هل مطلوب مني أن أغيّر العالم؟ لا بد من أنك اصطدمت بهذا السؤال الصعب من قبل.
المشكلة أن الجواب أصعب من السؤال. في الحقيقة، نعم، مطلوب منك أن تغير العالم، وهذه مسألة لا تقبل النقاش، لكن الجانب اللين من هذه الحقيقة يتعلق بكيف يمكن لشخص عادي أن يغير العالم؟
هناك ظاهرة سلوكية نفسية، تسمى Moral Fatigue أو الإنهاك القيمي، هو حالة من الإجهاد العاطفي والنفسي التي قد تنشأ من التعرض المستمر لمشكلات أخلاقية معقدة أو ذات عواقب وخيمة، مثل غياب العدل في هذا العالم.
في الواقع، إن العالم منشغل بالحروب وتنافس التسلح وصراع النفوذ والثروات والموارد، بينما أغلب الشعوب تعاني الفقر والجوع والأمراض أو الإحباط والأزمات النفسية أو تخمة التفوق عند بعض الأمم وتداعياتها الثقافية التي تؤدي بالمحصلة إلى أزمات سلوكية تؤذيهم وتؤذي غيرهم.
يؤدي الإنهاك القيمي شيئاً فشيئاً إلى خدر أو انخفاض في قدرتك على اتخاذ القرارات الأخلاقية، وشعور بالعجز عن التصرف وفقاً لمنظومتك القيمية التي شكلتها تربيتك ومبادئك وعادات مجتمعك أو دينك إن كنت متديناً.
تتزامن اللحظة الأقسى في هذا الإنهاك مع حدث كبير لا يمكن إغماض العين عنه وتجاهله، ولعلك مررت بها خلال الحرب على غزة، فهي لحظة تكتشف فيها حالة من الشلل تسيطر عليك: قلبك يشعر بمسؤولية تجاه تصحيح الأخطاء ورفع الظلم، وعقلك يصدر الأمر للتحرك، لكنك تكتشف أنك لا تستطيع فعل أي شيء، لذلك تختار الانسحاب والابتعاد عن متابعة الأخبار حتى تتخلص من عبء الشعور بالذنب.
هذه صورة مكبرة عن الإنهاك القيمي، التفاصيل فيها واضحة: ضحايا أبرياء، ومجرم متغطرس، وصمت مزلزل، والكارثة مستمرة، وأنت لا تستطيع أن تأتي بأي حركة وكأنك مشلول.
لكن أزمة الإنهاك القيمي، ليست مقتصرة على المسائل الكبيرة، لأنها موجودة في دقائق حياتك وتفاصيلها، وقد تكون بالتالي ارتداداتها بسيطة، لكن تراكمها قد يؤدي إلى شعور الإنهاك ذاته في نهاية المطاف.
هل يمكن للإنسان الذي يقف مشلولاً أمام مبادئه أن يكون قادراً على تغيير العالم؟ الإجابة نعم، ولكن السؤال كيف؟
"عالم الشر" عبارة عن ماكينة هائلة، تعمل على مدار 24 ساعة، تتكون من عدة تروس، كبير ومتوسط وصغير وأصغر، كلها مربوطة على نظام دقيق، ومشدودة بحزام يضمن تدوير الحركة وإعادتها، وفي الماكينة مِروَد أو "برغي" صغير يربط الترس الكبير بالترس الأصغر، هذا "البرغي" غير مسؤول عن التقطيع ولا عن السحق، ولو سُئل عن وظيفته، وقُيّض له أن يرد، سيقول: "أنا مجرد "برغي" صغير في ماكينة ضخمة، وظيفتي لا تعدو تثبيت الترسين".
لكن تخيلوا معي أن "البرغي" الذي يتكلم، يستطيع التفكير أيضاً، ويملك حرية الحركة، ويملك قرار مغادرة الثقب الموكل إليه ملؤه، عندها كل الماكينة ستتعطل.
بينما لو ظل في مكانه، ستستمر الماكينة في إنتاج النسق ذاته من الحركة، ومن نتاجها أيضاً.
أنت وأنا عبارة عن "براغي" في هذه الماكينة.
و"البرغي" كي لا نظلمه، لا يرى المنتج النهائي، لا يسمع الأصوات، ولا يشعر بالاحتكاك، ولا يعاني من الحرارة، ولا يعرف أصلاً إن كان المنتَج النهائي مفيداً أم ضاراً، والأخطر أن الماكينة لا تطلب منه أن يفهم، بالعكس، تفعل المستحيل حتى لا يفهم شيئاً سوى أن وظيفته ربط الترسين فقط.
بلغة واقعية أكثر: العالم لا يطلب منك أن تكون شريراً، بل أن تكون صامتاً. ألا تسأل، وألا توسّع زاويتك، وأن تلتزم بدورك الصغير.
هذا الإطار البنيوي، سمّاه عالِم الاجتماع النرويجي يوهان غالتونغ بالعنف البنيوي، في إشارة إلى الأذى الممنهج غير المباشر الذي تمارسه الهياكل الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية بمنع الأفراد من تلبية احتياجاتهم الأساسية، وهو بحسب وصف غالتونغ "عنف بطيء" وغير مرئي، يكرس التمييز والظلم، وخطورته بالمقارنة مع العنف المباشر تكمن في أنه مستمر وثابت.
السؤال عن وظيفتك في تغيير العالم، شغل بال كثير من العلماء، ومنهم من وضع للمفهوم إطاراً وسمّاه "تفاهة الشر"، فكيف يمكن للشر أن يكون تافهاً؟
هناك العديد من المفكرين من مدارس مختلفة، التقوا عند هذا السؤال، وطوروه وأصبح: كيف يصبح الظلم ممكناً حين يتوزع على أدوار صغيرة؟
انتقدت المفكرة الألمانية اليهودية، حنّة آرنت، محاكمة موظف في الحكومة النازية اسمه أدولف أيخمان، كان مسؤولاً عن ترحيل اليهود الألمان، وأعدمته إسرائيل عام 1962.
آرنت رأت أن آيخمان ليس وحشاً إنما مجرد موظف عادي ينفذ الأوامر دون أن يرى النتائج، لذلك فإن الشر لم يكن نابعاً لديه من نية الجريمة، بل من "توقف التفكير الأخلاقي"، بحسب وصفها.
أما الكندي ألبرت باندورا، فأطلق مفهوماً سمّاه Moral disengagement أي الانفصال الأخلاقي. وبيّن أهم العوامل التي تفصل الشخص الذي يقوم بعمل ما عن النتائج النهائية، وتالياً عن الشعور بالذنب، فقال إن أشهر الطرائق المتبعة، هي إعادة التسمية.
ويمكن شرح إعادة التسمية بحسب نظرية باندورا بالأمثلة التالية: فيقال عملية عسكرية بدلاً من قصف مدينة، أو حصار بدل جريمة عقاب جماعي وتجويع، أما الطريقة الثانية فهي توزيع المسؤولية، أي تصغير الأدوار بما يلغي الشعور بالذنب، والطريقة الثالثة ًهي نزع إنسانية الضحية، هكذا يصبح الأطفال والنساء مجرد خسائر هامشية ويصبح التجويع مجرد حصار.
إذاً، كيف تغيّر العالم أيها الإنسان العادي؟
دقّق في الدور الذي تضطلع به، ضع كل فعل في الميزان الأخلاقي، كبّر الصورة، أسقط موقفك في القضايا الصغيرة على القضايا الكبيرة، واقرأ النتيجة، سوف تتوقف عن صناعة الشرور التافهة، فالشر يصبح تافهاً عندما لا يدرك مرتكبوه أنه شر، عندما تقول في نفسك: إن هذا الخطأ بسيط بما لا يستحق التوقف عنده أو الندم على ارتكابه، فهنا يبدأ الانهيار.
Loading ads...
بلغة أبلغ، عندما يصبح دورك في منظومة الشر صغيراً جداً لدرجة لا يمكنك معها أن تراه بالعين، وفي هذه اللحظة تماماً يصبح واجبك أن تراه بقلبك. إنها القلوب، إذا صفت رأت.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






