في كانون الأول/ ديسمبر عام 1944، بعد نحو عامين من التحاقه بالجيش الإمبراطوري الياباني، استُدعي ضابط الاستطلاع الشابّ هيرو أونودا بواسطة قائديه الرائدين تاكاهاشي ويوشيمي تانيجوتشي، ليخبراه بأنّه سيهبط في جزيرة لوبانغ الفلبينية مع عدد قليل من الرجال.
كان الهدف واضحاً؛ مساعدة الحامية المحلية على تنفيذ أعمال تخريب هناك ومقاومة الوجود الأمريكي. وكانت الأوامر صارمةً: ممنوع عليه الانتحار أو الاستسلام أو ترك مكان مهمته مهما طال الزمن، لأنهم سيأتون للبحث عنه، وإن تأخّروا لبضع سنوات.
بعد أقل من عام واحد على بدء مهمة أونودا، كانت اليابان ترفع راية الاستسلام في الحرب العالمية الثانية في آب/ أغسطس 1945. رفض الضابط الشابّ تصديق الخبر، وعدّ المنشورات التي ألقتها الطائرات الأمريكية إعلاناً زائفاً ومحاولةً لخداعه. أكمل مهمته مع ثلاثة جنود هم حصيلة من تبقّى معه من الحامية اليابانية. ظلّوا لسنوات يقاتلون في أدغال الجزيرة الفلبينية وجبالها إلى أن استسلم أحد رفاقه، وقُتل الآخران في اشتباكات، ليبقى أونودا وحيداً منذ عام 1972.
بحلول 1974، وبعد قرابة 30 عاماً على نهاية الحرب العالمية الثانية التي دخلها أونودا وهو في الثانية والعشرين من عمره، عاد ضابط الاستطلاع -الذي لم يعد شابّاً- إلى اليابان وهو في سنّ الـ52. سلّم بندقيته من طراز "أريساكا" وهي لا تزال صالحةً وقادرةً على إطلاق النيران، مع 500 طلقة وسيف "كاتانا" وقنابل يدوية عدة حافظ عليها طوال 3 عقود لقائده السابق الرائد تانيجوتشي، الذي أصبح بائع كتب. وتانيجوتشي هذا هو الوحيد الذي نجح في إقناع أونودا بأنّ الحرب انتهت قبل سنوات بعيدة، وعليه تعليق الراية، فقتاله بات بلا فائدة.
في الانتقال من حكاية أونودا إلى مسيرة اللاعب البرتغالي الأشهر كريستيانو رونالدو، يُطرح سؤال لا مفرّ منه: هل يحظى الأخير بتانيجوتشي خاص به يقنعه بأن ينهي مسيرته وقد جاوز الـ41 من العمر؟
"أعتذر للشعب البرتغالي الذي ساندنا بحماسة هناك، وأعتذر للجماهير… كما أنني مدين بالاعتذار لزملائي في المنتخب الوطني لمغادرتي معسكر التدريب… يجب تقييم عواقب أفعالي ومعاقبتي من قبل الاتحاد البرتغالي لكرة القدم. أعتقد أنه لا ينبغي تخفيف العقوبة. أنا لست مجرد أي لاعب؛ أنا قائد الفريق، وهذا ظرف مشدد".
بهذه الكلمات اعتذر رونالدو في بيان أصدره يوم 6 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري لتوضيح أسباب خلافه مع مدرب منتخب بلاده جورجي جيسوس، ومغادرته معسكر الفريق، بعدما لازم دكّة الاحتياط طوال الـ90 دقيقةً في مباراة البرتغال والنرويج ضمن منافسات بطولة دوري الأمم الأوروبية.
رونالدو الذي خرج معتذراً، حقّق أرقاماً قياسيةً برفقة "منتخب الملاحين". حمل "الدون" الرقم القياسي العالمي لعدد المباريات الدولية بين لاعبي كرة القدم للرجال بـ234 مباراةً، كما يتصدر قائمة الهدّافين التاريخيين للمنتخبات بـ146 هدفاً، فيما صنع 37 هدفاً لزملائه.
بدأ مسيرته الدولية مع البرتغال في عام 2003، خاض على مدار مسيرته 27 مباراة في 6 نسخ مختلفة من كأس العالم سجل خلالها 11 هدفاً، ليصبح في مونديال 2026 أول لاعب في التاريخ يسجّل في 6 نسخ مختلفة من البطولة، بعد أن هزّ الشباك في كل مشاركة له منذ مشاركته الأولى عام 2006.
كما شارك في 6 نسخ من بطولة كأس أمم أوروبا كرقم قياسي غير مسبوق؛ ليصبح أكثر اللاعبين خوضاً للمباريات في البطولة بـ30 مباراة. ويتصدر قائمة هدّافيها التاريخيين بـ14 هدفاً، وسبق له التتويج باللقب في عام 2016، وهو اللقب الوحيد في خزينة البرتغال على مدار تاريخها.
البرتغالي المُتوّج بخمس كرات ذهبية بات مثلاً يحتذي به الآلاف من لاعبي كرة القدم على مدار العقدين الأخيرين. فقد تُوّج بثلاثة ألقاب في مسيرته مع البرتغال، هي: كأس أمم أوروبا 2016، ودوري الأمم الأوروبية عامَي 2019 و2025، في حين كانت خزائن البرتغال موصدةً بالأقفال قبل وصوله، وفارغةً على عروشها بصفر ألقاب، حتى في حقب الأساطير أمثال أوزيبيو ولويس فيغو.
بعد أكثر من نصف قرن على تاريخ استسلام أونودا ورفعه الراية البيضاء، وبينما كان الأرجنتيني ليونيل ميسي المنافس التاريخي لرونالدو، يلقى احتفالاً تاريخياً بنهاية مسيرته برفقة التانغو، وكتابة السطر الأخير في مشواره الدولي، كان البرتغالي يصدر بياناً مطوّلاً لإيضاح حقيقة خلافه مع المدرب الذي كان سبباً في قدومه قبل أشهر قريبة.
وشهدت الأيام الأخيرة الكثير من الأقاويل بشأن مستقبله، في مفارقة أصابت محبّي البرتغال بالحزن ودفعتهم للتساؤل: هل يستحقّ هذه النهاية؟
رونالدو الذي عُرف بعزيمته وإصراره وانضباطه منذ بداية مسيرته، وضع نفسه في مكانة الأساطير، وبات في مقارنة مع أمهر من أنجبتهم اللعبة، وإن لم يمتلك الموهبة الربّانية نفسها التي حباهم الله بها. عمله الجادّ والتزامه جعلاه يقارع "العتاولة" ويهزمهم في أوقات كثيرة.
بيد أنّ الأزمة الأخيرة برفقة منتخب بلاده، لم تكن أزمةً عابرةً، فقد جاءت في وقت يتساءل فيه كثيرون: لماذا يواصل رونالدو اللعب في هذه السنّ؟ وهل لا يزال مفيداً لمنتخب بلاده أم فاته القطار وبات عائقاً لزملائه؟
النجم البرتغالي المُحترف في صفوف فريق نادي النصر السعودي، خرج ليؤكد في بيانه الأخير أنّ راية الاستسلام لم تأتِ بعد، وأنه عازم على استكمال مسيرته برفقة منتخب بلاده. وشدّد على أنّ اللحظة التي لن يصبح وجوده فيها مفيداً للفريق، ستكون اللحظة التي يقرّر فيها الاعتزال الدولي، ويحزم حقائبه بعيداً عن سفينة الملاحين.
حتى تلك اللحظة، سيواصل تأدية ما يعدّه واجباً وطنياً أمام الشعب البرتغالي.
وفيما يواصل رونالدو إصراره على القتال على طريقة هيرو أونودا، فالأكيد أنّه لا يمتلك علاقةً صحيةً مع زملائه في البرتغال. يكفي أنّ أزمته الأخيرة مع مدرّبه جيسوس شهدت حالةً من الصمت –الغريب والعجيب- من جانب زملائه. لم يخرج أحد لدعمه، حتى أنّ الدعم جاءه من المنافسين على غرار احتفال المهاجم الدنماركي راسموس هويلوند، بهدفه في شباك البرتغال، على طريقة رونالدو –السي- الشهيرة.
يُضاف إلى ما سبق دعم أساطير كزين الدين زيدان وتيري هنري وريو فيرديناند، الذين أجمعوا على أنّ رونالدو لا يلقى التقدير المناسب من جانب زملائه ومدربه، وفي أروقة منتخب بلاده.
وبينما ترك رونالدو الباب مفتوحاً أمام عودته من جديد لتمثيل البرتغال، في الـ42 من عمره، وحقّق ما لم يحققه أغلب لاعبي الكرة عبر التاريخ، فإنّ الأسئلة التي يجب أن توضع على الطاولة هي: إلامَ يسعى النجم البرتغالي من وراء استمراره في سفينة الملاحين؟ وهل يستطيع جسده وعقله التكيّف مع المتغيرات؟ وهل يجد التقدير الملائم من جانب شعبه وزملائه ومدّربه؟ وهل لو عاد سيكون لأغراض تجارية قبل أغراض تتعلق بما يقدمه داخل المستطيل الأخضر؟ وإن لم يجد كل هذا، فلماذا يُصرّ على القتال وعدم رفع الراية البيضاء؟
شخصياً، أحبّ رونالدو، وأحمل ذكريات ممتدةً لسنوات وأنا أشاهد هذا الرجل المُحارب. كم تمنّيت لو حمل لقب كأس العالم يوماً ما، القطعة النادرة الوحيدة المفقودة في سجلّه الحافل بالألقاب والجوائز الفردية في مختلف المسابقات، ومع الأندية المتنوعة التي لعب لها.
لكنني لا أرغب في مشاهدته وسط لاعبين يتجاهلون وجوده، ولا يقدّرون كل ما قدّمه لبلاده. حتى إنّ بعض لاعبي البرتغال الحاليين لم يكونوا قد هبطوا إلى الحياة عندما كان ابن ماديرا يحمل الشعار ويجدف للعبور بسفينة الملاحين وسط ظلام عاشته لسنوات طويلة. ومع ذلك يتعاملون معه كعجوز فاته القطار ويرفض أن يغادر المحطة.
الأكيد أنّ رونالدو وهيرو أونودا لم يلتقيا في أي زمان أو مكان. لكنهما اشتركا في رفض الاستسلام؛ بينما رفض الأخير ترك بندقيته ولم يتخيّل يوماً أن يستسلم إمبراطور اليابان لأعدائه، ما زال "الدون" يقاوم جسده لاستكمال مسيرته مع منتخب بلاده، رافضاً تصديق أنه يستحق التقدير والثناء عما يجده من هذا المنتخب، وأنّ لكل راكب محطةً سيهبط منها، وهناك يعتقدون بل يرغبون في هبوطه عاجلاً غير آجل.
Loading ads...
ويبقى السؤال: هل فات الزمن كريستيانو رونالدو؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

فيصل الفايز: اعتداء كنيسة حمود الإرهابي استهدف الأردن...
منذ دقيقة واحدة
0

فعاليات أردنية تدين الهجوم الإرهابي على كنيسة في الكرك
منذ دقيقة واحدة
0

فرنسا تدين الهجوم الإرهابي على كنيسة الكرك وتؤكد دعمها...
منذ دقيقة واحدة
0

السفير الفلسطيني في عمان يدين الهجوم الإرهابي على كنيسة...
منذ دقيقة واحدة
0


