ساعة واحدة
"عبور مؤجل.. يوم في الشاباك".. عبد الله مكسور يكتب عن فلسطين من الداخل
الإثنين، 11 مايو 2026
صدر عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة العمل الأدبي الجديد للروائي والصحفي السوري عبد الله مكسور، تحت عنوان "عبور مؤجل.. يوم في الشاباك"، وهو نصّ سردي رفيع يقدّم واحدة من أكثر التجارب الذاتية تعقيداً وعمقاً في الكتابة العربية المعاصرة، حيث تتقاطع فيه الرحلة مع الاعتراف، والتوثيق مع التأمل، والحدث مع أسئلته المفتوحة.
يأتي هذا العمل باعتباره شهادة مكتوبة من الداخل، لا تراقب التجربة من مسافة بعيدة، وإنما تنخرط فيها بالكامل. فالكاتب لا يقدّم نفسه شاهداً محايداً، بل يخوض بذاته الاختبار، ويعيد من خلال تأملاته مساءلة ما يعرفه، معتمداً على لغة رفيعة تبحث عن صياغة ما يصعب قوله. ومن هذا الموقع، تتشكّل حكاية شخصية عميقة تتجاوز السرد المباشر إلى بناء تجربة حسّية وفكرية متكاملة.
ومنذ الصفحات الأولى، يضع عبد الله مكسور القارئ أمام نصّ يتعامل مع ذاته بقدر عالٍ من الصراحة والمسؤولية، موضحاً أنه أجرى تعديلات على بعض الأسماء والتفاصيل الحساسة حفاظاً على سلامة أصحابها، مع التزام كامل بصدق الوقائع وجوهرها. وهذا التوضيح يلجأ إليه الكاتب بوصفه جزءاً من أخلاقيات الكتابة في سياق شديد الحساسية مثل فلسطين، ما يمنح النص مصداقية عالية، ويؤسس لعلاقة صحية قائمة على الثقة مع المتلقي منذ البداية.
يتقدّم الكتاب نحو موضوعه الأساسي عبر مسار غير تقليدي، حيث لا تبدأ الرحلة من المطار أو الخارج، وإنما من الداخل؛ من منطقة ملتبسة تتراكم فيها الأسئلة قبل أن تجد تعبيرها. وتظهر فكرة العبور إلى فلسطين كهاجس طويل يسكن الكاتب، يتشكّل عبر الزمن، ويتحوّل تدريجياً من تصور ذهني إلى مشروع اختبار فعلي. وفي هذا السياق، يصبح العبور فعلاً محمّلاً بالمعنى، لا خطوة عابرة في جغرافيا معروفة.
كل تفصيل في الطريق يحمل دلالة، وكل قرار يرتبط بسؤال أخلاقي عميق. ويفتح النص مساحة واسعة للتفكير في العلاقة بين الامتياز والمعرفة، وبين القدرة على الوصول إلى جغرافيا فلسطين وحق الوصول إليها، وبين الرغبة في الاقتراب وثقل هذا الاقتراب. وهكذا يتحوّل العبور إلى مفهوم مركّب يلامس أسئلة الهوية والتاريخ والانتماء والعدالة والذاكرة.
يرصد الكاتب في هذا العمل واحدة من أكثر المناطق انغلاقاً وحساسية في الجغرافيا الفلسطينية، وربما في العالم؛ مساحة يُحظر فيها التصوير بشكل مطلق، وتُدار تفاصيلها خلف طبقة كثيفة من المنع والرقابة والتفتيش. فالمحاذير في فضائها أكثر من المسموح، ما يجعل الاقتراب منها أو المرور عبرها فعلاً عالي الكلفة، وإن كان يحدث بشكل يومي.
هذا المكان الخاضع لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي لا تُسجَّل اللحظات فيه كما هي، بل تُختزل التجربة كلها في الذاكرة الفردية، عبر سرد يتحمّل عبء نقل ما لا يُرى. ومن داخل هذه البيئة المغلقة، يقدّم النص وصفاً دقيقاً لما يحدث في غرف تحقيق الشاباك، حيث يتحوّل الزمن إلى أداة ضغط، وتُبنى الأسئلة بعناية لاستخراج ما هو أبعد من الإجابات المباشرة، في سياق يعتمد على تفكيك السرد الشخصي واختباره.
وهنا، في هذه المساحة، لا يكتفي العمل بالإشارات عن بُعد، وإنما يدخل إلى قلب التحقيق لغوياً، ويعيد تشكيله، كاشفاً بنيته بوصفها ممارسة يومية لسلطة الاحتلال، تُدار بصخب، وتترك أثرها العميق في من يمرّ بها، وفي من يحاول أن يكتب عنها.
ويقدّم "عبور مؤجل.. يوم في الشاباك" صورة دقيقة لحياة الفلسطيني المرتبطة بالحاجز البري الوحيد الذي يربطه بالعالم. وما يلفت في العمل هو قدرته العالية على التقاط ما يحدث خارج الصورة التقليدية، وخارج العدسة، وخارج الخطاب الإعلامي المباشر. فالتجربة لا تُختزل في لحظة ذروة، وإنما تتشكّل من تراكم بطيء لتفاصيل متشابهة في قسوتها، حيث يُمارس الإخضاع اليومي بهدوء، من دون حاجة إلى استعراض. وهذا التراكم يمنح النص قوته، ويجعل القارئ يقترب من التجربة بوصفها حالة تُعاش يومياً، لكنها تحمل من الاستثنائية الشيء الكثير.
يقدّم "عبور مؤجل.. يوم في الشاباك" رحلة شخصية للكاتب، قائمة على قراءة دقيقة لبنية سلطة الاحتلال كما تتجلّى في التفاصيل؛ من خلال رصد ما يحدث في المساحات الصغيرة، وفي الإجراءات، والانتظار، واللغة المستخدمة، والطريقة التي تُدار بها اللحظة الفلسطينية على جسر اللنبي.
ويمنح هذا الرصد القارئ فهماً أعمق لطبيعة التجربة، بأسلوب لغوي متماسك وعميق، يجمع بين الدقة الصحفية والاشتغال الأدبي العالي. فالجملة مشغولة بعناية، تحمل كثافة شعورية واضحة، وتتحرك بإيقاع مدروس ينسجم مع طبيعة الحكاية. وهي لا تنقل الحدث فقط، وإنما تصنعه، وتعيد تشكيله، وتمنحه بعداً إضافياً، لتتحول إلى مساحة تأمل مفتوحة، يتقاطع فيها الخاص مع العام، والتجربة الفردية مع الأسئلة الكبرى.
ويقف "عبور مؤجل.. يوم في الشاباك" في منطقة متقدمة بين الصحافة والأدب، مستفيداً من أدوات التوثيق في الدقة والتحقق، ومن أدوات السرد في البناء والتشكيل والرصد، وصولاً إلى نصّ غني ومتعدد الطبقات، يمكن قراءته بوصفه وثيقة تاريخية، وعملاً أدبياً، ومساحة تفكير مفتوحة.
Loading ads...
عبد الله مكسور روائي وصحفي سوري، صدر له سبعة أعمال روائية وكتاب "هندسة المعنى" في تقنيات السرد الصحفي. ويعمل في الصحافة المكتوبة والتلفزيونية منذ عام 2007، كما عمل في المسرح البلجيكي، وتُدرَّس أعماله ضمن مساقات الكتابة الحديثة في العديد من الجامعات العربية والغربية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

