5 أشهر
بن غفير وتسليح المستوطنين.. عربدة وقتل واستباحة للضفة الغربية
الأحد، 14 ديسمبر 2025

لم تقتصر جرائم الاحتلال الإسرائيلي على نطاقه المباشر، إذ شهدت الضفة الغربية تصاعدًا في اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين، بعدما جرى تسليحهم وتنظيمهم وتجييشهم لتنفيذ عمليات قتل ممنهجة منذ اندلاع العدوان على قطاع غزة.
ومنذ بدء الحرب الشاملة على غزة، استغلّ المستوطنون هذا الواقع في الضفة الغربية، مستفيدين من دعم حكومتهم المتطرفة لفرض معادلة جديدة تقوم على توسيع دائرة التسليح. فقد قُدّم إلى وزارة الأمن الإسرائيلي أكثر من 400 ألف طلب ترخيص، صدرت منها نحو 230 ألف رخصة لحمل السلاح، معظمها وُزِّع في المستوطنات.
تتبّع التلفزيون العربي في تحقيقه عبر برنامج "مهمة صحفية" سلسلة متواصلة من عمليات الاغتيال، مستقصيًا أدلّة وشهادات ميدانية، إضافةً إلى بيانات من المصادر المفتوحة، تكشف كيف وصلت الأسلحة إلى أيدي المستوطنين. ورسم البرنامج خريطة للجهات والأدوات ومسارات توريد السلاح التي أدّت إلى سقوط عشرات الشهداء خلال العامين الماضيين.
سعى فريق برنامج "مهمة صحفية" إلى تتبّع مصادر الأسلحة التي يستخدمها المستوطنون، ليتبيّن أن الحصول عليها يتم بسهولة لافتة عبر موقع إسرائيلي تابع لأكاديمية "كاليبر3".
فقد تحوّلت هذه الأكاديمية، التي أسسها العقيد في الجيش الإسرائيلي شارون جات عام 2007، إلى مركز رئيسي يتلقى فيه المستوطنون تدريبات على استخدام الأسلحة النارية، إضافة إلى كونها متجرًا يوسّع فروعه داخل المستوطنات. ومن بين تلك الفروع، مركز يقع في تجمع مستوطنات "غوش عتصيون" على الطريق الواصل بين بيت لحم والخليل.
وفي هذا الإطار، يوضح المحلل والخبير العسكري يوسف الشرقاوي، في حديثه إلى التلفزيون العربي، أن من بين المستوطنين من هم قُصّر يحملون السلاح أثناء قيامهم بالرعي في الجبال.
ويبيّن أن نوعية الأسلحة تتفاوت وفق المهام الموكلة لكل مستوطن، فبعضهم يحمل مسدسات وآخرون يجهَّزون ببنادق من طراز إم-16. ويؤكد أن الاحتلال يتيح لهؤلاء المستوطنين خيارات متعددة للحصول على السلاح الذي يرغبون به داخل الضفة الغربية المحتلة.
من جانبه، يشير الناشط الحقوقي الفلسطيني عيسى عمرو إلى وجود تعاون أوروبي-أميركي مع مؤسسات استيطانية تنشط في الضفة الغربية رغم مخالفتها الصريحة للقانون الدولي، معتبرًا أن هذا التعاون يشكل انتهاكًا لاتفاقية جنيف وخطرًا قانونيًا وسياسيًا.
ويضيف عمرو، في حديثه إلى التلفزيون العربي، أن جزءًا من المستوطنين يشتري الأسلحة بتمويل شخصي، بينما تتولى مجالس المستوطنات توزيع السلاح على سكانها، مستندة إلى تبرعات مالية تصل من جهات دولية خارج فلسطين:
جمعيات داعمة للاستيطان، خصوصًا في الولايات المتحدة وأوروبا والجاليات الصهيونية حول العالم، تسهم في تمويل شراء الأسلحة للتجمعات الاستيطانية، ما يعزز من حضورها المسلح داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.
من جهته، يشير الباحث القانوني في مؤسسة الحق، تحسين عليان، إلى أنه إذا كانت الدول المصنعة والمصدّرة للأسلحة على علم بأن ما تزوّده من سلاح يُستخدم في قتل الفلسطينيين، فإنها تتحمّل مسؤولية قانونية تلزمها بوقف تصديره إلى دولة الاحتلال.
ويوضح أن عمليات القتل وسائر الممارسات غير القانونية، بما فيها ترهيب الفلسطينيين ومنعهم من الوصول إلى أماكن عملهم ومدارسهم ومزارعهم، تُعدّ انتهاكات صريحة للقانون الدولي.
ويؤكد أن الاستيطان نفسه يُعدّ غير قانوني وجريمة حرب وفق القوانين الدولية، لافتًا إلى المفارقة المتمثّلة في أن الدول التي تعلن رفضها للاستيطان وتصفه بجريمة حرب، هي ذاتها التي تسمح بتسليح المستوطنين، رغم أن وجودهم أساسًا على الأرض الفلسطينية يُشكّل جريمة حرب بحدّ ذاته.
وفي هذا السياق، يوضح الباحث في الشأن الإسرائيلي عادل شديد أن الحصول على السلاح داخل إسرائيل يتم عبر ثلاث قنوات: الالتحاق بالوحدات العسكرية، أو شراء السلاح بترخيص رسمي، أو عبر السوق السوداء.
ويضيف، في حديثه إلى التلفزيون العربي، أن المستوطنين يسعون أحيانًا إلى اقتناء السلاح بعيدًا عن الأطر الرسمية، الأمر الذي يدفع وحدة متابعة ما يسمى "التنظيم اليهودي" أو "الإرهاب اليهودي" في جهاز الشاباك إلى ملاحقة العديد من الحالات تفاديًا لتنفيذ عمليات قد تستهدف إسرائيليين كما تستهدف الفلسطينيين.
ويرى شديد أن الهجمات الأخيرة التي شنّها المستوطنون تعكس تحولات داخل المجتمع الإسرائيلي، أبرزها تزايد نفوذ الجماعات المتطرفة، ولا سيما تيار "الصهيونية الدينية"، الذي بات يمتلك حضورًا سياسيًا وأمنيًا متناميًا.
حمل السلاح عند المستوطنين له جذور تاريخية، فمنذ النكبة عام 1948 عمل الانتداب البريطاني على نزع سلاح الفلسطينيين، وجرّم حمله، لكنّه في المقابل سمح لليهود بإنشاء حراسة خاصّة لحماية المستعمرات، بينها وحدة الدفاع الذاتي "الهاغاناة"، إضافة إلى تسليح وتدريب اليهود ومدهم بالسلاح والتغاضي عن عمليات التهريب طيلة هذه الحقبة.
وفي تقرير نشرته صحيفة "القناة السابعة" بتاريخ 10 مايو/ أيار 2025، أعلن المجلس الإقليمي لمستوطنات الضفة الغربية، برئاسة يوسي داغان، عن خطوة غير مسبوقة تمثّلت في توزيع عشرات بنادق القنص المتطورة من طراز جلبوع “DMR” على فرق التأهب في المستوطنات. وتُصنّف هذه البنادق ضمن الأسلحة عالية الدقة والفتك، إذ يصل مداها إلى نحو 800 متر، إلى جانب توزيع بنادق هجومية.
من أمّ الخير إلى عقربا وقراوة بني حسان وبرقا، تتكرر روايات القتل الموثّق وغياب المحاسبة، فيما تتسع دائرة تسليح المستوطنين بدعم رسمي وتمويل عابر للحدود
ولم تعد العلاقة بين الجيش والمستوطنين خافية على أحد، بل أضحت تكاملية، يتبادلون فيها الأدوار عند الضرورة، حتى إنّهم يتبادلون حمل السلاح نفسه، وهكذا تحوّل الجيش إلى مؤسسة ترعى إرهاب المستوطنين.
ومنذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية، يمثّل الوزير المتطرف إيتمار بن غفير اليوم عرّاب هذا التكامل بين المستوطنين ومؤسسات الدولة.
وبعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بدأت حملات لتسهيل ترخيص وحمل السلاح للمستوطنين، إذ قدم الوزير بن غفير مقترحًا للجنة الخارجية والأمن في الكنيست يسهّل على المستوطنين حمل السلاح ويرفع عنهم العديد من القيود.
كان لتسليح المستوطنين نتائج أولية كارثية بدأت ملامحها تظهر مع تهجير قرى بدوية ورعوية في مناطق "ج". فقد قدرت المنظمات الحقوقية تهجير قرابة 3 آلاف فلسطيني من قرابة 60 تجمعًا بدويًا في الضفة الغربية بسبب اعتداءات المستوطنين وإجراءات جيش الاحتلال في مناطق مهددة بالاستيطان.
ومع بداية الإبادة في قطاع غزة، وزع المستوطنون ملصقات ومنشورات في القرى وعبر وسائل التواصل الاجتماعي تدعو الفلسطينيين للهجرة إلى الأردن وترك الضفة الغربية قبل أن يُشنّ الهجوم عليهم.
وتبيّن كل الدلائل التي توصلنا إليها ميدانيًا وعبر المصادر المفتوحة، بوضوح وجود مساع إسرائيلية رسمية لزيادة تسليح المستوطنين، وتسهيلات أدّت إلى وصول السلاح إلى أيادٍ ترتكب جرائم قتل وإرهاب ممنهج ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية.
Loading ads...
وهكذا، لم يعد السلاح مجرّد أداة لمجموعات أو أفراد، بل أصبح جزءًا من سياسة تُسهم في ترسيخ الاستيطان وتهجير الفلسطينيين من أرضهم، تمهيدًا لنكبة فلسطينية جديدة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





