ساعة واحدة
خاص: كواليس اتفاق واشنطن بين لبنان وإسرائيل ودور الوساطات العربية.. ولماذا رفضته إيران وحزب الله؟
الجمعة، 5 يونيو 2026

كشفت مصادر سياسية لبنانية ودبلوماسية عربية شاركت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الاتصالات التي سبقت المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية الأخيرة، أن البيان الذي خرج من واشنطن لم يكن وليد الساعات الأخيرة من التفاوض، بل جاء نتيجة أسابيع من الوساطات والاتصالات السرية التي شاركت فيها الولايات المتحدة وقطر والسعودية ومصر.
بحسب مصادر "عربي بوست"، شهدت الكواليس خلال الأيام الأخيرة حراكاً مكثفاً قادته الدوحة بصورة خاصة، تخللته اتصالات مباشرة بين أمير قطر والرئيس الأمريكي، ومشاورات بين مسؤولين لبنانيين وقطريين وأمريكيين وإسرائيليين، بهدف تجاوز الخلاف والتوصل إلى صيغة تضمن وقف إطلاق النار وانسحاباً إسرائيلياً تدريجياً.
غير أن العقبة الأكبر لم تكن مرتبطة ببنود الاتفاق نفسها بقدر ما ارتبطت بتداعياته السياسية والإقليمية، إذ رأت إيران وحزب الله أن ما طُرح على طاولة المفاوضات يتجاوز تثبيت وقف إطلاق النار إلى محاولة أمريكية لإعادة هندسة المشهد اللبناني وتقليص نفوذ الحزب وفصل لبنان تدريجياً عن المحور الإيراني.
قالت مصادر دبلوماسية عربية لـ"عربي بوست" إن الدور القطري في المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية برز باعتباره الأكثر نشاطاً بين الوسطاء العرب خلال الأيام الأخيرة من المفاوضات.
وكشفت المصادر أن زيارة المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب اللبناني النائب علي حسن خليل إلى الدوحة جاءت ضمن حراك سياسي وأمني واسع قاده رئيس مجلس النواب نبيه بري بالتشاور مع حزب الله والإيرانيين، للحصول على ضمانات أمريكية وإسرائيلية حقيقية بشأن وقف إطلاق النار.
خلال اللقاءات التي عقدها خليل مع مسؤولين قطريين، جرى نقل رسائل مباشرة إلى واشنطن مفادها أن بري قادر على توفير غطاء سياسي داخلي لأي تفاهم يضمن وقف العمليات العسكرية وانسحاباً إسرائيلياً تدريجياً، وأن الحزب لن يقف في وجه اتفاق يحفظ التوازنات اللبنانية ولا يتضمن استهدافاً مباشراً لبنيته التنظيمية والسياسية.
ووفق مصادر "عربي بوست"، فإن القطريين نقلوا هذه الرسائل إلى الإدارة الأمريكية، كما أجروا اتصالات موازية مع مسؤولين إسرائيليين بهدف تقليص فجوة الخلاف بين الطرفين خلال الساعات الأخيرة من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية.
بحسب المعلومات التي حصل عليها "عربي بوست" من مصادر عربية ولبنانية متعددة، فإن الملف اللبناني احتل حيزاً مهماً خلال الاتصال الذي جرى بين أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني والرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل ساعات من الجولة الأخيرة للمفاوضات.
خلال الاتصال، شدد الجانب القطري على ضرورة منع انهيار المفاوضات ومنع توسع الحرب في لبنان، محذراً من أن استمرار العمليات العسكرية سيؤدي إلى انهيار أي فرصة لاستعادة لبنان السيطرة على الجنوب، فيما أكد ترامب أنه سيعمل على دفع إسرائيل نحو إظهار مرونة أكبر في المفاوضات.
كما طلبت الدوحة ضمانات أمريكية واضحة بشأن وقف النار وعدم الاكتفاء بترتيبات جزئية تقتصر على بيروت والضاحية الجنوبية. غير أن ما وصل إلى اللبنانيين لاحقاً أظهر أن التفسير الأمريكي لوقف النار كان مختلفاً عن التفسير اللبناني والعربي، إذ بقيت إسرائيل متمسكة بحقها في مواصلة عملياتها العسكرية جنوباً تحت مزاعم حماية أمنها القومي.
أكدت مصادر حكومية لبنانية لـ"عربي بوست" أن مستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول لعب دوراً بارزاً في الكواليس خلال الأسابيع التي سبقت الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، مستفيداً من علاقاته الوثيقة مع الإدارة الأمريكية وعدد من العواصم العربية والأوروبية.
وبحسب المصادر، تولى باول مهمة تنسيق الاتصالات بين واشنطن ولندن وعدد من الوسطاء الإقليميين، كما حافظ على تواصل مباشر مع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومسؤولين لبنانيين وغربيين لمواكبة مسار المفاوضات.
وتركز دوره على محاولة ردم الهوة بين الطروحات اللبنانية والإسرائيلية، خصوصاً فيما يتعلق بوقف إطلاق النار، وانتشار الجيش اللبناني، ومستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب. كما عمل على حشد دعم أوروبي لأي تفاهم محتمل، انطلاقاً من قناعة بريطانية بأن استقرار لبنان يشكل جزءاً أساسياً من أمن شرق المتوسط ومنع توسع المواجهة الإقليمية.
وتشير المصادر اللبنانية التي تحدثت لـ"عربي بوست" إلى أن باول سيجري لقاءات مع مسؤولين لبنانيين رفيعي المستوى يوم الثلاثاء 9 يونيو/حزيران 2026، على هامش منتدى أوسلو للحوار، للدفع باتجاه ردم الهوة بين الموقفين اللبناني والإسرائيلي.
كشفت مصادر حكومية لبنانية رفيعة مواكبة لما جرى في المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية لـ"عربي بوست" أن الجولة الأخيرة شهدت لحظات توتر حقيقية كادت تؤدي إلى انهيار المحادثات بالكامل. فقد تمسك الوفد اللبناني برئاسة السفير سيمون كرم بـ3 مطالب أساسية:
لكن الجانب الإسرائيلي رفض الالتزام بأي جدول زمني للانسحاب، كما رفض ربط انتشار الجيش اللبناني بانسحاب قواته من الأراضي التي يحتلها حالياً.
وتضيف المصادر أن كرم أبلغ الوسطاء أن لبنان لا يستطيع الدفاع سياسياً عن أي اتفاق لا يتضمن انسحاباً إسرائيلياً واضحاً، قبل أن يلوّح بمغادرة الجلسة نتيجة ما وصفه بـ"التعنت الإسرائيلي"، عندها دخلت واشنطن على الخط بشكل مباشر.
حيث أجرى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو سلسلة اتصالات مع مختلف الأطراف لمنع انهيار المفاوضات، ما أدى في النهاية إلى إنتاج البيان المشترك بصيغته النهائية، والتي وفق المصدر تحفظ عليها رئيس الحكومة نواف سلام بسبب ما وصفه بالعبارات "حمالة الأوجه".
رغم الأجواء الإيجابية التي سادت في الساعات الأولى بعد صدور البيان، فإن هذه الأجواء لم تصمد طويلاً. وبحسب مصادر مطلعة في حزب الله تحدثت لـ"عربي بوست"، رأت قيادة الحزب أن مضمون البيان يتجاوز بكثير فكرة وقف إطلاق النار أو تثبيت التهدئة.
وأكدت المصادر أن الحزب اعتبر أن واشنطن وتل أبيب حاولتا استخدام المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية لإطلاق مسار تدريجي يهدف إلى تفكيك البنية العسكرية والأمنية للحزب وربط مستقبل الجنوب اللبناني بمسألة نزع سلاحه.
إحدى النقاط التي أثارت اعتراض الحزب، تضيف مصادر "عربي بوست"، تمثلت في الحديث داخل المفاوضات عن ترتيبات أمنية تسمح بتنسيق لبناني-إسرائيلي مباشر بشأن آليات ضبط الجنوب ومنع أي نشاط عسكري مستقبلي للحزب.
كما رأت قيادة الحزب أن البيان يعكس محاولة أمريكية واضحة لفصل لبنان عن إيران وإخراج الملف اللبناني من إطار الصراع الإقليمي الأوسع، وهو ما تعتبره طهران والحزب خطاً أحمر لا يمكن القبول به.
الرد الإيراني السريع على البيان لم يكن مجرد موقف إعلامي، فبحسب مصادر دبلوماسية عربية، تلقت قيادات لبنانية، على رأسها رئيس مجلس النواب نبيه بري، رسائل واضحة من طهران تؤكد أن أي تفاهم لا يتضمن انسحاباً إسرائيلياً كاملاً من الأراضي اللبنانية ولا يأخذ في الاعتبار موقع حزب الله ودوره لن يكون قابلاً للحياة.
وترى هذه المصادر الدبلوماسية في تصريحات لـ"عربي بوست" أن الإيرانيين يعتبرون أن الولايات المتحدة تحاول استثمار نتائج الحرب الأخيرة لإعادة هندسة المشهد اللبناني والإقليمي، وهو ما يفسر الدعم الإيراني الفوري لموقف حزب الله الرافض للاتفاق.
بينما كشفت مصادر مقربة من رئيس مجلس النواب نبيه بري لـ"عربي بوست" أن نبيه بري وجد نفسه أمام معادلة معقدة، فمن جهة يدرك أن لبنان يحتاج إلى وقف النار ووقف النزيف الاقتصادي والأمني، ومن جهة أخرى لا يستطيع تجاوز موقف حزب الله أو الذهاب إلى تفاهمات لا تحظى بقبوله.
وتعامل بري بحذر شديد مع نتائج المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، وفضّل عدم إصدار أي موقف متسرع بانتظار اتضاح صورة الموقف النهائي للحزب وللجهات الإقليمية الداعمة له. كما واصل، عبر قنوات قطرية وسعودية ومصرية، محاولة إبقاء باب التفاوض مفتوحاً ومنع انهيار المسار السياسي بالكامل.
في خضم هذه التطورات، وصل الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت في محاولة لإعادة تنشيط الدور الفرنسي. لكن مصادر حكومية لبنانية أكدت لـ"عربي بوست" أن باريس باتت عملياً خارج غرفة القرار الرئيسية في الملف اللبناني.
وأوضحت المصادر أن الإدارة الأمريكية تعمدت حصر المفاوضات بالولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل، مع الاستفادة من أدوار عربية مساندة، وخصوصاً قطر والسعودية ومصر، من دون منح فرنسا موقعاً فعلياً على طاولة التفاوض.
ويعود ذلك، بحسب المصادر، إلى اقتناع واشنطن بأن أي تسوية مستقبلية تحتاج إلى إدارة أمريكية مباشرة بسبب ارتباطها بالملف الإيراني وبالأمن الإسرائيلي أكثر من ارتباطها بالملف اللبناني الداخلي.
وترى المصادر الحكومية والعربية أن الخطأ الأساسي الذي ارتكبه الوسطاء الدوليون في المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية تمثل في الاعتقاد أن المسألة اللبنانية يمكن فصلها عن الصراع الأمريكي-الإيراني.
ففي حين نظرت واشنطن إلى الاتفاق باعتباره خطوة أولى نحو إعادة تشكيل المشهد اللبناني وإخراجه تدريجياً من دائرة النفوذ الإيراني، تعاملت طهران وحزب الله معه باعتباره مشروعاً سياسياً وأمنياً يستهدف بنية "المقاومة" ودورها الإقليمي.
Loading ads...
لهذا السبب، لم يسقط الاتفاق بسبب خلاف تقني حول وقف النار أو الانسحاب الإسرائيلي، بل لأنه اصطدم بالسؤال الأكبر: من يحدد مستقبل لبنان الاستراتيجي في مرحلة ما بعد الحرب، الدولة اللبنانية وحلفاؤها العرب والغربيون، أم حزب الله وإيران؟ وهو سؤال لا يبدو أن الجولة الرابعة من المفاوضات نجحت في الإجابة عنه، بل ربما جعلته أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





