هل استخدمت اسرائيل مواد محرمة دولياً في جنوب لبنان؟
في عالم يُفترض أن تحميه القوانين الدولية والمواثيق الإنسانية، يبقى الحق في الصحة والعيش في بيئة آمنة من أبسط الحقوق التي ينبغي ألا تكون محل نزاع أو مساومة. ومع ذلك، تتجدد المخاوف كلما ظهَرت تقارير تتحدث عن تعرّض مناطق مأهولة بالسكان لمواد كيميائية قد تحمل مخاطر صحية وبيئية، لتطرح أسئلة صعبة حول مدى احترام المعايير الدولية الخاصة بحماية المدنيين والبيئة، واليوم مع الحديث عن استخدام اسرائيل مادة الغليفوسات Glyphosate في جنوب لبنان يُعيد فتح هذا الجدال من جديد.
فعندما يتعلق الأمر بمواد مثيرة للجدل مثل الغليفوسات، فإن القضية تتجاوز الجدل العلمي البحت لتلامس أبعاداً إنسانية وأخلاقية أوسع؛ إذ إن أي تعرض محتمل لمواد قد تؤثر في صحة الإنسان أو مصادر الغذاء أو الأراضي الزراعية يثير مخاوف مشروعة بشأن سلامة السكان وحقهم في العيش بعيدًا عن الأخطار البيئية.
في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية لحماية المدنيين والموارد الطبيعية أثناء النزاعات، يرى مراقبون أن المجتمع الدولي مطالَب بمزيد من الشفافية والتحقيق في أي ادعاءات تتعلق باستخدام مواد قد تترك آثارًا صحية أو بيئية طويلة الأمد. فصحة الإنسان ليست قضية سياسية، بل حق أساسي كفلته المواثيق الدولية لجميع البشر دون استثناء.
وسط هذه التساؤلات، يبرز اسم الغليفوسات مجددًا باعتباره أحد أكثر مبيدات الأعشاب استخدامًا في العالم، وأحد أكثرها إثارة للجدل العلمي، خصوصًا بعد تصنيفه من قِبل الوكالة الدولية لأبحاث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية كمادة "مسرطِنة محتملة للإنسان". فما هو الغليفوسات؟ وماذا تقول الدراسات العلمية عن مخاطره الصحية المحتملة؟
أعاد تقرير حديث نشرته منظمة "باكس للسلام" PAX for Peace إثارة الجدل حول مادة الغليفوسات Glyphosate، بعد تكهنات باستخدامها ضمن عمليات رش مبيدات أعشاب في جنوب لبنان وسوريا، ما أثار تساؤلات واسعة حول طبيعة هذه المادة وتأثيراتها المحتملة على الإنسان والبيئة.
فما هو الغليفوسات؟ ولماذا تختلف التقييمات العلمية بشأن مخاطره الصحية، خصوصًا فيما يتعلق بالسرطان؟
الغليفوسات هو أحد أكثر مبيدات الأعشاب استخدامًا في العالم، ويُستخدم للقضاء على النباتات والأعشاب غير المرغوب فيها في الزراعة والمساحات المفتوحة. وقد طُرح تجاريًا منذ سبعينيات القرن الماضي، وأصبح المكوّن الفعّال في العديد من مبيدات الأعشاب الشهيرة.
تعمل هذه المادة عبر تعطيل إنزيم ضروري لنمو النباتات، وهو إنزيم غير موجود لدى البشر والحيوانات، الأمر الذي استُخدم تاريخيًا كأحد المبررات التي اعتبرتها أقل سمية من بعض المبيدات الأخرى. ومع ذلك، فإن تقييم تأثيراتها الصحية طويلة الأمد ما يزال محل نقاش علمي مستمر.
في عام 2015، صنّفت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC)، التابعة لمنظمة الصحة العالمية، الغليفوسات ضمن الفئة (2A)، أي "مادة يُحتمل أن تكون مسرطِنة للإنسان".
ومن المهم الإشارة إلى أن تصنيف الوكالة الدولية لأبحاث السرطان يقيّم قدرة المادة على التسبب بالسرطان من حيث المبدأ (Hazard)، وليس احتمال إصابة شخص ما بالسرطان عند مستوى تعرض معين.
رغم تصنيف الوكالة الدولية لأبحاث السرطان، توصلت هيئات تنظيمية أخرى إلى نتائج مختلفة. فقد أعلنت وكالة حماية البيئة الأميركية (EPA) بعد مراجعات علمية متعددة أن الغليفوسات "غير مرجح أن يكون مسرطِناً للبشر" عند استخدامه وفق التعليمات المعتمدة، كما لم تجد مخاطر صحية مقلقة من مستويات التعرض المسموح بها حالياً. كما تبنت جهات تنظيمية أخرى في أوروبا وأستراليا وكندا تقييمات مشابهة، معتبرة أن الأدلة الحالية لا تكفي لتصنيف المادة كمادة مسرطنة مؤكَّدة للبشر. ويعكس هذا الاختلاف تباينًا في طرق تقييم الأدلة العلمية، وأنواع الدراسات التي أُخذت بالحسبان، وآليات تقدير المخاطر الفعلية الناتجة عن التعرض للمادة.
تشير الدراسات إلى أن التأثيرات الصحية المحتملة تعتمد على كمية التعرض للمادة ومدته وطريق دخولها إلى الجسم.
ومن بين المخاطر التي ناقشتها الأبحاث العلمية:
تركز معظم النقاشات العلمية حول احتمال ارتباط التعرض المزمن لكميات مرتفعة من الغليفوسات بزيادة الإصابة ببعض الأورام، خصوصًا الأورام اللمفاوية اللاهودجكينية (Non-Hodgkin Lymphoma).
لكن النتائج ما تزال محل جدل، إذ دعمت بعض الدراسات هذا الارتباط، بينما لم تؤكده دراسات أخرى أو هيئات تنظيمية مختلفة.
أشارت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان إلى وجود أدلة قوية على حدوث تأثيرات جينية سامة (Genotoxicity)، وهي تغيرات قد تصيب المادة الوراثية للخلايا، ما يُعد أحد المسارات المحتملة المرتبطة بنشوء السرطان.
تُظهر الدراسات أن الرش الواسع لمبيدات الأعشاب المحتوية على الغليفوسات قد يؤدي إلى تضرر النباتات غير المستهدَفة، وانخفاض التنوع البيولوجي في بعض المناطق، إضافة إلى احتمالية تلوث التربة والمياه في ظروف معينة.
يُعتقد أن الأشخاص الأكثر عرضة للتأثيرات المحتملة هم العاملون في الزراعة أو رش المبيدات، خصوصًا عند غياب معدات الحماية المناسبة أو التعرض المتكرر لفترات طويلة. وتشير الهيئات الصحية إلى أهمية الالتزام بإجراءات السلامة عند التعامل مع هذه المواد الكيميائية.
مصطلح "مسرطن محتمل" لا يعني أن كل من يتعرض للمادة سيصاب بالسرطان، بل يشير إلى وجود أدلة علمية تجعل احتمال تسببها بالسرطان واردًا في ظروف معينة. ويؤكد خبراء الصحة العامة أن خطر الإصابة يعتمد على عوامل عديدة، منها كمية التعرض، ومدته، وطريقة التعرض، والحالة الصحية للفرد، إضافة إلى عوامل بيئية ووراثية أخرى.
تعتمد المخاطر الصحية المرتبطة بالغليفوسات على كمية التعرض للمادة ومدة التعرض لها. وبينما تستند الحدود التنظيمية المعتمدة في العديد من الدول إلى مستويات يُعتقد أنها آمنة ضمن ظروف الاستخدام الطبيعية، فإن التعرض لكميات مرتفعة أو متكررة بصورة تفوق هذه الحدود قد يثير مخاوف صحية أكبر. وتشير الدراسات السمية إلى أن التعرض المكثف للغليفوسات قد يرتبط بزيادة احتمالية حدوث تهيج في الجلد والعينين والجهاز التنفسي، كما قد يؤدي ابتلاع كميات كبيرة منه إلى أعراض حادة تشمل الغثيان والقيء وآلام البطن واضطرابات في وظائف بعض الأعضاء. أما على المدى الطويل، فيخشى الباحثون من أن يؤدي التعرض المزمن لمستويات مرتفعة إلى زيادة التأثيرات البيولوجية التي نوقشت في الدراسات العلمية، مثل الإجهاد التأكسدي وتلف المادة الوراثية، وهي آليات قد تكون مرتبطة بارتفاع الإصابة ببعض الأمراض المزمنة، بما فيها بعض أنواع السرطان.
ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن تقدير الخطر الفعلي يتطلب معرفة حجم التعرض الحقيقي وتركيز المادة ومدة التعرض لها، إذ لا يمكن افتراض أن جميع حالات التعرض تؤدي بالضرورة إلى النتائج الصحية نفسها. لذلك تُعد مراقبة مستويات التلوث البيئي وإجراء الدراسات الميدانية أمرًا أساسيًا لتقييم أي آثار صحية محتملة على السكان.
يضيف الدكتور حمدي المهدي مختص التغذية والخبير بالمبيدات والمبيدات الحشرية أن الغليفوسات من أكثر المواد الكيميائية استخدامًا في العالم كمبيد أعشاب، تم اكتشافه من قِبل الكيميائي الأمريكي جون فرانز في شركة مونسانتو سنة 1970، صنفه المركز الدولي لأبحاث السرطان التابع لمنظمة الصحة العالمي عام 2015على أنه مادة يُحتمل أن تكون مسرطِنة للإنسان (Group 2A) ، لأنه يعمل على أتلاف الحمض النووي(DNA).
Loading ads...
ويكمل قائلاً: إن الدراسات الحديثة أظهَرت أن الغليفوسات مرتبط بزيادة كبيرة في الإصابة بمرض باركنسون، ويؤثر على الإجهاد التأكسدى فى الخلايا العصبية. كما أن الأدلة العلمية تشير إلى أن الغليفوسات قد يعمل كمُعطل للغدد الصماء، يؤثر على جهاز المناعة، يزيد من أضطرابات الجهاز التنفسى ويزيد قابلية الجسم للأمراض المزمنة. وإن الغليفوسات لا يقضي على الأعشاب فقط بل ينتقل إلى التربة والمياه الجوفية، ويضر بالكائنات الدقيقة في التربة، ويؤثر على الكائنات المائية، ويضعف خصوبة التربة على المدى الطويل.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




