5 أشهر
كأس الأمم الأفريقية 2025: الأمطار تختبر ملاعب المغرب والتكنولوجيا تحسم رهان الجودة
الجمعة، 26 ديسمبر 2025

شكلت الأمطار الغزيرة التي شهدها المغرب تزامنا مع انطلاق منافسات كأس الأمم الأفريقية 2025 تحديا كبيرا للمنظمين، إذ فرضت نفسها ضيفا غير متوقع على مجريات البطولة. فبينما كانت التوقعات المناخية تشير إلى استمرار زخات الأمطار حتى نهاية دور المجموعات، فوجئ اللاعبون والجماهير على حد سواء بهطول أمطار خلفت سيولا جارفة في العاصمة وغيرها من المدن، رافقت مباريات الأسبوع الأول، وعلى رأسها مباراة الافتتاح بين المغرب وجزر القمر، ثم لقاء تونس وأوغندا وأيضا مواجهة مصر وزيمبابوي بملعب أدرار في مدينة أكادير. جماهير جزائرية ومغربية تحتفي معا بأجواء الكرة الأفريقية رغم فتور العلاقات الرسمية هذه الأمطار الاستثنائية تأتي في بلد عانى خلال السنوات الأخيرة من فترات جفاف طويلة، ما جعلها في الوقت ذاته مصدر ارتياح بيئي فلاحي من جهة، وقلق تنظيمي رياضي من جهة أخرى. فبينما رحّب المغاربة بـ"غيث السماء"، خشي المتابعون من أن يؤثر ذلك سلبا على جودة الملاعب وتجربة الجماهير التي حضرت بأعداد معتبرة لمتابعة العرس القاري. غير أن المفاجأة كانت سارة، فقد صمدت الملاعب، وأجريت المباريات دون انقطاع، وتواصل اللعب بشكل طبيعي فوق المستطيل الأخضر. ملعب الأمير مولاي عبد الله… منشأة تعكس تحولا بنيويا في سياق الحديث عن هذا النجاح كما وصفه مراقبون، برز ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، الذي احتضن مباراة الافتتاح بعد إعادة افتتاحه في شهر سبتمبر / أيلول الماضي، كأحد أبرز رموز التحول البنيوي الذي شهدته كرة القدم المغربية والمجال الرياضي عموما بالمغرب استعدادا "لكأس الأمم الأفريقية 2025". الملعب، الذي يُعد الأول من نوعه في أفريقيا، تم تزويده بتقنية SubAir، وقد أبرز عمليا قدرات هذه التكنولوجيا المتقدمة في مواجهة الظروف المناخية القاسية. فخلافا لما حدث خلال كأس العالم للأندية 2014، حين عانت نفس المنشأة — قبل تجديدها — من برك مائية ضخمة أفسدت عدة مباريات وأبطأت حركة الكرة، اختفى هذا المشهد تماما في الحدث الرياضي القاري الجاري. إذ تم الاستغناء نهائيا عن الحلول التقليدية، لصالح حل هندسي ذكي وحديث. ما هي تقنية SubAir؟ تعد تقنية SubAir نظاما متطورا يُركَّب أسفل أرضية الملعب، ويتكون من وحدات بلاستيكية متشابكة، تعمل على تصريف مياه الأمطار بسرعة كبيرة، وتخزين المياه وتصفيتها، وتهوية الجذور، وتنظيم درجة حرارة العشب، وأيضا الحفاظ على صلابة الأرضية وقابليتها للعب فوقها. هذا النظام يستطيع استيعاب ما بين 600 ألف و1,120,000 لتر من المياه، وهو ما يفسّر غياب أي تجمعات مائية رغم هطول الأمطار لساعات متواصلة. تسمح هذه التكنولوجيا بالتحكم في حالة العشب في الزمن الحقيقي، ما يجعل أرضية الملعب قابلة للعب حتى في أقسى الظروف المناخية. كما أن اعتماد "العشب الهجين (Hybrid Grass) الذي يمزج بين الألياف الاصطناعية والعشب الطبيعي، منح الأرضية صلابة وقدرة على تحمل الضغط الميكانيكي للمباريات المتتالية دون تضرر الجذور، مع ضمان تصريف مائي عمودي مباشر نحو شبكة معقدة من الأنابيب تحت الأرضية المصممة وفقا لمعايير الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا".
Loading ads...
"جهاز عصبي ذكي" في العمق التقني، ما لا يظهر للعين في ملعب الأمير مولاي عبد الله هو منظومة هندسية تعمل "كجهاز عصبي" تحت الأرضية، حيث لا يكتفي النظام المتطور المُعتمد بسحب مياه الأمطار، بل يدير البيئة البيولوجية للعشب بشكل نشط وديناميكي؛ إذ يعتمد على مبدأ الضغط السلبي لخلق شفط صناعي يسرّع نزول المياه عموديا من منطقة الجذور بدل انتظار الجاذبية، مع قدرة على حقن الأكسجين بعمق داخل التربة لتفادي اختناق الجذور بعد التشبع المائي، وهو عامل حاسم في الحفاظ على حيوية العشب خلال المباريات المتقاربة. هذه المنظومة مدعومة بشبكة مجسات ذكية تقيس في الزمن الحقيقي رطوبة التربة وحرارتها ومستويات الأكسجين والملوحة، وتضبط تلقائيا عمل المضخات والصمامات دون تدخل بشري مباشر، ما يجعل الأرضية قابلة للتكيّف الفوري مع تغيرات الطقس. إضافة إلى ذلك، تسمح البنية التحتية للنظام بتخزين المياه تحت الملعب وإعادة توجيهها لاحقا للري، في نموذج يجمع بين الأداء التقني العالي والاستدامة البيئية. هذه المقاربة، المعتمدة في نخبة الملاعب العالمية، لا تحمي فقط سطح اللعب من التلف، بل تطيل العمر الافتراضي للعشب، تقلل الإصلاحات الطارئة، وتضمن ثبات الخصائص التقنية للأرضية مهما بلغت قسوة الظروف المناخية. مستوى جودة مضمون خلال مباراة الافتتاح بين المغرب وجزر القمر، ورغم الأمطار التي بلغت مستويات كبيرة، بقيت الأرضية قابلة للعب بشكل ممتاز، ورغم أن العشب كان زلقا في بعض اللحظات، إلا أن أي برك مائية لم تظهر، كما لم يسجل أي ارتباك في نسق اللعب. الأمر ذاته تكرر خلال مباراة تونس وأوغندا، التي أُقيمت في الملعب الأولمبي بالرباط، وهو ملعب أقل حداثة ولا يتوفر على نظام SubAir. ورغم ذلك، وبعد ثلاث ساعات من الأمطار الغزيرة، حافظت الأرضية على مستوى جيّد. المدرب التونسي سامي الطرابلسي، الذي قاد منتخب بلاده للفوز 3-1 على أوغندا، عبّر صراحة عن إعجابه الكبير بما شاهده، قائلا "اليوم، وبعد ثلاث ساعات من الأمطار الغزيرة، بقيت أرضية الملعب في حالة جيدة جدا. شكرا للمغرب، لقد سمح لنا ذلك بلعب كرة القدم كما نعرفها". هذا التصريح جزء من إشادة واسعة من قبل جماهير ونقاد رياضيين، اعتبروا أن ما حدث يعكس مدى "التحسن الشامل في البنية التحتية الرياضية المغربية" حتى خارج الملاعب الأحدث. في هذا السياق، عبر حاتم الطرابلسي نجم فريق أياكس أمستردام عن إعجابه بكفاءة أرضية الملاعب المذكورة وقال "يجب أن نفخر بالمغرب". مسؤول عن منظومة الجودة بالشركة المشرفة على إنجاز وإدارة عدد من الملاعب المغربية، من بينها ملعب مولاي عبد الله، أوضح لفرانس24، أن أرضيات الملاعب التي تحتضن مباريات البطولة "خضعت لمسار تقني صارم يضع جودة العشب في صلب أولوياته، باعتبارها عنصرا حاسما في سلامة اللاعبين وجودة الأداء الرياضي". وأوضح المتحدث أن "التحضير لملاعب البطولة لم يقتصر على الجانب الجمالي أو السطحي للعشب، بل شمل البنية التحتية للأرضيات، من خلال اعتماد أنظمة متقدمة للعزل والتصريف تضمن امتصاص مياه الأمطار بسرعة ومنع تشبع التربة، حتى في الظروف المناخية الصعبة". وأضاف أن العشب الطبيعي بالملاعب، وعلى رأسها ملعب الأمير مولاي عبد الله، "يستند إلى تركيبة تقنية متعددة الطبقات، تجمع بين الرمل والحصى ومواد ترشيح دقيقة، مرفقة بشبكة تصريف عالية السعة، ما يسمح بالحفاظ على توازن الرطوبة ويمنع تكون البرك المائية أو الانزلاقات الخطيرة". وفي السياق ذاته، شدد المسؤول على أن "اختبارات ما قبل المنافسات كانت مكثفة ومتعددة السيناريوهات، حيث جرى محاكاة حالات هطول أمطار غزيرة، واستعمال أرضية الملعب بشكل متكرر، للتأكد من جاهزيتها من حيث المتانة، والاستجابة، وسلامة العزل". وأشار إلى أن تتبع جودة العشب "لا يتم بشكل ظرفي، بل يخضع لمراقبة يومية تشمل قياس مستوى الرطوبة، تماسك التربة، واستقرار الطبقات السفلية، إلى جانب صيانة وقائية مستمرة تسمح بالتدخل المبكر عند أي خلل محتمل". وبحسب المسؤول ذاته، فإن الرهان "لا يتعلق فقط بإنجاح المباريات، بل بضمان استدامة المنشآت الرياضية واحترام المعايير الدولية المعمول بها، بما يحقق راحة اللاعبين والجماهير ويعكس صورة تنظيمية تليق بالمغرب باعتباره بلدا منظما لتظاهرات كبرى". عنصر حاسم في عدالة المنافسة على الصعيد العالمي، تُعد هذه التكنولوجيا خيارا معتمدا في أرقى الملاعب وأكبر المنافسات، حيث لم تعد جودة العشب مسألة جمالية فقط بل عنصرا حاسما في عدالة المنافسة وسلامة اللاعبين. فقد جرى اعتمادها في ملاعب تستضيف بطولات كبرى مثل الدوري الأمريكي لكرة القدم (NFL) ودوري البيسبول (MLB)، إضافة إلى ملاعب أوروبية احتضنت مباريات في دوري أبطال أوروبا ونهائيات كؤوس محلية وقارية، خصوصا في إنكلترا وألمانيا وهولندا. كما تم اختيارها ضمن تجهيزات عدد من الملاعب المرشحة أو المعتمدة لاحتضان كأس العالم 2026، حيث تشترط الاتحادات الدولية أرضيات قادرة على الحفاظ على نفس الخصائص التقنية على الرغْم من اختلاف المناخ وكثافة المباريات. هذه التجارب العالمية أثبتت أن التحكم النشط في بنية التربة تحت العشب أصبح معيارا جديدا في تنظيم المنافسات الكبرى، لأنه يضمن استمرارية اللعب، ويقلص هامش المفاجآت المناخية، ويمنح اللاعبين ظروفا متكافئة بغضّ النظر عن الأمطار أو أي إكراهات مشابهة، وهو ما يضع الملاعب التي تعتمد هذه الأنظمة ضمن نخبة البنى التحتية الرياضية عالميا. حمزة حبحوب
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




