ساعة واحدة
بين إنقاذ الذاكرة وانتهاك الخصوصية.. الوجه الآخر للنظارات الذكية
الإثنين، 2 نوفمبر 2026

لطالما كان النسيان جزءا من طبيعة الذاكرة البشرية، نتذكر بعض التفاصيل وتتلاشى أخرى، وتفقد لحظات عابرة ملامحها مع مرور الوقت. لكن التكنولوجيا تعدنا اليوم بقلب هذه المعادلة، بذاكرة لا تكتفي بما نختار الاحتفاظ به، بل تستطيع أن تحفظ ما مرّ أمام أعيننا، وأن تستعيده بعد أيام أو أسابيع، وربما حين نكون قد نسيناه تماما.
مع الجيل الجديد من النظارات الذكية، لم يعد الطموح مجرد التقاط صورة أو الإجابة عن سؤال، بل بناء ذاكرة شخصية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تربط تفاصيل الحياة اليومية بعضها ببعض، وتتيح استرجاع محادثة عابرة أو لقاء قديم أو معلومة لم ننتبه إلى أهميتها في لحظتها. وهو ما قد يحول حياتنا إلى أرشيف قابل للبحث، تصبح فيه الذاكرة أقل اعتمادا على ما بقي في أذهاننا، وأكثر ارتباطا بما احتفظت به الأجهزة.
لكن ما يبدو مكسبا لمن يخشى النسيان، يثير أسئلة بشأن حدود هذه الذاكرة، وما ينبغي أن تحتفظ به، ومن يملك حق الوصول إلى المعلومات التي تجمعها، وماذا يحدث عندما تتضمن تفاصيل عن أشخاص لم يختاروا أن يكونوا جزءا منها.
لا تقتصر النقلة التي تسعى شركات التكنولوجيا إلى تحقيقها في النظارات الذكية على التقاط الصور أو تسجيل اللحظات، بل تمتد إلى محاولة فهم السياق الذي يربط تفاصيل الحياة اليومية بعضها ببعض. وبدلا من الاكتفاء بصورة يعود إليها المستخدم لاحقا، تتجه هذه الرؤية إلى تطوير مساعد ذكي يستطيع، عند الحاجة، استرجاع معلومات من تجارب سابقة وربط أحداث وقعت في أوقات مختلفة.
وتوضح شركة "ميتا"، في شرح نشرته عن البنية التقنية لنظاراتها المدعومة بالذكاء الاصطناعي، أن بناء مساعد شخصي أكثر فائدة يتطلب فهما لسياق المستخدم وتفضيلاته، وقدرة على الاحتفاظ بالسياق وربط الأفكار والأحداث عبر أيام أو أسابيع.
وتشير الشركة إلى أن بعض هذه العمليات يحتاج إلى قدرات حاسوبية لا يمكن الاعتماد فيها على الجهاز وحده، ما يجعل الاستعانة بالحوسبة السحابية جزءا من البنية التي تقترحها لتحقيق هذه الرؤية.
ولمعالجة المخاوف المتعلقة بمعالجة البيانات خارج الجهاز، أعلنت "ميتا" تطوير بنية أطلقت عليها اسم "المعالجة الخاصة" (Private Processing). ووفقا لشرح الشركة، تعتمد هذه البنية على تقنيات تشمل الحوسبة السرية وبيئات التنفيذ الموثوقة، إلى جانب آليات لحماية البيانات أثناء المعالجة والتخزين. وتقول "ميتا" إن هذه التدابير صُممت بحيث لا تتمكن الشركة نفسها من الاطلاع على البيانات الشخصية أثناء معالجتها داخل البيئات المخصصة لذلك.
لكن حماية البيانات أثناء معالجتها أو تخزينها لا تحسم وحدها جميع الأسئلة المتعلقة بهذه التقنية. فما المعلومات التي ينبغي جمعها منذ البداية؟ وكم من الوقت ينبغي الاحتفاظ بها؟ وهل يقتصر الحذف على التسجيل الأصلي، أم يشمل أيضا المعلومات والاستنتاجات المبنية عليه؟ هذه الأسئلة تتجاوز الحماية التقنية إلى القواعد التي تحدد كيفية جمع البيانات واستخدامها والاحتفاظ بها.
قد لا تكون الذاكرة التي لا تنسى عبئا في جميع الحالات، فبالنسبة لأشخاص يعانون من فقدان الذاكرة أو إصابات الدماغ، قد يصبح استرجاع محادثة أو تذكر مهمة يومية أو العثور على غرض مفقود تحديا يؤثر في قدرتهم على إدارة حياتهم باستقلالية.
وفي هذا السياق، أعلنت "ميتا" في فبراير/شباط 2026 عن تعاون مع مؤسسة "أوسكار مايك" (Oscar Mike Foundation) لاستكشاف إمكانات استخدام النظارات البحثية "أريا جين 2" (Aria Gen 2) لمساعدة أشخاص يعانون من فقدان الذاكرة أو إصابات الدماغ الرضحية (TBIs).
وبحسب ما أوضحته الشركة، تناولت ورش العمل إمكانات استخدام هذه التقنية للمساعدة في تذكر المحادثات والمهام اليومية، والعثور على الأغراض، والحفاظ على التركيز، والاستدلال على الاتجاهات داخل المباني.
وتعرض هذه الجهود تطبيقات محتملة للتقنية، لكنها لا تعني أن جميع الوظائف المذكورة أصبحت متاحة في النظارات التجارية التي يستخدمها المستهلكون، أو أن فعالية هذه التطبيقات قد ثبتت على نطاق واسع.
وتوضح هذه التجربة أحد الوعود الإنسانية للذاكرة الاصطناعية، وهي مساعدة الأشخاص على استعادة معلومات قد يصعب عليهم تذكرها، لكنها تبرز أيضا أهمية تحديد طبيعة البيانات التي تحتاج إليها هذه التطبيقات، وكيفية التعامل معها أثناء استخدامها، ولا سيما عندما تتضمن معلومات جُمعت في سياق الحياة اليومية.
لا تتوقف حدود الذاكرة الرقمية عند الشخص الذي يرتدي النظارات، وتحذر الدكتورة ميليكا ستيلينوفيتش، الباحثة ما بعد الدكتوراه في مشروع حوكمة التقنيات الغامرة بجامعة سيدني، من أن النظارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تقوّض ما يُعرف بـ "الحق في البقاء بعيدا عن الرصد والتعقب" (right to obscurity)، أي قدرة الأشخاص على التنقل في الأماكن العامة من دون أن يكونوا عرضة باستمرار للتعرف على هوياتهم أو تتبعهم أو تسجيلهم.
وتوضح ستيلينوفيتش، في حديثها للجزيرة نت، أن المعلومات التي قد تجمعها هذه الأجهزة لا تقتصر على صور الأشخاص أو أصواتهم، بل يمكن أن تشمل من يلتقون بهم، والملابس التي يرتدونها، ومكان اللقاء وتوقيته، والتفاصيل المحيطة بهم. وقد تتيح بعض العناصر الظاهرة، مثل رقم بطاقة ائتمان أو ساعة باهظة الثمن، استنتاجات عن الوضع المالي للشخص.
وتكمن المشكلة، بحسب الباحثة، في أن هذه التفاصيل قد تُضاف إلى سجل رقمي ينشئهُ الذكاء الاصطناعي عن حياة شخص آخر، من دون أن تتوافر لمن يظهرون في المشهد وسيلة مباشرة لمنع جمع معلوماتهم أو إدراجها في ذلك السجل.
وتلفت ستيلينوفيتش إلى أن المخاطر قد تتجاوز الخصوصية العامة، فبالنسبة لأشخاص أكثر عرضة للخطر، قد تكون القدرة على البقاء بعيدا عن الأنظار أو الحفاظ على سرية الهوية ضرورية لسلامتهم. وترى أن المقاربة الأخلاقية ينبغي أن تبحث عن ضمانات عملية، مثل اشتراط موافقة الأشخاص الذين يظهرون في التسجيلات، وطمس وجوه من لم يوافقوا على التسجيل وإخفاء أصواتهم، أو إتاحة وسيلة واضحة تمكنهم من رفض تسجيلهم.
وتطرح هذه المقترحات مسألة تتجاوز قدرة الجهاز على تسجيل اللحظات واسترجاعها، لتصل إلى الشروط التي ينبغي أن تحكم هذه العملية، وما إذا كانت الأدوات المتاحة كافية لمنح الأشخاص قدرة فعلية على حماية خصوصيتهم.
لكن الضمانات التقنية، حتى عندما تكون مصممة لمنع الوصول غير المصرح به إلى البيانات، غير كافية للإجابة عن سؤال من يحدد الأغراض التي يجوز استخدام هذه البيانات من أجلها؟ فحمايةُ المعلومات أثناء معالجتها أو تخزينها تختلف عن تحديد شروط الاحتفاظ بها والاستفادة منها لاحقا.
وتلفت ستيلينوفيتش إلى اختلال توازن القوى بين الشركات التي تدير البنية التقنية والأشخاص الذين تعتمد أجهزتهم على خدماتها. فالشركاتُ، بحسبها، تتحمل مسؤولية حماية البيانات التي تخزنها، لكنها تمتلك أيضا حوافز تجارية للاستفادة من مجموعات البيانات مجهولة الهوية في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي وتحسينها.
ولا يعني ذلك أن كل تسجيل يُستخدم لهذا الغرض، بل يطرح تساؤلات بشأن حدود الاستفادة من البيانات، ومدى وضوح القواعد التي تحكم استخدامها. فالتحدّي لا يقتصر على ضمان ألا تقع المعلومات في الأيدي الخطأ، بل يشمل أيضا تحديد ما يمكن فعله بها، ولأي غرض، وتحت أي شروط.
وتقول "ميتا" إن بنية "المعالجة الخاصة" صُمّمت لحماية البيانات الشخصية أثناء المعالجة، لكن هذه ضمانات تعرضها الشركة في شرحها التقني، ولا ينبغي الخلط بينها وبين تقييم مستقل يثبت معالجة جميع مخاطر الخصوصية. كما أن حماية البيانات من الوصول غير المصرح به لا تحسم وحدها أسئلة استخدامها أو مدة الاحتفاظ بها.
وتتجاوز المخاوف بشأن النظارات الذكية كيفية جمع المعلومات وحمايتها، إلى مدى إدراك الأشخاص المحيطين بالمستخدم أنهم قد يصبحون جزءا من عملية التسجيل، وإلى ما قد يحدث للبيانات بعد رفعها إلى خوادم الشركات.
وفي تقرير نشرته وكالة رويترز في سبتمبر/أيلول 2026، حذر مسؤولون تنفيذيون وخبراء قانونيون ومحللون من أن المخاوف المتعلقة بالخصوصية قد تبطئ انتشار الجيل الجديد من أجهزة الذكاء الاصطناعي القابلة للارتداء.
وبرزت نظارات "ميتا" بالتعاون مع "راي بان" (Ray-Ban) في قلب هذا الجدل، في ظل مخاوف من التسجيل من دون علم الأشخاص الذين يظهرون في المشهد، ومن مستقبل قد تتراجع فيه قدرتهم على التحرك من دون أن يكونوا عرضة للتصوير أو التتبع.
وتناول التقرير دعوى قضائية رفعها مستهلكون ضد "ميتا" و"لوكسوتيكا أوف أمريكا" (Luxottica of America)، تزعم أن أشخاصا يعملون في تصنيف البيانات ومراجعتها اطلعوا على تسجيلات خاصة، من بينها لقطات يقال إنها أظهرت أشخاص أثناء تغيير ملابسهم أو استخدام الحمامات أو التعامل مع معلومات مالية. وبحسب الدعوى، حدث ذلك بعد رفع التسجيلات إلى خوادم "ميتا" لاستخدامها في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي التابعة للشركة.
ورفضت "ميتا" الادعاءات الواردة في الدعوى، وقالت إنها ستطعن فيها. كما أوضحت أن ضوء المؤشر الذي لا يمكن إطفاؤه أثناء التصوير يهدف إلى حماية خصوصية الأشخاص المحيطين بالمستخدم، وأن الكاميرا تتوقف عن العمل إذا حُجب الضوء أو جرى العبث به.
وأضافت الشركة أنها تحذف المعلومات التي يمكن أن تكشف هويات الأشخاص، ووصفت مراجعة بيانات المستخدمين لتحسين المنتجات بأنها ممارسة شائعة في القطاع.
وتظل هذه المزاعم جزءا من نزاع قضائي، ولا تعني أنها مخالفات ثبتت قضائيا. لكنها تبرز سؤالا مُهما بشأن الفارق بين الضمانات التي يقدمها الجهاز أثناء التسجيل، وما قد يحدث للبيانات بعد رفعها ومعالجتها.
ولا يقتصر الجدل على شركة "ميتا"، فبحسب رويترز اتجهت بعض الشركات إلى تطوير أجهزة تتجنب الكاميرات أو تجعل التسجيل مشروطا بفعل واضح من المستخدم. وطرحت شركة "إيفن رياليتي" (Even Realities) نظارات من دون كاميرات، فيما تعتمد أجهزة أخرى، مثل جهاز التسجيل الذي تطوره شركة "بوكيت" (Pocket)، على الضغط على زر لبدء التسجيل. أما شركة "بلود" (Plaud)، فتقول إن بعض أجهزتها لا يسجل إلا عند تفعيله، مع تنبيه المحيطين من خلال أضواء أو إعلان صوتي.
وتعكس هذه الخيارات محاولات مختلفة لمعالجة المخاوف المتعلقة بالتسجيل، لكنها لا تجيب بالضرورة عن جميع الأسئلة التي تطرحها الذاكرة الاصطناعية، ولا سيما فيما يتعلق بمدة الاحتفاظ بالمعلومات، وإمكان استرجاعها لاحقا، والقواعد التي تحكم استخدامها.
ويختصر جايتيش أوبراي، المدير في شركة الأبحاث "آي دي سي" (IDC)، جانبا من هذا النقاش بالتمييز بين رفض التسجيل من أساسه، والمطالبة بوجود وعي وموافقة عندما يجري تسجيل الأشخاص. وهذا التمييز مهم في حالة النظارات الذكية، فالتحدّي لا يتمثل بالضرورة في منع كل تسجيل، بل في أن يكون واضحا ومفهوما، وأن توجد قواعد تحدد كيفية استخدام ما جُمع والاحتفاظ به.
Loading ads...
قد تكون ذاكرة محفوظة في نظارة ذكية طوق نجاة لشخصٍ يخشى أن يفقد خيوط يومه، لكن الذاكرة التي تمد يدها إلى شخص قد تفتح، من دون أن يدري، نافذة على حياة شخص آخر، فتحفظ تعابير وجهه وكلماته وتفاصيل عابرة قد تتحول إلى استنتاجات عنه، ثم تبقى في سجل لا يعرف متى سيُفتح مجددا، ولا في أي سياق ستُقرأ محتوياته أو تُستخدم.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




