كثيراً ما سمعت الآخرين يتحدثون عن الإصابة بالاكتئاب، وغالباً ما يعزون رتابة أيامهم إليه؛ ليس لأنهم مصابون به بل كمجرد وصف مجازي لظروف شتى يمرّون بها. وعادةً ما يُذكر الاكتئاب بطريقة ساخرة دون اكتراث لماهيته أو إدراك لمدى وحشيته.
أما أنا فقد شاهدته من كثب ولمسته. لذا، وقعُ استخدام هذه الكلمة -ولو بدافع السخرية- شديد الحساسية عليّ، بل يثير رعباً شديداً في صدري.
رأيته وهو يلتهم ببطء قلباً عزيزاً عليَّ، فكيف لا يرعبني؟ كان يتغذّى عليه باستمرار حتى توسّد روح قريبتي ثمّ قيّدها إلى الفراش وأفقدها القدرة على الإحساس والشهية والنوم والوعي.
لم يكن في وسعي شيءٌ سوى ترقّب العقاقير والجرعات التي يبدّلها الطبيب لها بين الفينة والأخرى. في المقابل، كانت علامات الموت ترتسم بدقة على وجهها. بمرور الوقت، صار جسدها نحيلاً وبدأت عظامها بالبروز شيئاً فشيئاً، وصارت طريحة الفراش عاجزةً عن المشي وممارسة أيّ عمل حياتي بسيط كالوقوف والجلوس.
لم أكن أتصوّر يوماً أنّ مرضاً كهذا قد يفتك بالإنسان فتكاً أو يعيده طفلاً مذعوراً لا يبحث إلا عن زرّ النوم ونعمةِ البكاء. ولو تصوّرت جلّ ذلك منذ البداية لفهمت كيف أرداها قتيلةً في نهاية المطاف.
جعلتني وفاة قريبتي التي شاهدتها بعينيّ بعد مشاهدتي مراحل انهيار جسدها، متيقظةً طوال تلك المدة. قرّبني ذلك إلى الله كثيراً. فلا الدواء ولا المال يستطيعان انتشال جسد لم يُكتب له الشفاء. جلّ ما ظننته ملكاً لي لا يزول، كان الله قادراً على أخذه مني بلمح البصر، ما دفعني إلى التساؤل: لماذا قرّبني الفقد إلى الله؟ وما علاقة الرحمة بفقدان الآخرين؟
من شهد منّا وفاة فردٍ عزيزٍ عليه، يعلم كيف يلجأ إلى الله بكل جوارحه، وكيف يراه في تفاصيل أيامه اللاحقة. قبل وفاة قريبتي، كنت أعيش على وهم الاكتفاء؛ أظنّ أنّ بدني سيظلّ صحيحاً، وأنّ الغد مضمون، وأنّ الرفاق والأحبّة باقون ما دمت على قيد الحياة.
لطالما ظننت أنّ الوسيلة الوحيدة لفقد أيّ شيء هي الرحيل عن الدنيا، وكأنَّ الجميع مخلّد لأجلنا. هنا كانت تكمن غفلتي، وحين رحلت فقيدتي أدركت هشاشة كلّ شيء.
كنت حين يشتدّ الوجع أهرع إلى كتاب الله علّي أجد عزاءً لما يدور في ذهني، فوحدها آياته كانت تهدّئ جذوة شعوري. "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ" (الآيتان 155 و156 من سورة البقرة). حين تأمّلت هاتين الآيتين وسط ألمي، أدركت أنهما ليستا مجرد وعظ، إذ تصفان تماماً حالتي وحالة عجزي المطلق أمام رحيل قريبتي. لقد مسّني النقص في أحبّ الناس، وعرفت حينها أنّ الإنسان عارٍ تماماً من أيّ قوة، وليس مالكاً لنفسه حتى يملك من حوله. من قاع هذا العجز، أدركت مدى فقري أمام الله في كل لحظة، وصارت الأوجاع مفهومةً أكثر في سياقها الأوسع: سياق العبودية الخالصة لله.
علمت يقيناً أنه من الصعب أن تحكي الوجع كما هو لأحدهم، فهو مقيم في داخلك، بل ربما لا تدري أنت حجمه الحقيقي، إذ لا يعلمه إلا الله، وتالياً فهو لا يهدأ إلا بلطفه. لذلك، حين لم يجد الوجع في داخلي من يحمله، وجد الله. كان اللجوء إليه عزائي الوحيد.
كنت أجد عزائي أيضاً في قصص الأنبياء مع الفقد؛ فالتسليم واللجوء إليه عند أقصى درجات العجز هو الرحمة بذاتها.
تذكّرت النبي يعقوب حين فقد ابنه يوسف فاببيضّت عيناه من الحزن، لكنه ظلّ يردّد: "قالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ" (الآية 86 من سورة يوسف). أيضاً تذكّرت النبي أيوب حين نادى ربّه من قلب الألم: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ" (الآية 83 من سورة الأنبياء).
أدركت أنّ الله لم يغلق الأبواب، بل فتح باب الفقد بنفسه ليكون طريقاً موصولاً إليه. فالفراق الذي تتصاعد فيه أرواح من نحبّ، وعلى الرغم من أنه ما زال يبعث الخوف في صدري من تكرار الفجيعة، يعيد تذكيري بأن لا ضمانات في هذه الدنيا سواه. الجميع راحل، وكان لا بدّ لي أن أُقبل نحوه بكل ضعفي.
لهذا كانت المصيبة لي ولغيري يقظةً، والرحمة أول ما برز أمامي عند أول مصيبة. منذ ذلك الحين، صار إيماني بأهمية الرحمة يتضاعف في كل مرة يؤذيني فيها صوت أو يخدشني حرف. وحين كنّا نردّد في العزاءات تلك العبارة المعتادة: "لله ما أعطى وله ما أخذ"، أدركت معناها الحقيقي: إن الله عندما يأخذ وجهاً نحبّه، فإنه يعطينا باباً إليه لكي نقترب منه ونتقرّب إليه.
وإذا سُئلت اليوم: لماذا قرّبني الفقد إلى الله؟ ستكون إجابتي ببساطة: لأنّ الله أرحم من أن يتركنا في وهم الاكتفاء.
* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22
Loading ads...
تابع مقالاتنا وتحقيقاتنا المستقلة مباشرةً من هاتفك. استمتع بتجربة سهلة، سريعة، وخصوصية آمنة أينما كنت.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






