ساعة واحدة
بعد ختام دورته الثالثة.. كيف اختبر معرض طرابلس للكتاب قدرة الليبيين الشرائية؟
الإثنين، 26 أكتوبر 2026

أسدل معرض النيابة العامة الدولي للكتاب في طرابلس الستار على دورته الثالثة، محققا أرقاما ضخمة (440 دار نشر من 29 دولة) وسؤالا جوهريا يتجاوز وفرة العناوين المعروضة في الأدب والتاريخ والقانون والعلوم. السؤال الذي طغى على تقييم المعرض كان: كم كتابا استطاع القارئ الليبي أن يشتري؟ وهل كانت المبيعات كافية لإقناع الناشرين بالعودة في الدورات المقبلة؟
طوال أيام المعرض المنقضي، لم تكن الحكاية محصورة في وفرة العناوين؛ بل كانت حكاية ناشرين بحثوا عن سوق، وكُتّاب حاولوا إيصال أعمالهم، وزوار وازنوا بين رغبتهم في الاقتناء وأسعار الكتب. وفي سلسلة مقابلات خاصة لـ"الجزيرة نت" أُجريت داخل أروقة المعرض، تقاطعت هذه التجارب مع رؤية الشاعر العراقي شوقي عبد الأمير، المدير العام لمعهد العالم العربي في باريس، بشأن موقع معارض الكتب في المشهد الثقافي العربي.
المعرض سوق للكتاب.. وما وراء الأرقام
اختصر عبد الأمير تحولا يراه في عدد من البلدان العربية، حيث تراجعت المكتبات التقليدية وأصبحت المعارض منافذ رئيسية لبيع الكتب وتوزيعها، ويقول في حديث خاص للجزيرة نت: "في أغلب الدول العربية تقريبا بدأت المكتبات تتضاءل، وصارت معارض الكتب هي الأسواق الحقيقية لنشر الكتب وتوزيعها".
وتأتي هذه الرؤية من تجربة مؤسسة ثقافية تستقبل، بحسب عبد الأمير، نحو مليون زائر سنويا؛ إذ يرى أن حضور الثقافة العربية في باريس يمنحها امتدادا يتجاوز حدود المنطقة، ويشير إلى أهمية التعريف باللغة العربية وآدابها وحضارتها أمام جمهور أوسع.
لكن وفرة الإنتاج لا تعني بالضرورة ارتفاع قيمته الأدبية، ففي حديثه عن الشعر العربي، ينتقد عبد الأمير ما يصفه بابتذال النشر الذي أتاحته وسائل التواصل الاجتماعي وسهولة نشر القصائد، في إشارة إلى أن اتساع المعروض الثقافي لا يغني عن التمييز بين كثرة المنشورات وجودتها.
وفي طرابلس، اتسع المعرض من 200 ناشر من 22 دولة في دورته الأولى عام 2024، إلى 425 عارضا، بينهم 325 دار نشر و100 وكيل عن ناشرين، في دورته الثانية عام 2025، قبل أن يصل عدد دور النشر في الدورة المختتمة لتوها إلى 440 من 29 دولة، ويعكس المسار توسعا في المشاركة، لكن قياس أثره التجاري يحتاج إلى النظر فيما يحدث داخل الأجنحة، لا إلى الأرقام وحدها.
فالناشر الأردني عماد القرناوي، من دار الرنيم للنشر والتوزيع، يقول إن الدار لم تنقطع عن معارض الكتاب في طرابلس منذ عام 2005، وإن تكاليف الشحن والمشاركة مقبولة مقارنة بمعارض أخرى، لكن يُضعف حماسه للسوقِ ضعفُ القدرة الشرائية، التي يصفها بأنها ضعيفة جدا، تكاد تكون معدومة.
في المقابل، قدم ناشر مصري متخصص في الكتب القانونية صورة أكثر تفاؤلا؛ إذ يقول إن مبيعاته جيدة، مستندا إلى وجود عملاء للدار في ليبيا، ويشير إلى أن إعفاء المشاركين من رسوم الأجنحة أتاح تقديم الكتب بأسعار مخفضة، وبين التجربتين، تظهر أهمية التمييز بين سهولة الوصول إلى السوق والقدرة الفعلية على البيع.
على الجانب الليبي، واجه الكاتب المتخصص في الرعب والفانتازيا والجريمة تحديا يبدأ قبل وصول الكتاب إلى المعرض، وفي مقابلة خاصة مصوّرة للجزيرة نت، يقول إن غياب الدعم يمثل إحدى أبرز العقبات أمام الكاتب الليبي، مستعيدا بداياته بقوله: "قبل أن أكون كاتبا كنت قارئا"، فالكتابة بالنسبة إليه امتداد لشغف بالكتب بدأ منذ الطفولة، لكنه يصطدم بصعوبات تتعلق بفرص النشر واستمرار الإنتاج.
وفي جناح مكتبة جذور الأصالة، أوضحت سلمى أن كتب الناشئة، ولا سيما الرعب والفانتازيا والغموض، من أكثر التصنيفات طلبا لدى جمهورها، وأن المكتبة تحاول تقديم تخفيضات تساعد القراء على الشراء، ويمنح هذا الإقبال مؤشرا إلى وجود جمهور لأجناس أدبية محددة، حتى إن ظلت القدرة على اقتناء الكتب متفاوتة.
وقدمت دار الفرجاني، التي تأسست عام 1948، مثالا على استمرار النشر المحلي رغم التحديات؛ إذ شاركت بإصدارات في الرواية والتاريخ وأدب الرحلات والتراجم، إلى جانب تجربة جديدة موجهة إلى الناشئة بين 12 و18 عاما، ويقول ممثل الدار إن المبيعات، مهما كانت قيمتها، تظل مؤشرا مهما إلى وصول اختيارات الناشر إلى القراء.
أما الأسعار، فلم تحظ بتقييم موحد، فالمهندس المعماري محمد بانون يرى أنها لا تزال مرتفعة نسبيا حتى مع تخفيضات تصل إلى 50%، بينما تصف زائرة تعمل في الترجمة عن الإنجليزية الأسعار بأنها جيدة، خصوصا مع الخصومات، ويشير الباحث القانوني عبد الفتاح أصليل، من الهيئة الليبية للبحث العلمي، إلى أن العملة تتحكم إلى حد كبير في أسعار الكتب، رغم حاجة الباحثين والقراء إلى معارض متنوعة.
وبين هذه الآراء، ورغم عدم توافر حصيلة موحدة للمبيعات أو متوسط إنفاق الزائر يسمحان بالحكم على الأداء التجاري للدورة الحالية، فإن الشهادات تكشف أن نجاح المعرض لا يُقاس بكثرة ما يُعرض فقط، بل بقدرة القراء على اقتنائه.
Loading ads...
وبعد انطواء خيمة الحدث، يبقى الاختبار الأهم لنجاحه معلقا: هل وجد الناشرون ما يشجعهم على العودة العام المقبل؟ وهل تمكن الكاتب الليبي من مواصلة النشر؟ والأهم، هل غادر القارئ المعرض حاملا الكتاب الذي جاء بحثا عنه، أم اكتفى بتصفحه وإعادته إلى الرف؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

رئيس مرسيدس يدافع عن راسل
منذ 5 دقائق
0



