغلاق المضيق أمام حركة النفط القادمة من دول الخليج. هذا التطور المفصلي أعاد رسم خريطة الإمدادات، وفتح الباب أمام البحث عن بدائل، وهنا برزت سوريا فجأة كخيار جغرافي وسياسي قابل للاستثمار.
تحاول دمشق اليوم تقديم نفسها كحل جزئي لأزمة النقل، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي يتوسط طرق الطاقة بين الخليج وأوروبا، ومن سياسة خارجية حرصت على إبقائها خارج دائرة المواجهة المباشرة مع إيران، وفقاً لشبكة "DW" الألمانية.
وقد بدأت بعض الخطوات العملية بالفعل. ففي مطلع نيسان، أعادت سوريا فتح حدودها مع العراق، بما يسمح بمرور ناقلات النفط العراقية باتجاه موانئ البحر المتوسط. وبعد ذلك بأسابيع، كشفت وثيقة مسربة نُسبت إلى المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا عن دعم لفكرة إنشاء "جسر بري" عبر الأراضي السورية، في إشارة إلى مشروع محتمل لمد أنابيب نفط تربط الخليج والعراق بالأسواق الأوروبية.
هذا التحول يرتبط بما يصفه مراقبون بسياسة "الحياد الاستراتيجي" التي تتبناها الحكومة السورية الجديدة، في ظل تحد مركزي يتمثل بتجنب إعادة إدخال البلاد في صراعات إقليمية مفتوحة، وفق ما أوردته الشبكة.
في هذا السياق، ركزت دمشق على إدارة تداعيات الحرب بدل الانخراط فيها، عبر تشديد الرقابة على الحدود، ومكافحة تهريب السلاح والأموال والمخدرات إلى الجماعات المرتبطة بإيران في العراق ولبنان. وعلى عكس دول أخرى في المنطقة، لم تتخذ سوريا مواقف تصعيدية مباشرة، ما فُسّر أحياناً على أنه حياد محسوب، وأحياناً أخرى كإشارة ضمنية إلى قبول التوازنات الجديدة.
في المقابل، نشطت القيادة السورية دبلوماسياً بشكل لافت. فقد كثّف الرئيس أحمد الشرع تحركاته الخارجية، مقدماً بلاده كعنصر مفيد في إدارة الأزمة الإقليمية، وأخذ يطرح أفكاراً تتعلق بتنسيق أمني إقليمي وإنشاء آليات تعاون مع دول الخليج. كما شملت جولاته عواصم أوروبية، حيث طُرحت سوريا كحلقة وصل استراتيجية بين أوروبا والمنطقة التي تمتد من الخليج العربي إلى المنطقة الفاصلة بين المحيطين الهندي والهادي.
لا تقتصر الفرص المطروحة على قطاع الطاقة فحسب. فمع إعادة فتح الطرق البرية، يمكن تطوير شبكات النقل بين العراق وسوريا والأردن، بما يشمل السكك الحديدية والممرات اللوجستية. كما يبرز دور محتمل لسوريا في مشاريع البنية التحتية الرقمية، مثل مد كابلات الاتصالات البرية.
وتزداد أهمية هذا الدور في ظل المخاوف من استهداف الكابلات البحرية، خاصة تلك التي تمر عبر مضيق هرمز. وفي هذا السياق، أبدت السعودية اهتماماً بتمرير كابلات الألياف الضوئية ضمن مشروع "من الشرق إلى المتوسط" عبر الأراضي السورية وصولاً إلى اليونان، بدلاً من المسار الذي كان مخططاً له في السابق عبر إسرائيل.
إلى جانب ذلك، دخلت دمشق في محادثات مع شركات طاقة دولية بشأن التنقيب عن النفط والغاز، في محاولة لتعزيز موقعها كلاعب محتمل في سوق الطاقة الإقليمي.
رغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن الطريق أمام سوريا لا يزال معقداً، لأن نجاح هذه الرؤية يرتبط بقدرة سوريا على تحقيق استقرار سياسي، وتوفير بيئة قانونية واضحة، وضمان الأمن، إلى جانب إعادة تأهيل البنية التحتية التي تضررت بشدة خلال سنوات الحرب.
غير أن سوريا ماتزال تعاني من ضعف في إنتاج الكهرباء، ما يحد من قدرتها حتى على تلبية احتياجاتها الداخلية، فضلاً عن قدرتها على تصدير الطاقة. كما تشكل التوترات الأمنية، ووجود جماعات متطرفة، وانتشار الذخائر غير المنفجرة، عوائق إضافية أمام جذب الاستثمارات.
إلى جانب ذلك، تواجه سوريا ضغوطاً خارجية من قوى إقليمية ودولية فاعلة في سوق الطاقة، مثل إيران وروسيا وإسرائيل، إضافة إلى منافسة على مسارات بديلة قد تسقط الأراضي السورية بالكامل من أي خطة. كما أن تعاون دول العبور الأخرى غير مضمون، وهذا ما يزيد المشهد تعقيداً.
في خضم هذا النقاش، يميز بعض الباحثين بين مفهومين أساسيين: "دولة العبور" التي تستضيف البنية التحتية فقط، و"المحور الإقليمي" الذي يتحكم بمسارات الطاقة وأسعارها. وفي حين يطمح الخطاب الرسمي السوري إلى الدور الثاني، تشير المعطيات الحالية إلى أن البلاد قد تظل أقرب إلى النموذج الأول في المدى المنظور.
Loading ads...
تمنح الحرب على إيران سوريا فرصة نادرة لإعادة التموضع إقليمياً، وخلق دور اقتصادي جديد يتجاوز حدودها التقليدية. لكن هذه الفرصة تظل مشروطة بإصلاحات عميقة في الحكم والإدارة، واستثمارات واسعة في البنية التحتية، وتحقيق حد أدنى من الاستقرار. من دون ذلك، قد تبقى عودة سوريا كممر إقليمي للطاقة مشروعاً غير مكتمل أو كفرصة واعدة، لكنها فرصة مؤقتة ومحدودة في تأثيرها، كما ذكرت الشبكة في تقريرها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





