في الليالي التي أبيت فيها في قرية زوجي في الجنوب، لا أنام جيداً.
القرية ليست حدودية. تبعد عن القرى الحدودية وقتاً ليس بقليل، ومع ذلك، تصل أصوات التفجيرات إليها قوية، واضحة، ومخيفة.
أحياناً يهتزّ الزجاج، وأحياناً يكفي الصوت وحده كي يوقظ في داخلي كل ما أحاول أن أضعه جانباً.
مع كل تفجير، ينقبض قلبي.
أنا ابنة ميس الجبل، إحدى القرى الحدودية اللبنانية التي دُمّر نحو 95% منها، بحسب بلديتها. لذلك، لا أسمع الانفجار كصوت فقط. أول ما يخطر في بالي: هل هذه ميس الجبل؟ ثم تبدأ الصور: أي بيت هذه المرة؟ أي شارع؟ أي حكاية؟ أي عائلة؟ هل أعرف أصحاب هذا المنزل؟ هل مررت من أمامه؟ هل جلست فيه يوماً؟ هل هو مكان آخر سينضم إلى الأماكن التي لم يعد ممكناً أن نعود إليها كما نعرفها؟
لهذا، صرت أحياناً أكره أن أبيت في الجنوب. لا أريد أن أسمع.
لكنني، وهنا المفارقة التي لا تفارقني، أملك رفاهية أن أقول ذلك. أستطيع ألا أذهب. أستطيع أن أعود إلى مكان لا يصل إليه صوت التفجير بهذه القوة. أستطيع، ولو مؤقتاً، أن أهرب من الصوت.
آلاف غيري لا يملكون هذه الرفاهية.
بالنسبة إليهم، هذه ليست زيارة إلى الجنوب يمكن اختصارها. هذا بيتهم. حياتهم. عملهم. أهلهم. مدارس أولادهم. وهذه الأصوات صارت جزءاً لا يتجزأ من يومياتهم.
سمعت أحدهم يصفها مرة بأنها أصوات "تنخر في العظم"، وأفهم تماماً ماذا يعني ذلك.
الليل في أجزاء واسعة من الجنوب اللبناني لم يعد يعني بالضرورة النوم.
قد تكون في منطقة آمنة نسبياً، إن كان لا يزال ممكناً استخدام كلمة "آمنة" أصلاً، لكن جسدك لا يعرف الكثير عن هذا الأمان النسبي. صوت واحد قادر على أن يعيدك إلى أيام القصف المباشر، إلى النزوح، إلى الحقائب الجاهزة، إلى الحرب المفتوحة.
تنام، يأتي صوت، تستيقظ. تحاول أن تعرف إن كان قريباً. تنتظر. يعود الهدوء. تحاول أن تنام مجدداً. يأتي صوت آخر.
والمسألة ليست تعباً في اليوم التالي فقط. حين يعيش الإنسان على وقع أصوات مفاجئة توقظه وتعيد جسده في كل مرة إلى حالة التأهب، يصبح النوم نفسه هشّاً ومتقطعاً، ويصعب على الجسد أن يحصل على نوم عميق ومستقر كما يحتاج.
الجهاز العصبي الذي يفترض أن يهدأ خلال الليل، يبقى كأنه مطالب بأن يراقب الخطر حتى أثناء النوم: صوت، فزعة، دقات قلب تتسارع، انتظار لما سيأتي بعده، ثم محاولة جديدة للنوم.
وإذا كان هذا قاسياً على جهاز عصبي بالغ، أفكر مجدداً بالأطفال: بأي جهاز عصبي يكبر طفل عاش سنواته الأولى وسط هذا التأهب؟ نحن لا نتحدث عن ليلة قصف استثنائية، ولا عن أسبوع أو شهر يمكن للجسد أن يتجاوزه. نحن نتحدث عن سنوات. عن أطفال تتكوّن علاقتهم بالنوم والأمان والخوف فيما الطائرات والمسيّرات والتفجيرات الإسرائيلية جزء من المشهد المحيط بهم.
وهذا ربما أحد أكثر أشكال الأذى قسوة: أن تطول الحالة الاستثنائية سنوات، إلى درجة أن يتعلم الجهاز العصبي أن الخطر هو الوضع الطبيعي، وأن يبقى في حالة تأهّب حتى حين لا يكون هناك خطر مباشر.
الخوف لا يحتاج دائماً إلى صاروخ يقع قرب البيت. أحياناً يكفي صوته.
والأقسى أن الصباح يأتي في موعده. عليك أن تستيقظ وتذهب إلى العمل. أن تفتح المحل. أن تحضر القهوة. أن توصل الأولاد. أن تجيب على الاتصالات. أن تدخل اجتماعاً. أن تتصرف، ببساطة، كشخص عاش ليلة عادية.
قال لي أكثر من شخص، بطريقة بدت لي للوهلة الأولى غريبة إن "الحرب المفتوحة والنزوح كانا أهون من هذا الواقع".
لكنني أفهم ما يقصدونه، ففي الحرب المفتوحة، تعرف أنك في حرب. تنزح لأن هناك خطراً واضحاً ومباشراً. تتوقف أشياء كثيرة لأن الجميع يعترف بأن الحياة توقفت.
أما الآن، فأنت في منطقة رمادية قاسية: لست آمناً تماماً، ولست نازحاً. تسمع أصوات التفجيرات التي ينفذها الجيش الإسرائيلي، تقلق، لا تنام جيداً، ثم يُطلب منك في اليوم التالي أن تكمل حياتك، كأن شيئاً لم يحدث في الليل.
أفكر كثيراً بالأطفال.
إحدى صديقاتي يقطن أهلها في الجنوب، لكنها بدأت تتجنب الذهاب لزيارتهم مع ابنتها. ليس لأنها لا تريد رؤيتهم، بل لأنها لم تعد تعرف ماذا تقول لطفلتها عندما تسمع صوتاً ضخماً وتسألها عنه.
كيف تشرح أم خائفة لطفلتها أن عليها ألا تخاف؟ كيف تصنع لها شعوراً بالأمان بينما هي نفسها تنتفض مع الصوت؟
الأصعب بالنسبة إليّ هم الأطفال الذين تبلغ أعمارهم اليوم أربع أو خمس سنوات. هؤلاء لم يعرفوا جنوباً آخر تقريباً. السنوات التي تتشكل فيها ذاكرتهم الأولى تزامنت مع الحرب والقصف والنزوح.
هناك طفل يكبر اليوم وهو يعرف صوت المسيّرة. يعرف الطائرات. يعرف اهتزاز الشبابيك. يعرف أن صوتاً ضخماً في منتصف الليل قد يوقظ البيت كله. يعرف الانتقال من منزل إلى آخر، ومن منطقة إلى أخرى.
وربما لا يعرف أن هذا كله ليس طبيعياً.
أن يكبر طفل ويصبح الخوف جزءاً مألوفاً من الليل. أن يصبح الاستيقاظ على صوت تفجير حدثاً يعرفه جسده قبل أن يفهم عقله معناه. أن تكون الأم الخائفة هي نفسها مطالبة في كل مرة بأن تقول له، بطريقة أو بأخرى: لا تخف.
حتى طريقة تعامل الناس مع التفجيرات لم تعد طبيعية.
يأتي الصوت، فتبدأ الأسئلة: من وين؟ شرقي؟ غربي؟ قريب؟ حدودي؟ مين سمع؟
هناك مجموعات وصفحات ومحادثات بين الناس تحولت، بشكل أو بآخر، إلى نوع من الرصد الجماعي. الجنوب مقسّم إلى قطاعات، والناس تحاول من قوة الصوت واتجاهه أن تفهم أين وقع التفجير، خصوصاً حين يأتي من قرى ومناطق لا يمكن الوصول إليها.
مجرد التفكير بالمشهد مؤلم.
أناس يجلسون في بيوتهم في منتصف الليل ويحاولون، بآذانهم، تحديد أي جزء من أرضهم يُنسف.
لأن المعرفة نفسها صارت عذاباً، وعدم المعرفة عذاب آخر.
حين أسمع انفجاراً ولا أعرف مكانه، أخاف أن يكون في ميس الجبل. وحين أعرف أين وقع، أعرف أن هناك مكاناً ما كان موجوداً قبل دقائق وربما لم يعد موجوداً الآن.
لهذا لا يمكن فصل الصوت عن الحجر. التفجير ليس دويّاً ينتهي بعد ثوانٍ.
حين تعرف أن هذه الأصوات هي أصوات تفجير قرى وبيوت، يصبح لكل دوي معنى. هذا بيت. هذا شارع. هذه غرفة نام فيها أحدهم. هذه شرفة شربت عليها عائلة قهوتَها. هذه شجرة. هذه صورة معلقة على حائط. هذا مكان كان أحدهم يعتقد أنه سيعود إليه.
بالنسبة إليّ، الأمر أكثر شخصية وقسوة.
قريتي نفسها تُمحى. وحين تكون ابنة مكان يُدمّر بهذه الطريقة، يصعب أن تفصل نفسك عنه. لا أشعر أن حجارة فقط هي التي تُنسف. هناك شيء من ذاكرتنا الجماعية يُنسف معها. شيء من طفولتنا، ومن تاريخ عائلاتنا، ومن الأماكن التي صنعت إحساسنا بأن لنا مكاناً نعود إليه.
كيف يمكن للإنسان أن يسمع ذلك ولا يتأثر؟
وحتى الهرب من الفكرة ليس حلاً. لا تستطيع أن تعيش طوال الوقت وأنت تفكر في معنى كل صوت، ولا تستطيع أيضاً أن تقنع نفسك بأن الصوت لا يعني شيئاً، فتعيش في مكان ما بين المعرفة ومحاولة عدم المعرفة.
لا أعرف لماذا تبدو هذه التفجيرات أكثر وحشية في الليل.
ربما لأن كل شيء ساكن. ربما لأننا في أسرّتنا. ربما لأن الصوت في العتمة يصبح أكبر. وربما لأن الليل، الذي يفترض أن يكون المساحة الأخيرة التي يستريح فيها الإنسان من يومه، لم يعد كذلك.
لكنني أعرف أن صرخات أهل الجنوب لا تهدأ.
ليلة بعد أخرى، تملأ المنشورات ومجموعات الرسائل: أصوات قوية. تفجيرات متتالية. شبابيك تهتز. أطفال استيقظوا. أناس لم يناموا.
ثم يأتي الصباح. وهذا، ربما، أكثر ما يخيفني في كل الحكاية: أننا نستطيع الاعتياد.
أن يصبح السؤال صباحاً: "سمعتوا مبارح؟" عادياً.
أن نتبادل أماكن التفجيرات كما نتبادل أخبار الطقس.
أن يكبر الأطفال وهم يعتقدون أن هذه إحدى خصائص الليل.
وأن يصبح المطلوب من أهل الجنوب ليس فقط أن ينجوا من القصف، بل أن يتعلموا كيف يعملون ويحبون ويربون أطفالهم وينامون ويستيقظون بينما صوت الحرب حاضر في الخلفية طوال الوقت.
ما يحدث في الجنوب ليس طبيعياً، ويجب أن لا يصير طبيعياً.
الأذى لا يبدأ عندما يسقط البيت. هناك أذى يسبق الركام: في الجسد الذي ينتفض، وفي النوم الذي ينقطع، وفي الأم التي تبحث عن كذبة صغيرة تطمئن بها طفلها، وفي الطفل الذي لا يعرف لماذا يخاف، وفي الشخص الذي يسمع صوتاً من بعيد ويعرف أن شيئاً من بلاده يُمحى.
أنا أملك رفاهية أن أسمع هذه الأصوات ليلة، ثم أقرر في المرة المقبلة ألا أبيت هناك.
لكن هناك من لا يستطيع أن يقول: لا أريد أن أسمع، لأن بيته هناك وحياته هناك.
Loading ads...
وعندما ينتهي صوت التفجير، عليه أن يحاول أن ينام ثم يستيقظ في الصباح، ويكمل حياته، أو ما يسمونها حياة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






