2 أيام
غُلاميات بغداد والأندلس… تقاطعات الجندر والفن والسلطة في الإسلام الوسيط (2) - رصيف22
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

في بغداد العبّاسية، أواخرَ القرن الهجري الثاني، كانت زُبيدة بنت جعفر، زوجة هارون الرشيد، تشعر بالقلق؛ فلم يكن ابنها، الخليفة الأمين، يرغب في إتمام زواجه، بل بدا أنّه لا يكترث بحريمه المكتظّ بالنساء. كان الأمين يفضّل في الواقع صحبةَ الخصيان، ويعشق غلامه "كوثر"، الذي وصفه بأنّه "دينه ودنياه". وكان يُلبِس خصيانَه أحياناً ملابس نسائيةً، ويقسمهم إلى مجموعاتٍ بحسب لون البشرة، فيشير إلى الخصيان السود بـ"الغُرابية"، بينما يسمّي الخصيان البِيض "الجَرادية".
ونتيجة أذواق الأمين غير التقليدية، اجتاحت الفضيحة البَلاط، إذ كانت الخلافة تفتقر إلى وريثٍ. لذلك وضعت زُبيدة خطّةً؛ فاختارت من إمائها "المقدودات الحسان الوجوه، وعمّمت رؤوسهنّ… وألبستهنّ الأقبية والمناطق، فبانت قدودهنّ، وبرزت أردافهنّ، وبعثت بهنّ إليه فاختلفن في يدَيه، فاستحسنهنّ واجتذبن قلبه إليهنّ وأبرزهنّ للناس". وبعد ذلك، "اتّخذ الناسُ من الخاصّة والعامّة الإماءَ المطمومات وألبسوهنّ الأقبية والمناطق وسمّوهن الغُلاميات" (والمقدودة هي ذات القوام الممشوق والمتناسق).
وبعد قرنٍ ونصف القرن، وعلى الطرف الآخر من العالم الإسلامي، ارتبط اسم صُبْحٍ القرطبية (ت. 390هـ) بالغُلاميات. كانت صُبْحٌ مستعبَدة مسيحية من مملكة نَبَرَّة (ناڤارا) شمال شبه الجزيرة الإيبيرية (المجاورة لمملكة الأندلس وذات التفاعل السياسي والاجتماعي معها) وتمتّعت بذكاءٍ حادٍّ وطموحٍ كبيرٍ سمحا لها بشقّ طريقها من مُلك يمينٍ إلى الأَمَة المفضَّلة ثمّ إلى "سيّدة القصر".
وفي دراستها المنشورة سنة 2020 بعنوان "Cross-Dressing, Homosexuality and Enslaved Sex and Gender in Umayyad Iberia" (التنكر بزيّ الجنس الآخر، والمثلية الجنسية، والجنس والجندر لدى المستعبَدين في إيبيريا الأموية) تتبّعت الباحثة الأمريكية إنديا كوتيس تحوّلَ ما بدأته زُبيدة حيلةً للحصول على وريث للأمين إلى ظاهرة سرعان ما اجتازت المسافة بين بغداد والأندلس، وارتبطت بالفنّ والترفيه وبأشكال مُلتبِسة من الرغبة والتمثيل الجندري، واستمرّت لقرون عنصراً أساسياً في الثقافة العربية-الإسلامية.
يشير لفظ "غُلامية"، المشتقّ من الفعل "غَلِمَ" الذي يدلّ على اشتداد الشهوة للجماع أو غَلَبَتها، إلى فئةٍ من النساء المستعبَدات اللواتي تبنّين مظهراً وسلوكاً ذكوريَّين، وغالباً ما كُنّ موهوباتٍ موسيقياً. وقد بلغت شعبيتهنّ ذروتها في القرنَين الثالث والرابع الهجري، وكان تجّار المستعبَدين يحرصون على تدريبهنّ في محاولةٍ لزيادة قيمتهنّ السوقية.
كانت الغُلاميات "يرتدين ستراتٍ قصيرةً بأكمامٍ واسعةٍ، وكانت شعورهنّ طويلةً أو قصيرةً مع ضفائر للزينة على جانبَي الصُّدغَين. بل إنّ بعضهنّ كُنّ يرسمن شارباً باستخدام عطرٍ ملوّنٍ، كالمسك. كما كُنّ يحاولن، قدْر الإمكان، التصرّف والتحدّث كالصِبْية، وغالباً ما مارسن الرياضة وغيرها من الأنشطة الترفيهية التي عُدَّت ذكوريةً"، وفق ما يقول المؤرّخ الهولندي مارتن شيلد في "موسوعة المثلية" (1990).
وتتخلّل تصويراتُ الغُلاميات أعمالَ عديدٍ من شعراء العصرَين الأموي والعبّاسي؛ فعلى سبيل المثال، كان لأبي نواس، أحد أشهر شعراء المُجون في بغداد القرن الثاني، والمعروف بميله الجنسي إلى الصِبْية، علاقة عابرة مع غُلامية، وفق ما يقول شيلد في موسوعته السابقة الذكر. ويرسم في إحدى قصائده صورة مفصّلة للغلامية، فيقول: "غلامٌ وإلّا فالغلامُ شبيهُها"، ويتابع:
تشاركُ في الصنعِ النساءَ، وسُلِّمتْ لَهُنّ صنوفُ الحلْيِ غير المناطقِ
كأنّ مَخَطَّ الصُّدْغِ في صحنِ خدِّها بقيّةُ أنقاسٍ بإصبعِ لائقِ
غدَتْهُ بماءِ المسكِ حتّى جرى لها إلى مستقرٍّ بين أُذْنٍ وعاتقِ
بينما تشير قصائد شعراء آخرين إلى استمرار حضور ارتداء ملابس الجنس الآخر في ثقافة النخبة بعد قرون ثلاثة؛ فيصف أبوبكر بن قُزمان، الشاعر القرطبي الذي عاش في القرن الخامس ووقع في حبّ شقيق رئيس الوزراء، مشهداً يرتدي فيه مخنّث يُدعى "قُرّة" نقاباً وقماشاً رقيقاً شفافاً مطرّزاً:
قَنَّعوا لي قُرّة/ بقناعاً مايلْ وهو لابسْ خُلدي/ بعَلَاماً كاملْ (خلدي: قماش رقيق جداً) وعليه حزازير/ كما جَتْ من بابلْ (حزازير، جمع حزار: الحِرز)
كانت الإماء يتمتّعن، في بعض النواحي، بامتيازاتٍ لم تكن متاحةً بالقدْر نفسه للحرائر، وفق ما يقول المؤرّخ الأمريكي دانيال آيزنبرغ في موسوعة "إيبيريا الوسيطة"؛ إذ "كانت مُلك اليمين تتمتّع بحرّية التنقّل في المدينة، وفرصٍ أكبر لتلقّي التعليم، وحياةٍ عاطفية وجنسية أكثر ثراءً، كما كان بإمكانها "التلاعب بسيّدها لحمله على تقديم هدايا ثمينة". علاوة على ذلك، "لم يكن زواج السيّد بأَمَته أمراً نادراً".
وقد يتجلّى هذا النوع من "التلاعب" في علاقة صُبْحٍ بالخليفة الأموي الأندلسي الحَكَم الثاني (ت. 366هـ)، الذي لم يكن له قبلها سوى عشّاقٍ ذكورٍ، وفق ما تقول المؤرّخة الأمريكية فيرتشايلد رَغلز في مقالها "أمّهات سلالةٍ هجينةٍ: العِرق والأنساب والتثاقف في الأندلس"، إذ تبنّت صبحٌ هويةَ الغُلاميات قبل أن تتزوّج به وتنجب له ابنَيه، عبد الرحمن وهشاماً.
وقد يكون طموح صُبْحٍ هو ما دفعها إلى اتّخاذ مظهرٍ وسلوكٍ جندريَّين غير معياريَّين كان معظم مسيحيي شبه الجزيرة الإيبيرية يزدرونهما، من أجل استمالة الحَكَم ثمّ الزواج به، وبذلك كانت شخصيّةً حذقةً حقّقت استفادةً قصوى من وضعها بوصفها مُلك يمينٍ. ولكنْ قد تكون فعلت ذلك، كما تُجادِل كوتيس، لأنّها استمتعت بجمالياتهما، أو تزوّجت بالحَكَم لأنّها أحبّته. ولا تتعارض أيٌّ من هذه القراءات إحداها مع الأخرى.
وكانت المواهب الفنّية إحدى سبُل تعزيز موقع الإماء الاجتماعي؛ فكانت الواعدات منهن يخضعن لتدريبٍ صارمٍ في الغناء والرقص والموسيقى قبل بيعهنّ لمَن يدفع الثمن الأعلى. ويرى المؤرّخ الكندي برايَن كاتلوس في كتابه "ممالك الإيمان: تاريخٌ جديدٌ لإسبانيا الإسلامية" (2018) أنّ صُبْحاً حظيت بتفضيل الحَكَم، المُحِبّ للفنون، بفضل تدريبها الجيّد على الثقافة العربية-الإسلامية الرفيعة والأدب، بما في ذلك الغناء.
وربّما كان الترتيب القائم بينهما مفيداً للطرفَين، وفق ما تقول رَغلز؛ فكانت صبحٌ أكثر انخراطاً في شؤون الحُكم، بينما فضّل الحَكَم قضاء أيّامه في مكتبته. وعلى الرغم من بقائه الخليفةَ، من الناحية الشكلية، تولّت صبح معظمَ مسؤوليات السلطة التنفيذية المرتبطة بالخلافة خلال أواخر القرن الرابع.
وليس من المُستغرَب أنّه في ظلّ حُكم الحَكَم الثاني، وحُكم صُبْحٍ الفعلي، كانت "الإماء المرجوّ خيرهنّ يتلقّين تثقيفاً، بحسب ميولهنّ، في فنّ الخطّ والفَلَك والتنجيم والطبّ والرياضيات والعلوم الأخرى"، وفق ما يقول كاتلوس في كتابه السابق الذكر، فقد كان الزوجان على وعيٍ تامّ بالإمكانات الفنّية والفكرية الكامنة داخل حريم البَلاط. وهنا يتجلى ما ذُكر سابقاً في شأن الأمين: "فاستحسنهنّ واجتذبن قلبَه إليهن".
يبقى دافع الغلاميات إلى "تذكير" هيئاتهن وسلوكهن مفتوحاً على أكثر من قراءةٍ؛ فبينما يعزو بعض الباحثين، أمثال رَغلز وكريستينا ريتشاردسون، ذلك، إلى محاولتهن إغواءَ الرجال الذين امتلكوا سلطةً عليهن، ويعدّون الرجال الذين أغوتهم الغُلاميات "مثليين"، تتساءل كوتيس عما إذا كان هذا تقييماً ناقصاً لما عَنينَه لأهل الأندلس.
فهي تُجادِل بأنّ هذه الفئة من الإماء ربّما نمت، بمرور الزمن، لتكتسب معنى خاصاً بها ومستوى من رأس المال الثقافي، بغضّ النظر عن ميول الأفراد الجنسية. فالرجل الذي أقام علاقة مع غلامية قد يكون فعل ذلك بسبب رغبته في أن يكون مع رجل آخر، أو بسبب انجذابه إلى الغُلاميات في حدّ ذاتهن.
كما تتساءل، من الناحية الأنطولوجية، عن مدى صواب الإشارة إلى الغلاميات على أنهن نساء، وترى أنه يجدر النظر إليهن بوصفهن فئةً ثقافية تنتمي إلى الماضي وظاهرةً قائمة بذاتها كانت تُفهم وفق معاييرها الخاصّة في عصرها، وينبغي أن تُفهَم بهذه الطريقة اليومَ أيضاً.
Loading ads...
تابع مقالاتنا وتحقيقاتنا المستقلة مباشرةً من هاتفك. استمتع بتجربة سهلة، سريعة، وخصوصية آمنة أينما كنت.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





