32 دقائق
صفقة الأيام السبعة بهرمز هي الأخطر على مستقبلِ العالم.. فهل تمر؟
الأحد، 27 سبتمبر 2026

لم يكن مستغربا أن تختار طهران منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك لتطرح عرضها الأخير. فبعد نحو 7 أشهر من الحرب مع واشنطن، عاد وزير خارجيتها عباس عراقجي بخطة تقول في ظاهرها إن الممر المائي الذي يعبره نحو خمس نفط العالم ونحو مثله من الغاز يمكن أن يفتح خلال 7 أيام، إذا قبلت واشنطن الشروط الإيرانية.
غير أن قراءة هذا العرض بوصفه مبادرة لخفض التصعيد فقط تغفل جوهره الخطير، فهو في حقيقته محاولة لتحويل ورقة ضغط صنعتها إيران بيدها إلى سلعة تفاوضية تباع بأعلى سعر ممكن، وجزء من هذا السعر يراد تحصيله من اليمن.
فالخطة كما عرضها عراقجي تطلب وقفا للأعمال العدائية لـ7 أيام على امتداد المنطقة بما فيها لبنان، والإفراج عن أصول إيرانية مجمدة لا تقل عن 12 مليار دولار، ورفع العقوبات عن النفط الإيراني وإنهاء الحصار البحري الأمريكي، على أن يعاد فتح المضيق عبر مسار جديد تحدده إيران وعمان.
إيران تعرف أن كلفة الإغلاق على خصمها ترتفع مع اقتراب انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني، فتعرض الحل في التوقيت الذي تكون فيه قيمته في أعلى مستوياتها، وأخطر مأزق في العرض هو إدراج اليمن بالصفقة
وهذه التفصيلة الأخيرة وحدها كافية لفهم ما تريده طهران: ليس العودة إلى ما كان عليه المضيق قبل الحرب، بل تثبيت واقع جديد تصبح فيه الملاحة الدولية مشروطة بترتيب إيراني.
ولا يحتاج المرء إلى الاستنتاج هنا، إذ تشترط إيران أصلا على السفن الحصول على إذن مسبق قبل العبور، وتتعرض السفن الرافضة للاستهداف.
وحين تحمل طهران مقترحها إلى بكين طلبا لتأييدها وتضمن دعم مسقط، فإنها تبني حول هذا الواقع غطاء سياسيا إقليميا يجعل التراجع عنه لاحقا من الصعوبة بمكان.
ويزداد المشهد وضوحا حين ينظر إلى التوقيت، فطهران لا تخفي رهانها على الروزنامة السياسية الأمريكية، وقد أبدت صراحة تفضيلها لإبرام اتفاق قبل الانتخابات النصفية، في لحظة يضغط فيها ارتفاع أسعار الطاقة على المستهلك الأمريكي وعلى الإدارة معا.
إنها معادلة بسيطة: إيران تعرف أن كلفة الإغلاق على خصمها ترتفع مع اقتراب انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني، فتعرض الحل في التوقيت الذي تكون فيه قيمته في أعلى مستوياتها.
وأخطر مأزق في العرض هو إدراج اليمن بالصفقة، فقد أكد حسين محبي المتحدث باسم الحرس الثوري (مدير الملف اليمني في إيران) في مقابلة مع وكالة الأنباء الفرنسية أن إنهاء الأعمال العدائية في اليمن من بين مطالب طهران.
واللافت أن هذا الشرط الجديد أعلن على لسان الحرس وقد لا يكون في نص الخطة التي قدمها عراقجي، إذ ظل غير واضح ما إذا كانت الخطة الرسمية تشمل الصراع المتجدد باليمن.
ولا ينبغي قراءة هذا التباين على أنه ارتباك، بل على أنه توزيع أدوار مألوف في السلوك الإيراني: جهة ترفع السقف علنا، وأخرى تترك الوثيقة التفاوضية مرنة بما يكفي للتقدم أو التراجع.
وتذهب تقارير أبعد من ذلك، فقد سلم عراقجي المبعوثين الأمريكيين، قبل يوم واحد من إعلانه خطة الأيام السبعة، وثيقة مكتوبة تتضمن خارطة طريق لوقف إطلاق نار على مستوى المنطقة يمتد حتى ستين يوما، مع إعادة فتح تدريجية للمضيق وإنهاء الحصار البحري الأمريكي.
وبحسب ما نشر عن تفاصيل هذه الوثيقة، تطالب طهران فيها بالإفراج عن نحو 24 مليار دولار من أموالها المجمدة، وبوقف تطبيق الحصار المفروض على الحوثيين، بوصف ذلك شرطا مسبقا لأي تسوية شاملة.
وإذا صحت هذه التقارير، فإن طهران قدمت خلال يومين وثيقتين، إحداهما عرض سريع لهرمز والأخرى تصور شامل يدرج فيه اليمن صراحة، في مؤشر على أنها تفاوض على أكثر من مستوى في آن واحد: تقدم للعالم ما يبدو مخرجا عاجلا من أزمة الطاقة، وتضع في الوثيقة الأوسع الثمن الحقيقي الذي تريد تحصيله.
تكمن خطورة المناورة الإيرانية في هذه الشروط في أنها لا تساوم على فتح المضيق بقدر ما تساوم على ملكيته الفعلية. فهرمز ممر دولي استقرت الملاحة فيه لقرون على حق المرور العابر لجميع السفن المدنية والعسكرية (…) وإذا قبل هذا الترتيب اليوم تحت ضغط أسعار الطاقة، فسيصبح غدا الأساس الذي تبنى عليه أي تسوية لاحقة، ولن يعود أحد يتحدث عن حرية الملاحة بل عن شروط الإذن
ويعتقد أن الـ60 يوما ليست وثيقة جديدة من عراقجي، بل هي إطار مذكرة التفاهم التي وقعها ترمب وبزشكيان عن بعد في 17 يونيو/حزيران بهدف تثبيت وقف النار والتوصل لاتفاق نهائي خلال 60 يوما.
واشنطن لمحت لانتهاء فاعلية المذكرة وترمب أعلن انتهاء وقف النار، وإدارته تعامل المذكرة كاتفاق خرقته إيران وفقد أساسه السياسي، وعراقجي يطالب الآن علنا بالعودة إلى ذلك التفاهم، مرحبا بمسعى الصين لإحيائه.
وإذا كانت خطة الأيام السبعة مجرد "بوابة دخول " لإعادة تفعيل مسار الستين يوما، فرفض ترمب لرفع الحصار يعني عمليا رفض المسار كله في هذه المرحلة، حتى لو لم يعلن رفض وثيقة بعينها.
لكن الحديث عن وثيقة مكتوبة منفصلة سلمها عراقجي بخارطة طريق إقليمية لـ60 يوما لم يظهر في أي مصدر مفتوح، فإما أنه تسريب لم ينشر على نطاق واسع، أو خلط إعلامي.
وعلى كل حال ترفض واشنطن الرضوخ لشروط طهران في ملف هرمز، فالإدارة الأمريكية أعلنت أنها لن تعود إلى شروط مذكرة يونيو/حزيران، وأشار مسؤول إلى أن واشنطن ليست في عجلة من أمرها بالنظر إلى ما تملكه من أفضلية في المضيق.
وقد أكدت صحيفة وول ستريت جورنال رفض ترمب العرض الإيراني الذي طرح عبر الوسطاء، وكان ينص على إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف المحادثات بشأن الملف النووي مقابل إنهاء الحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين مطلعين أن واشنطن أبلغت طهران والوسطاء بعدم وجود خطة لرفع الحصار.
وتكمن خطورة المناورة الإيرانية في هذه الشروط في أنها لا تساوم على فتح المضيق بقدر ما تساوم على ملكيته الفعلية.
فهرمز ممر دولي استقرت الملاحة فيه لقرون على حق المرور العابر لجميع السفن المدنية والعسكرية بما في ذلك الغواصات والطائرات وهو العبور الذي لا يحتاج إلى إذن أحد، أما المسار الذي تحدده دولتان متشاطئتان، ويشترط لعبوره تصريح مسبق، فهو نقل للمضيق من فضاء دولي إلى ممر مدار يملك من يديره أن يفتحه ويغلقه ويفاضل بين العابرين.
وإذا قبل هذا الترتيب اليوم تحت ضغط أسعار الطاقة، فسيصبح غدا الأساس الذي تبنى عليه أي تسوية لاحقة، ولن يعود أحد يتحدث عن حرية الملاحة بل عن شروط الإذن.
ويزيد تسلسل الخطة من هذا الخطر، فالمكاسب الإيرانية كلها مقدمة (من دفع الأموال إلى رفع العقوبات وإنهاء الحصار) بينما الملف النووي مؤجل إلى ما بعد فتح المضيق.
أي أن واشنطن مطالبة بأن تدفع الثمن كاملا مقابل وعد هش بالتفاوض على القضية النووية التي اندلعت الحرب بسببها. مع أن المضيق الذي يعاد فتحه يمكن إغلاقه مجددا في أي لحظة، بينما العقوبات التي ترفع والأموال التي تسلم لا تستعاد بسهولة.
إذا خرجت إيران من هذه الحرب بمضيق تديره وأموال تستعيدها وحليف يمني ترفع عنه القيود، فإن الدرس الذي ستتعلمه كل قوة إقليمية طامحة هو أن تعطيل التجارة الدولية أقصر طريق إلى طاولة التفاوض وأربح وسيلة للخروج منها
ويبلغ الخطر ذروته حين تقرأ الشروط الإيرانية في هرمز واليمن معا لا كلا على حدة، فطهران تتحدث عن عبور "غير المعادين " في هرمز، والحوثيون يعلنون أنهم لا يستهدفون أحدا في البحر الأحمر سوى السعودية (!!) وهي العقيدة ذاتها في الممرين: الملاحة ليست حقا عاما بل امتيازا يمنح بحسب الموقف السياسي.
والأخطر أن البديل الأهم الذي تملكه السعودية لتجاوز هرمز هو نقل نفطها برا إلى موانئ البحر الأحمر، وهذا البديل نفسه يمر بعد ذلك عبر باب المندب الذي يقترب منه الحوثيون.
أي أن الضغط الإيراني في هرمز والضغط الحوثي في البحر الأحمر لا يعملان كجبهتين منفصلتين، بل ككماشة واحدة تغلق المنفذ الأساسي ثم تهدد البديل، ومن هنا فإن إدراج اليمن في صفقة هرمز ليس بندا إضافيا في قائمة المطالب، بل هو استكمال للمعادلة الإيرانية: من يمسك بالممرين يمسك بشريان الخليج كله.
إن السابقة التي ستكرس إذا مرت هذه المقايضة أخطر من أي بند منفرد فيها، ومفادها أن إغلاق شرايين التجارة الدولية يكافأ بالأصول المجمدة ورفع الحصار والعقوبات وتثبيت النفوذ.
وتجنب هذه السابقة يتطلب موقفا حازما ليس في رفض التفاوض من أساسه، بل يتطلب الصبر الإستراتيجي لإفراغ المناورة الإيرانية من مكاسبها على حساب القانون الدولي والأمن الإقليمي.
إن المنطقة والعالم كله معنيون بمناقشة مثل هذه الصفقة، لأن ما يقر في هرمز وباب المندب لن يبقى محصورا فيهما، بل سيصبح قاعدة يحتكم إليها في كل ممر وكل نزاع قادم في المضائق البحرية عبر العالم.
وإذا خرجت إيران من هذه الحرب بمضيق تديره وأموال تستعيدها وحليف يمني ترفع عنه القيود، فإن الدرس الذي ستتعلمه كل قوة إقليمية طامحة هو أن تعطيل التجارة الدولية أقصر طريق إلى طاولة التفاوض وأربح وسيلة للخروج منها.
ويكون العالم كله أمام نتيجة كارثية. ولن تكون دول الخليج وحدها من يدفع ثمن هذا الدرس، بل كل دولة يمر اقتصادها عبر البحر الأحمر والخليج العربي من مصر التي ترتبط قناتها بسلامة باب المندب، إلى الاقتصادات الآسيوية والأوروبية التي تعتمد على الطاقة.
Loading ads...
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




