7 أيام
بين المخالفة والإزالة.. كيف تُدار فوضى البناء في اللاذقية؟
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026
لم تعد مخالفات البناء في مدينة اللاذقية تقتصر على إغلاق شرفة أو إضافة مساحة صغيرة خارج حدود الرخصة، بل باتت تشمل إضافة طوابق وتوسعات غير مرخصة، والتجاوز على الوجائب والطرقات والأملاك العامة، في مشهد عمراني تراكم على مدى سنوات، في حين تحاول الجهات المحلية ضبطه بحملات إزالة وتشديد الرقابة.
لكن استمرار المخالفات يطرح أسئلة تتجاوز خرق القانون: لماذا يلجأ أصحاب عقارات إلى البناء من دون ترخيص؟ وهل ترتبط الظاهرة فقط بضعف الرقابة، أم أيضاً بارتفاع أسعار العقارات والإيجارات ووجود مناطق كاملة نشأت خارج التنظيم؟ وهل يستطيع المخطط التنظيمي المعلن حديثاً ونظام ضابطة البناء معالجة أسباب المشكلة، أم سيبقى التعامل معها مقتصراً على ملاحقة المخالفات بعد وقوعها؟
في أحد الأبنية القديمة بحي الرمل الجنوبي في مدينة اللاذقية، تحولت إضافة طابق جديد إلى نموذج مصغر للمشكلة.
يقول أحد سكان البناء، الذي سنشير إليه باسم "أبو وليد"، إن المبنى قديم وتعرض لتشققات عقب زلزال عام 2023، من دون أن يخضع، بحسب علمه، لكشف هندسي لاحق يحدد مدى سلامته، قبل أن يُضاف إليه طابق خلال الأيام الأولى التي أعقبت سقوط النظام السابق، في ظل حالة الارتباك وغياب مؤسسات الدولة.
ولا تتوقف مخاوفه عند الجانب الإنشائي، إذ يقول إن كبل الكهرباء الرئيسي المغذي للمبنى لا يتحمل أحمالاً إضافية، وإنه تعرض خلال الشتاء الماضي للاحتراق والانقطاع أكثر من مرة.
في المقابل، يقدم الشخص الذي نفذ أقاربه الإضافة تفسيراً مختلفاً. فقد طلب عدم الكشف عن اسمه، وقال إن ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات دفعهم إلى إضافة الطابق، لكون شراء منزل حديث داخل المدينة أصبح بعيداً عن قدرتهم المالية.
وبحسب تقديراته الشخصية، يبدأ سعر المتر المربع في بعض الأبنية الحديثة داخل المدينة من نحو 600 دولار على الهيكل، في حين يحتاج الإكساء إلى كلفة إضافية، في حين تصبح كلفة البناء أقل بكثير ضمن مناطق المخالفات. ويشير إلى أن المشكلة في حالتهم تحديداً هي عدم إمكانية الحصول على ترخيص نظامي لوقوع العقار أصلاً ضمن منطقة مخالفات.
ولا تمثل هذه الأرقام متوسطات رسمية للسوق، لكنها توضح واحداً من الدوافع التي يقدمها المخالفون لتفسير البناء خارج التنظيم.
وهكذا يجتمع داخل بناء واحد جانبان من المشكلة: أسرة ترى في المخالفة وسيلة للحصول على مساحة سكنية بكلفة أقل، وسكان آخرون يخشون أن تؤثر الإضافة في سلامة المبنى والخدمات الموجودة فيه.
يؤكد مسؤول في مجلس مدينة اللاذقية، طلب عدم الكشف عن اسمه، أن ملف مخالفات البناء في المدينة يشهد حالياً "فوضى كبيرة"، مشيراً إلى أن قسماً واسعاً من المشكلة يتركز في مناطق المخالفات الجماعية.
ويقول المسؤول لموقع تلفزيون سوريا: "ليس من مصلحة أي شخص أن يبني مخالفة إذا كان بإمكانه الترخيص بالبناء"، معتبراً أن التأخر لسنوات في معالجة مناطق المخالفات الجماعية أسهم في توسعها، ووضع الجهة المحلية في مواجهة مباشرة مع مواطن يبحث في كثير من الحالات عن مسكن أقل كلفة، في ظل ارتفاع أسعار العقارات داخل المدينة.
ويفتح حديث المسؤول الباب أمام جانب أساسي من الملف، إذ إن المشكلة لا تبدأ دائماً عند تنفيذ مخالفة جديدة، بل قد تكون بعض المناطق نفسها قد نشأت وتوسعت خلال سنوات خارج المخطط التنظيمي، ما يجعل قدرة أصحاب العقارات فيها على الحصول على تراخيص نظامية محدودة أساساً.
وفي مثل هذه الحالات، تصبح المعالجة أكثر تعقيداً من إزالة طابق أو فك قوالب بناء، لأنها ترتبط بإعادة تنظيم مناطق كاملة ومنع استمرار توسعها.
شهدت اللاذقية خلال الأشهر الماضية حملات متكررة لضبط مخالفات البناء.
ففي حزيران الماضي، نفذت دائرة البناء والهدم في مجلس المدينة، بالتعاون مع الجهات المعنية، حملة في منطقتي قنينص وبستان الريحان، شملت فك قوالب ومصادرة الحديد ومعدات مستخدمة في تنفيذ مخالفات، مع الإعلان عن استمرار الحملات في بقية مناطق المدينة.
وتوسعت الإجراءات لاحقاً لتشمل الإشغالات والتعديات على الأرصفة والأملاك العامة، ضمن محاولات لإعادة ضبط واقع عمراني تراكم خلال الفترة الماضية.
كما بدأت الجهات المعنية في المحافظة تدقيق بعض رخص البناء الممنوحة سابقاً ومقارنتها بما نُفذ فعلياً على الأرض، وهي خطوة تكشف جانباً آخر من المخالفات، إذ لا يعني الحصول على رخصة أن البناء المنفذ مطابق لها بالضرورة.
فقد تتمثل المخالفة في إضافة طابق غير موجود ضمن الرخصة، أو تجاوز المساحة والارتفاع المسموح بهما، أو التعدي على الوجائب، أو إجراء تعديلات في أثناء التنفيذ تختلف عما جرت الموافقة عليه.
لكن حتى الآن لا تتوفر أرقام رسمية شاملة منشورة توضح عدد مخالفات البناء التي ضُبطت في مدينة اللاذقية خلال عام 2026، وعدد المخالفات التي أزيلت، وتلك التي أُوقفت قبل اكتمالها.
وهذه الأرقام ضرورية للحكم على فعالية الحملات، ومعرفة ما إذا كانت المخالفات تتراجع فعلياً أم أن حملات الإزالة لا تزال تلاحق وتيرة بناء أسرع منها.
يعيد استمرار البناء المخالف ملف الرقابة المحلية إلى الواجهة.
ففي تموز الماضي، كشفت جولة رقابية نفذتها الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش ومحافظة اللاذقية داخل مجلس المدينة عن وجود ترهل إداري وضعف في الأداء وسوء في تنظيم بعض الوثائق وغيابات غير مبررة، وانتهت بإعفاء رئيس المجلس آنذاك وعدد من مديري المديريات، مع توجيهات بالإسراع في معالجة المخالفات.
ولا تعني هذه الوقائع وجود تواطؤ في مخالفات بناء بعينها، لكنها تطرح سؤالاً مباشراً حول آليات الرقابة: كيف تصل مخالفة، وخصوصاً إضافة طابق كامل، إلى مرحلة الصب والاكتمال قبل إيقافها؟
فالسيطرة على المخالفة عند بدايتها أقل تعقيداً وكلفة من التعامل معها بعد اكتمال البناء أو إشغاله بالسكان.
وهنا يرى مسؤول مجلس مدينة اللاذقية الذي تحدث إلى "تلفزيون سوريا" أن أحد مفاتيح الحل يتمثل في "ضبط المخالفة في مهدها"، بدلاً من انتظار اكتمالها ثم اللجوء إلى الإزالة.
يتزامن تشديد حملات الرقابة مع إعادة إعلان المخطط التنظيمي ونظام ضابطة البناء في مدينة اللاذقية.
ففي التاسع من آب 2026، أعلن مجلس المدينة المخطط التنظيمي للمدينة ونظام ضابطة البناء، ومنح أصحاب العلاقة مهلة 30 يوماً لتقديم اعتراضاتهم.
لكن مسؤول مجلس المدينة الذي تحدث لموقع تلفزيون سوريا، يقلل من إمكانية أن يحل الإعلان الحالي مشكلة المخالفات المتراكمة.
ويقول إن المخطط المعلن بصيغته الحالية "لا يمكنه معالجة واقع المخالفات"، موضحاً أنه، بحسب معلوماته، لم يتضمن تعديلات جذرية أو إضافة مناطق تنظيمية جديدة، وإنما أعيد إعلانه بوضعه المعروف سابقاً مع إتاحة المجال أمام أصحاب العلاقة لتقديم الاعتراضات.
وتطرح هذه الإفادة سؤالاً أساسياً: ماذا سيحدث للمناطق التي تمددت عمرانياً خارج التنظيم، إذا لم يواكب المخطط التوسع الذي حدث على الأرض؟
فإذا ظلت مناطق واسعة خارج إمكانية الترخيص النظامي، بينما يستمر الطلب على السكن داخلها، قد تبقى البيئة نفسها التي تنتج المخالفات قائمة حتى مع تشديد حملات الضبط.
لا تتساوى جميع مخالفات البناء من حيث خطورتها، فثمة فارق بين تعديل محدود يمكن بحث إمكانية تسويته، وبين إضافة طابق كامل فوق بناء قائم، أو تعديل عناصر إنشائية من دون دراسة فنية، أو إنشاء بناء يتعدى على طريق أو ملك عام.
ويقول المهندس المدني أسامة طباخ، في إفادة أُعدت للتقرير، إن بعض المخالفات قد تبدو بسيطة من الخارج، لكن إضافة طابق أو تعديل أحد العناصر الإنشائية من دون مراجعة المخططات الأصلية ودراسة قدرة البناء على تحمل الوزن الجديد يمكن أن يؤثرا في سلامته.
وتزداد المخاطر، بحسب طباخ، في الأبنية القديمة أو عند وجود إضافات متعددة، إذ يجب التأكد من قدرة الأساسات والأعمدة والعناصر الحاملة على تحمل الأحمال الجديدة.
كما لا يقتصر أثر المخالفة على المبنى نفسه، إذ تؤدي زيادة عدد الوحدات السكنية بصورة غير محسوبة تنظيمياً إلى زيادة الأحمال على الكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرقات ومواقف السيارات والخدمات العامة.
وهذا ما يظهر في شهادة "أبو وليد"، الذي يربط بين إضافة طابق جديد وبين المشكلات التي بدأت تظهر في شبكة الكهرباء المغذية للبناء.
ينظم المرسوم التشريعي رقم 40 لعام 2012 التعامل مع مخالفات البناء في سوريا، ويحدد أنواع المخالفات والإجراءات والعقوبات المرتبطة بها.
لكن الحكومة تعمل حالياً على مراجعة هذا الإطار القانوني، إذ أعلنت وزارة الإدارة المحلية والبيئة خلال العام الجاري العمل على تصنيف مخالفات البناء ووضع معايير أوضح للتعامل معها، بما يفرق بين المخالفات الممكن تسويتها وتلك التي لا يمكن تسويتها، إلى جانب تعزيز أدوات الرقابة ومنع التوسع العشوائي.
ويمثل هذا التمييز نقطة أساسية في معالجة الملف، لأن التعامل بالطريقة نفسها مع جميع المخالفات قد لا يكون عملياً، خصوصاً مع وجود مناطق مخالفات جماعية تراكمت خلال عقود إلى جانب مخالفات حديثة يمكن إيقافها منذ البداية.
يطرح المسؤول في مجلس مدينة اللاذقية مجموعة خطوات يعتقد أنها يمكن أن تخفف المشكلة على المديين القصير والمتوسط.
ويضع في مقدمتها تطويق مناطق المخالفات الجماعية بمناطق منظمة لمنع استمرار انتشارها، وتشديد الرقابة على أعمال البناء، ومتابعة حركة مواد البناء المستخدمة في الإنشاءات غير النظامية.
كما يدعو إلى التدخل منذ بداية المخالفة والاستفادة من الوسائل التقنية الحديثة، ومنها الطائرات المسيّرة، للكشف عن أعمال البناء الجديدة قبل وصولها إلى مرحلة الاكتمال.
لكن تشديد الرقابة وحده قد لا يكون كافياً إذا بقيت مناطق كاملة غير قابلة للترخيص واستمرت أزمة السكن وارتفاع أسعار العقارات.
وفي المقابل، لا يمكن للضائقة الاقتصادية أن تكون مبرراً لإضافة طوابق غير مدروسة أو التعدي على الأملاك العامة أو تحميل أبنية قديمة وشبكات خدمية أعباء إضافية.
تكشف حالة اللاذقية أن معالجة مخالفات البناء لا تبدأ بالجرافة عند اكتمال الطابق، بل يفترض أن تبدأ قبل وضع قوالبه.
ففي الوقت الذي تنفذ فيه الجهات المحلية حملات إزالة وتشدد الرقابة، تكشف الشهادات من داخل المدينة عن مشكلة أعمق تجمع مناطق غير منظمة وغلاء في أسعار السكن وضعفاً سابقاً في المتابعة وتوسعاً عمرانياً سبق قدرة المخططات على استيعابه.
وبين مواطن يرى في الطابق المخالف حلاً لمشكلة السكن، وجار يخشى أن يتحول إلى خطر فوق منزله، تبقى مسؤولية الجهات المحلية في خلق طريق ثالث: بناء نظامي ممكن، ورقابة تمنع المخالفة قبل اكتمالها.
لذلك يبدو الاختبار الحقيقي للإجراءات الحالية في الأشهر المقبلة ليس في عدد الأبنية التي ستتم إزالتها فقط، وإنما في عدد المخالفات التي لن تتمكن من الارتفاع أساساً.
Loading ads...
فهل تنجح اللاذقية في الانتقال من ملاحقة المخالفة بعد بنائها إلى منع الأسباب التي تسمح بولادتها؟.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

