ما يجري اليوم في قطاع التعليم في الشمال السوري لا يمكن اختزاله في خلل إداري عابر، ولا في ارتباك مؤقت يمكن تبريره بظروف استثنائية. نحن أمام فوضى حقيقية تُدار بها عقول جيل كامل، وكأن الطلاب مجرد حقل تجارب لقرارات مرتجلة لا تستند إلى تخطيط تربوي، ولا إلى رؤية واضحة، ولا حتى إلى الحد الأدنى من الإحساس بالمسؤولية.
بداية العام الدراسي وفوضى المناهج الدراسية
مع بداية العام الدراسي، جرى اعتماد ما يُعرف بـ«منهاج الشمال»، وسار عليه الطلاب قرابة شهر كامل. رتّب المعلمون خططهم، وبدأ الطلاب بالتأقلم مع تسلسل الدروس، وتكوّنت لدى الجميع صورة أولية عن طبيعة العام الدراسي. لكن فجأة، ودون أي تمهيد أو تفسير تربوي مقنع، صدر قرار بالتحول إلى المنهاج السوري، لتدخل المدارس في حالة ارتباك حاد: إعادة شرح من جديد، وتغيير في ترتيب الوحدات، واختلاف في المحتوى، وضياع كبير للوقت والجهد.
ولم تمضِ مدة تُذكر حتى جاء تعميم جديد يطلب العودة إلى منهاج الشمال القديم، هذه المرة بحجة عدم توفر الكتب المدرسية. وخلال أقل من شهرين فقط، وجد الطالب نفسه متنقّلًا بين أكثر من منهاج، وأكثر من كتاب، وأكثر من منطق تعليمي، دون أن يُنجز مادة واحدة بشكل مستقر أو متماسك.
النتيجة المباشرة لهذا التخبط واضحة ولا تحتاج إلى كثير من الشرح: طالب مشتّت، ومعلم مرهق، وعملية تعليمية فاقدة للاتساق. فالتعليم، بطبيعته، يقوم على الاستقرار والتراكم، وعلى خطة واضحة تمتد لعام كامل، لا على قرارات متناقضة تُلغِي ما قبلها وتُربك ما بعدها.
لكن الكارثة الأكبر، والأكثر خطورة، وقعت بحق طلاب الصف التاسع، وهم في مرحلة مفصلية تُحدّد مستقبلهم التعليمي. هؤلاء أمضوا نصف العام الدراسي وهم يستعدون وفق نمط امتحاني معيّن يعتمد على الأسئلة المؤتمتة، ليُفاجَؤوا فجأة، ودون أي إنذار مسبق، بقرار يقضي بأن الامتحانات النهائية ستكون كتابية تقليدية لا مؤتمتة.
وهنا لا نتحدث عن تفصيل تقني بسيط، بل عن تغيير جذري في فلسفة الامتحان وطريقة التحضير له. فالأسئلة المؤتمتة تقوم على التمييز والاختيار وتدريب الذاكرة السريعة، بينما تحتاج الأسئلة الكتابية إلى فهم عميق، وتحليل، وقدرة على الشرح والصياغة وبناء الإجابة. إنها مهارات مختلفة تمامًا، كان من المفترض تدريب الطالب عليها منذ اليوم الأول في العام الدراسي، لا أن يُفاجَأ بها في منتصف الطريق، وكأن نصف عامه الدراسي لا قيمة له.
الريف الحلبي… معلّم مسحوق وتعليم بلا كرامة
وإذا كان الطالب هو الضحية الأولى لهذه الفوضى، فإن المعلم هو الضحية الصامتة الأخرى. فمنذ عام كامل، لا يتجاوز راتب المعلم في الشمال، ولا سيما في الريف الحلبي، 95 دولارًا أمريكيًا.
سؤال بسيط ينبغي أن يُطرح بصدق:
من يستطيع أن يعيش بكرامة براتب لا يبلغ مئة دولار؟
إيجار، وطعام، وتدفئة، ومواصلات، وطبابة… ثم يُطلب من المعلم، فوق كل ذلك، أن يكون صبورًا، متفانيًا، مبتسمًا داخل الصف، وأن يؤدي رسالة التربية والتعليم وكأنه يعيش في ظروف طبيعية ومستقرة.
فرق الرواتب بين المؤسسات التعليمية منذ أكثر من عام
وما يزيد المشهد ظلمًا وتعقيدًا هو التمييز الصارخ في الرواتب بين مناطق الشمال نفسها. فالفارق في الراتب الشهري بين معلم في ريف حلب الشمالي، وآخر في إدلب، أو في مناطق أخرى من سوريا، فارقٌ كليٌّ وجذريٌّ لا يمكن تبريره باختلاف الأعباء أو طبيعة العمل. معلّم واحد، ورسالة واحدة، وجهد واحد، لكن رواتب متفاوتة إلى حدٍّ فاضح، ناهيك عن الفجوة الهائلة بين رواتب المعلمين ورواتب العاملين في بقية الوزارات والمؤسسات الحكومية الأخرى.
الإضراب بعد الوعود
وللأسبوع الثاني على التوالي، تشهد مدارس إدلب وريفها وريف حلب الشمالي إضرابًا كاملًا وشاملًا في ما يُعرف بالمناطق المحررة سابقًا، حيث تجاوز عدد المدارس المضربة 1400 مدرسة حتى الآن. ويجري هذا الإضراب في ظل ضغوط وتهديدات من بعض القائمين على العملية التعليمية، وصلت حدّ التلويح بجلب معلمين وكلاء، بل وإخراج مدير تربية إدلب من إحدى غرف النقاش على تطبيق «واتساب» خلال مطالبته المعلمين بالدوام قسرًا.
المعلم لا يطلب رفاهية، ولا امتيازات، ولا حياة مترفة. هو يطلب الحد الأدنى من العيش الكريم، ليبقى واقفًا أمام طلابه مرفوع الرأس، لا مكسور الحاجة. الإضراب الذي نشهده اليوم ليس ترفًا، ولا هواية، ولا رغبة في تعطيل الدراسة، بل هو صرخة اضطرار بعد أن سُدّت الأبواب، ووسيلة أخيرة حين تُستنفد كل السبل.
من يلوم المعلم، فليجرّب أن يعيش شهرًا واحدًا بهذا الراتب، ثم ليحدّثنا عن الصبر، والتفاني، ورسالة التعليم.
ما يحدث اليوم ظلمٌ تربوي صريح:
ظلم للطالب الذي يدفع ثمن قرارات لم يكن يومًا طرفًا فيها،
وظلم للمعلم الذي يُطلب منه ترميم الفوضى بجهده الفردي،
وظلم لأهالٍ يعيشون قلقًا مضاعفًا على مستقبل أبنائهم.
التعليم ليس ساحة ارتجال، ولا ملفًا ثانويًا يمكن العبث به دون محاسبة. التعليم استثمار في الإنسان، وأي عبث به هو عبث بمستقبل مجتمع كامل.
ما يحتاجه قطاع التعليم اليوم ليس مزيدًا من التعميمات المتناقضة، بل إدارة تربوية رشيدة، ورؤية واضحة، وعدالة في الرواتب، واستقرارًا في المناهج والامتحانات، وقرارات تُتخذ قبل بداية العام الدراسي لا في منتصفه.
فإما أن نُدير التعليم بعقل الدولة والمسؤولية،
Loading ads...
أو نتركه يغرق أكثر في فوضى لا يدفع ثمنها إلا الطلاب…
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





