تحت ضغط التحولات المتسارعة في بيئات العمل الحديثة، لم تعد القيادة مفهومًا فضفاضًا يقاس بالكاريزما أو يختزل في المناصب العليا؛ بل باتت مهارة عملية تُختبر يوميًا في تفاصيل السلوك والقرارات الصغيرة.
من هذا المنطلق، يقدّم كتاب THE LEADER HABIT للمؤلف مارتن لانيك طرحًا مغايرًا للسائد في أدبيات القيادة، متجاوزًا الخطاب التحفيزي التقليدي نحو نموذج تدريبي قائم على العادة والسلوك القابل للقياس.
يرتكز كتاب THE LEADER HABIT على فكرة جوهرية مفادها أن القيادة لا تكتسب عبر لحظات استثنائية أو تجارب كبرى. وإنما تبنى تدريجيًا من خلال ممارسات يومية بسيطة، متكررة، ومقصودة. هذا التحول المفاهيمي يضع القارئ أمام رؤية عملية تعيد تعريف تطوير الذات القيادية باعتباره عملية تراكمية يمكن دمجها بسلاسة في روتين العمل اليومي.
ومن خلال هذا المدخل، ينجح كتاب THE LEADER HABIT في تقديم نفسه كدليل تطبيقي لا كمرجع نظري. موجّه لكل من يسعى إلى تحسين أدائه القيادي دون الحاجة إلى برامج تدريب معقدة أو التزامات زمنية مرهقة. مكتفيًا بمنهج واضح يؤمن بأن الدقائق القليلة، إذا استُثمرت بذكاء، قادرة على إحداث تحولات مهنية عميقة ومستدامة.
القيادة كمهارة قابلة للبناء
ينطلق كتاب THE LEADER HABIT من تفكيك واحدة من أكثر الأساطير شيوعًا في عالم الإدارة، وهي أسطورة “القائد المولود”. مارتن لانيك؛ عالم النفس القيادي، يقدّم رؤية علمية تعتبر القيادة نتاج مجموعة من المهارات السلوكية القابلة للتعلّم. لا امتيازًا وراثيًا حكرًا على قلة مختارة.
يعرض الكتاب نموذجًا واضحًا يتكون من 22 مهارة قيادية أساسية، من بينها تدريب الموظفين، والتفكير الإستراتيجي، وحل النزاعات، وإظهار الصدق والنزاهة. أهمية هذه القائمة لا تكمن في عددها؛ بل في طريقة التعامل معها. حيث لا تقدَّم بوصفها صفات عامة، وإنما كسلوكيات دقيقة يمكن ممارستها وقياسها.
وبذلك، يتحول كتاب THE LEADER HABIT إلى ما يشبه خريطة طريق عملية، توضح أن كل مهارة قيادية. مهما بدت معقدة، يمكن تفكيكها إلى أفعال صغيرة يسهل إدخالها في الروتين اليومي دون إرباك أو ضغط إضافي.
قاعدة الخمس دقائق
أحد أبرز أعمدة كتاب THE LEADER HABIT يتمثل في ما يسميه المؤلف “قاعدة الخمس دقائق”. وهي قاعدة تعيد صياغة مفهوم تطوير الذات القيادي من جذوره. الفكرة الأساسية هنا أن بناء القيادة لا يتطلب ورش عمل مطولة أو برامج تدريب مكثفة. بل يحتاج إلى سلوكيات لا تتجاوز خمس دقائق يوميًا.
ويوضح الكتاب أن مهارة مثل “تبني الابتكار” لا تتحقق عبر خطاب ملهم أو قرار إداري ضخم. وإنما عبر تصرف بسيط للغاية، كأن يطلب القائد من أحد أعضاء فريقه فكرة واحدة لتحسين عملية جرى نقاشها للتو. هذا السلوك الصغير، عند تكراره يوميًا، يتحول إلى عادة تعزز ثقافة الابتكار بشكل تلقائي.
ومن خلال هذا الطرح، يبرهن كتاب THE LEADER HABIT على أن التغيير الحقيقي لا يحدث بالقفزات الكبيرة. بل بالتراكم الذكي لأفعال صغيرة محسوبة. ما يجعل المنهج قابلًا للتطبيق في مختلف البيئات المهنية.
حلقة العادة وتطبيقها
يعتمد كتاب THE LEADER HABIT على توظيف ذكي لمفهوم حلقة العادة العصبية، المكوّنة من ثلاث مراحل: الإشارة، الروتين، والمكافأة. هذه الحلقة، المعروفة في علم السلوك، يعاد توظيفها هنا لخدمة تطوير المهارات القيادية.
وفي مرحلة الإشارة، يربط القائد السلوك الجديد بلحظة ثابتة في يومه، مثل بدء العمل أو انتهاء اجتماع. أما الروتين، فيتمثل في تنفيذ فعل قيادي محدد بدقة، كسؤال مفتوح أو ملاحظة بناءة. وفي مرحلة المكافأة، يخلق الفرد شعورًا إيجابيًا فوريًا يعزز ترسيخ السلوك في الدماغ.
هذه الآلية تجعل كتاب THE LEADER HABIT أقرب إلى دليل عملي مدروس نفسيًا، لا مجرد نصائح عامة؛ حيث يتم بناء القيادة على أسس علمية واضحة قابلة للتكرار والقياس.
التشخيص الذاتي وخطة البناء التدريجي
لا يكتفي كتاب THE LEADER HABIT بطرح المفاهيم؛ بل يبدأ عمليًا بتقييم ذاتي يساعد القارئ على تحديد 2-3 مهارات قيادية تمثل فجوة حقيقية في دوره الحالي. هذا التشخيص يشكّل نقطة الانطلاق نحو خطة تطوير واقعية.
بعد ذلك، ينتقل القارئ إلى ما يشبه “دليل التشغيل”؛ حيث يتم تفكيك كل مهارة من المهارات الـ22 إلى سلوكيات دقيقة قابلة للتنفيذ. الفكرة الجوهرية هنا هي التركيز على مهارة واحدة وسلوك واحد فقط، والعمل عليه لمدة ثلاثة أسابيع حتى يتحول إلى عادة مستقرة.
هذا النهج التدريجي يعكس فلسفة كتاب THE LEADER HABIT القائمة على العمق لا الاتساع، وعلى الإتقان لا التشتت. ما يجعله مناسبًا للمديرين الجدد وأصحاب الخبرة على حد سواء.
لماذا ينجح الكتاب في اختراق الضوضاء؟
يمتاز كتاب THE LEADER HABIT بكونه عمليًا إلى أقصى حد؛ إذ يخرج القارئ من كل فصل وهو يعلم بالضبط ما الذي يمكنه فعله في اليوم التالي، دون الحاجة إلى تفسير إضافي أو إعادة قراءة. هذه المباشرة تمثل قيمة مضافة حقيقية في عالم يعج بالمحتوى النظري.
كذلك، يخاطب الكتاب جميع المستويات الوظيفية، فلا يحصر القيادة في المناصب العليا. بل يرسّخ فكرة أن السلوك القيادي يمكن ممارسته في أي موقع مهني، ما دام الشخص يمتلك الاستعداد لبناء العادة الصحيحة.
ويركز كتاب THE LEADER HABIT على التكرار لا الكمال. مؤكدًا أن الهدف ليس أن تكون قائدًا مثاليًا في لحظة واحدة. بل أن تبني منظومة عادات موثوقة تجعلك أكثر فاعلية عبر مئات التفاعلات اليومية الصغيرة. ما يمنح الكتاب طابعًا عمليًا صارمًا ومنعشًا في الوقت ذاته.
خلاصة الرؤية وأثرها المهني
يعيد كتاب THE LEADER HABIT صياغة مفهوم تطوير القيادة بلغة هادئة، شبه سريرية، تزيل الغموض والضغط عن هذا المسار.
الرسالة الأساسية واضحة: توقف عن مطاردة الصورة المثالية للقائد، وابدأ بتنفيذ سلوك صغير واحد باستمرار.
بهذا المعنى، لا يُقرأ كتاب THE LEADER HABIT بحثًا عن الإلهام العاطفي، بل يستخدم كأداة تدريب يومية، أشبه بمدرب شخصي يرافق القارئ في نموه المهني، خمس دقائق في كل مرة. حتى تتحول القيادة من طموح نظري إلى ممارسة يومية راسخة.
Loading ads...
الرابط المختصر :
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






