6 أشهر
"مغترب ويعيد".. لماذا يشعر بعض السوريين العائدين من مصر بالغربة في بلادهم؟
الإثنين، 24 نوفمبر 2025
حين يتحدث السوريون في مصر عن "الرجعة"، فإن الصورة التي يرسمونها تشبه فيلماً رومانسياً عن اللقاءات الحارة، والبيوت التي تفتح أبوابها، والذكريات التي تستيقظ.
لكن الواقع الذي يواجهه كثير من العائدين بعد سنوات الاغتراب مختلف تماماً، فهم يعودون إلى بلد تغير، ومجتمع تبدل، وإلى أنفس لم تعد تشبه نسخهم القديمة.
العودة بالنسبة لعدد من السوريين ليست نهاية الغربة، بل بداية غربة جديدة، حيث تتحول إلى غربة داخل المكان الذي يعد الأقرب لهم، غربة مع الأهل، والشارع، وأمام الذات.
سنوات مصر شكلت هوية جديدة
مصر ليست فقط بلداً قريباً من سوريا، بل بلداً يكوّن "شخصاً جديداً" في داخلك، الإيقاع السريع، الناس الكثيرة، العلاقات المفتوحة، ثقافة العمل الممتدة حتى الفجر، إمكانية البدء من الصفر بدون أن يسأل أحد عن ماضيك، كل ذلك يصنع نسخة مختلفة من الإنسان.
ريم مصطفى (33 عاماً) ـ سورية عاشت في الإسكندرية عشر سنوات ـ تقول: "مصر صنعت مني إنسانة جديدة، كنت فتاة صغيرة خجولة، تعلمت فيها كيف أعتمد على نفسي، وكيف أعمل وأجتهد، عندما عدت شعرت أن كل ما تعلمت غير مرحب به هنا، كأنهم يجدون أني غريبة عنهم".
ريم ليست وحدها، كثير من السوريين العائدين يقولون أنهم جاءوا "بنسخة لا يعرفها أحد"، وإن بلدهم يستقبلهم بصور غيرهم، لا بما أصبحوا عليه.
عندما يتغير البيت أكثر من البلاد
المشهد الأكثر تكراراً في شهادات العائدين هو لحظة دخول البيت بعد الغياب الطويل، البيت الذي كانوا يعرفونه – برائحته، بصوره، بذكرياته - لا يشبه النسخة الحالية منه، بتغير الناس، تتغير البيوت.
يقول علاء (37 عاما)، الذي عاد بعد 10 سنوات من القاهرة، أمي هي أمي نفسها، لكني أنا لم أعد نفس الابن، هم يريدون ابنهم الذي غادر عام 2012، وأنا الآن أصبحت رجلاً آخر، عشت وحيداً لسنوات، أشعر بأني زائر مرحب به، وليس ابن البيت.
صدمة اللحظة الأولى: بلد أعرفه.. لكنه لا يعرفني
يتحدث سوريون عادوا من مصر عن لحظة غريبة يعيشونها فور وصولهم: الأماكن مألوفة، لكن الشعور غريب، الشوارع كما هي، لكن الأرواح التي فيها مختلفة.
إيمان خالد (38 عاما) التي عادت بعد 9 سنوات في القاهرة تقول: "نفس الشارع، ونفس البيت، وعلى الرغم من شوقي شعرت أني غريبة، أشعر بالحنين لمصر، ولكل شيء عشته فيها، روحي تعودت على ألفتها وأجوائها، أخاف أن أشعر بالغربة مرة أخرى في المكان الذي لطالما شعرت بالحنين إليه".
الشوارع التي كانت بيتاً صارت" ذاكرة" فقط، الحرب والتغييرات الاجتماعية غيرت الحياة السورية، فمحلات أغلقت، أصدقاء سافروا أو تغيروا، إيقاع الحياة صار أثقل، العلاقات الاجتماعية أكثر توتراً.
كثير من العائدين يشعرون بأنهم يسيرون في ذكرياتهم، لا في مكانهم الذي سيعيشون به مستقبلاً، حيث يمشون في أماكن يعرفونها، لكنهم لا يعرفون الحياة التي أصبحت تسكنها.
غربة مع الأصدقاء: ذكريات تشبه شخصاً آخر
عندما عدت التقيت بأصحابي القدامى، شعرت أني أتحدث مع ناس أعرف صورهم فقط، لا أعرف شخصياتهم، يقول فادي الجراح (30 عاماً) الذي عاش في حي مدينة نصر في القاهرة.
يضيف: "كل واحد منهم لديه قصة مؤلمة، تجربة قاسية، عمل مرهق، حرب، سفر.. أنا أيضاً تغيرت، واكتشفنا أن الذكريات التي بيننا أكبر من الواقع الذي يجب أن نبنيه اليوم، حيث أن كثيراً من العلاقات تنهار، ليس بسبب الخلاف، بل بسبب اختلاف المسارات".
الهوية المعلقة بين مصر وسوريا، إلى ماذا أنتمي؟
هذه واحدة من أعمق المشاعر التي يتحدث عنها العائدون، فالعائد من مصر يشعر أنه "ليس سورياً تماماً كما كان"، لكنه بالتأكيد "ليس مصرياً"، رغم قربه الشديد من المجتمع هناك.
تصف رباح يحيى، باحثة اجتماعية، هذا الشعور بأنه، هوية وسطية تتشكل عند المغترب العائد،
نسخة ثالثة لا تشبه البلدين بالكامل.
بعض العائدين يلاحظ عليهم الأهل نبرة مصرية خفيفة في الكلام، في البداية يكون الأمر مزحة، ثم يتحول إلى شعور داخلي بالغربة.
تقول دانا موصللي (25 عاماً): "كنت أمزح بلكنة مصرية دون قصد، الجميع ضحك على لهجتي، ولكن هذه اللهجة هي جزء من شخصيتي وحديثي لسنوات كثيرة، لا يمكن أن أبتعد عنها".
الأغرب أن أغلب العائدين يعترفون أن الحنين لمصر ليس بالضرورة حنيناً للبلد، بل لأنفسهم هناك، في مصر كانوا "يعملون ويعيشون" ومرتبطين بأصدقاء يشاركونهم الغربة، يعيشون استقلاليتهم، ويصنعون مستقبلهم.
رغم صعوبة العودة، يذكر السوريون بعض الطرق التي ساعدتهم على التأقلم، وكان أبرزها، خلق صداقات جديدة بدل محاولة إحياء القديمة، وممارسة العمل الذي أتقنوه في مصر، وإعطاء أنفسهم وقتاً طويلاً للتأقلم، وقبول التغيير في البلد والنفس، والحفاظ على علاقاتهم بأصدقائهم في مصر عبر الإنترنت.
السوري الذي عاش في مصر وعاد إلى سوريا يحمل بلدين في داخله، يحمل لهجتين، وثقافتين، وذكريات متناقضة، العودة ليست سهلة، لأنها ليست فعلاً جغرافياً بل نفسياً، فالغربة في النهاية ليست مكاناً، بل حالة داخلية، تلتصق بالإنسان أينما ذهب.
Loading ads...
والسؤال الذي يبقى: هل يعود الإنسان كما ذهب؟ أم السفر يترك داخله وطناً جديداً لا يستطيع التخلي عنه؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

