يعتقد البعض أنّ الثورات هي لحظة قطيعة حاسمة مع الماضي، بينما تشير الوقائع إلى أنها بداية مرحلة معقّدة وطويلة من الصراع على إعادة تشكيل المجتمع، لذلك، فالصعوبة في التغيير التي يلاحظها الكثير من السوريين ليست استثناء، بل هي القاعدة تقريبا.
صحيح أن المجتمعات لا تختار الأنظمة الاستبدادية عن طيب خاطر، لكنها تتكيف معها حتى يصبح الاستبداد جزءا من بنيتها. لذلك، فأي محاولة للفكاك تصطدم بالآثار المتجذرة لحكم الاستبداد.
هناك فرق بين التصورات والواقع، فغالباً ما تتفاجأ الجماهير أو حتى النخب ورجال الدولة الجدد أن ما كان متوقعاً قبل انتصار الثورة لم يعد ممكناً على أرض الواقع، فالمجتمعات لا تبدأ من الصفر وإنما تبني انطلاقاً مما هو لديها، فالماضي لا يختفي، بل يقيّد الحاضر ويحدد حدود الممكن في المستقبل، بمعنى أن القرارات والمؤسسات والعادات التي تشكّلت في السابق تخلق مسارا يصبح من الصعب الخروج عنه لاحقا، حتى لو تغيّرت الظروف.
قد يستغرب المرء من شخص ينتقد الفساد المستشري في مؤسسات الدولة في جلسة ما، ومن ثم في جلسة أخرى يعبر عن غضبه وامتعاضه من موظف رفض تقبل الرشوة منه لتمرير مخالفة ما..
عندما يسلك مجتمع أو دولة طريقا معينا سياسيا كان أم اقتصاديا أم إداريا؛ تتراكم حول هذا السلوك مؤسسات، وشبكات مصالح، وشبكات نفوذ، وعادات وسلوكيات، هذه التراكمات تجعل تغيير المسار مكلفا ومعقّدا، لأن التغيير هنا لا يرتبط بتغيير بعض القرارات، وإنما بتغيير منظومة كاملة، يتوافق هذا التعقيد مع ميل معرفي لدى الأفراد برفض التغيير والتمسك بالوضع القائم، وهذا ما يسمى في العلوم الاجتماعية بانحياز الاستمرارية.
يمتد تأثير انحياز الاستمرارية حتى يصل إلى التمسك بآفات اجتماعية مدمرة، فعلى سبيل المثال: عندما يتجذّر الفساد زمنا طويلا في مجتمع ما؛ يتحوّل من سلوك منحرف إلى قاعدة غير مكتوبة تنظّم الحياة اليومية للمجتمع.
لذلك قد يستغرب المرء من شخص ينتقد الفساد المستشري في مؤسسات الدولة في جلسة ما، ومن ثم في جلسة أخرى يعبر عن غضبه وامتعاضه من موظف رفض تقبل الرشوة منه لتمرير مخالفة ما، أو تراه ينتقد صديقا في موقع المسؤولية اعتذر عن تقديم خدمة له خارج إطار القانون.
يحيلنا المثال السابق إلى ظاهرة الازدواجية الأخلاقية لدى الشعوب المقهورة،
ويقصد بالازدواجية الأخلاقية أن يمتلك الفرد نظامين من القيم والسلوك؛ أحدهما خاص يستخدم في المنزل ومع المقربين، وآخر عام يستخدم في العمل
وفي الأماكن العامة، ففي البيت ينتقد السلطة ويسخر من سلوكها وخطابها، وفي
العلن يظهر تأييدا ومديحا، وفي أكثر الأحوال جرأة يمتثل الصمت، وهذا ليس نفاقا تقليديا، وليس عيبا أخلاقيا، بل هو استجابة عقلانية لبيئة غير
عقلانية، وهو آلية تكيف وبقاء.
إن المشكلة في مثل هذه الحالة أن ما يبدأ كأداة بقاء يتحول مع الزمن إلى قيد يمنع التغيير، ولعل المفارقة السورية المؤلمة أن الازدواجية، التي حمت الناس من القمع، أصبحت فيما بعد سقوط النظام عائقا أمام تشكيل ثقة عامة، وأضعفت القدرة على التغيير الجماعي، فالعمل الجماعي -عادة- يحتاج إلى الثقة والوضوح والالتزام، وهذا لا يتوفر لدى مجتمع تجذرت لديه الازدواجية الأخلاقية، حيث لا يثق الأفراد ببعضهم، وحيث لا أحد يعرف النوايا الحقيقية للآخرين.
يقال إن الثورات تفشل عندما تحاول بناء المستقبل بأدوات الماضي، فالفساد الثقافي الموروث عن عهد الاستبداد يجعل الثورة لحظة هدم بلا قدرة على البناء، وهكذا؛ فعندما يعيش مجتمع ما لفترة طويلة تحت الاستبداد، فإنّ قيما مثل الخوف وعدم الثقة والاتكالية والانقسام تصبح جزءا من السلوك اليومي وجزءا من ثقافة المجتمع، ويصبح تغيير هذه الثقافة أصعب بكثير من تغيير السلطة السياسية، لأنه يتطلب وقتا وأجيالا، ففي مثل هذه الحالات ينظر أفراد المجتمع إلى الإصلاح على أنه تهديد لتوازن البقاء رغم أنهم يصرحون بغير ذلك.
ينظر الكثير من المحللين إلى الاقتصاد كعامل حاسم في إنتاج التغيير، فالاقتصاد المزدهر يسهل على الحكومة مهمة مكافحة الفساد، ويسهل عليها تفكيك المنظومة الأخلاقية والقيمية التي استوطنت في ثقافة المجتمع.
وعلى الطرف المقابل؛ غالبا ما يكون الضعف الاقتصادي عاملا حاسما في فشل الحكومات الانتقالية، فمن ناحية أولى تعتمد الحكومات الانتقالية على شرعية مؤقتة قائمة على الأمل، وعندما يتدهور الاقتصاد، يتحول هذا الأمل إلى إحباط سريع، ويبدأ المواطن بمقارنة مستوى أداء الحكومة؛ بالماضي تارة، وبتوقعاته المرتفعة تارة أخرى.
الحرب الطويلة في سوريا أدّت إلى هجرة الكثير من رؤوس الأموال، وعندما سقط النظام البائد توقفت الكثير من الأنشطة الاقتصادية التي كانت تعمل ضمن البيئة السائدة في عهد النظام البائد..
ومن ناحية ثانية، يقيد الاقتصاد الضعيف خيارات الحكومة، فهي لا تستطيع زيادة الإنفاق لتحسين الخدمات، ولا تستطيع فرض ضرائب من دون إثارة غضب شعبي، فتعتمد على مساعدات خارجية مشروطة، وهذا يجعل القرار السياسي تابعا للضرورة وليس للرؤية، فتبدو الحكومة عاجزة أو متخبطة. إضافة إلى ذلك؛ يؤدي الفشل الاقتصادي إلى تفكك التحالفات الاجتماعية التي تحاول السلطة بناءها، وتبدأ كل فئة بالدفاع عن مصالحها الضيقة، وتزداد الصراعات على الموارد المحدودة، وتظهر الانقسامات المناطقية أو الطائفية.
أدت الحرب الطويلة في سوريا إلى هجرة الكثير من رؤوس الأموال، وعندما سقط النظام البائد توقفت الكثير من الأنشطة الاقتصادية التي كانت تعمل ضمن البيئة السائدة في عهد النظام البائد، كل هذا دفع الحكومة إلى التواصل مع الفعاليات الاقتصادية، سواء التي هاجرت أم التي تعايشت مع الوضع السابق، على أمل إعادة الحيوية للاقتصاد السوري ودفعه نحو الأمام، لكنها اصطدمت بمطالب واشتراطات تتمحور حول بعض المزايا، التي كانت تحصل عليها في العهد السابق، وعلى هذا المنوال يُلاحظ أن انحياز الاستمرارية يفعل فعله عند كل محاولة للتغيير، وفي كل المجالات.
Loading ads...
يفسّر انحياز لماذا تفشل محاولات الإصلاح السريع، ولماذا تعود أنماط الحكم القديمة بأشكال جديدة، ولماذا لا يمكن استيراد نموذج ناجح من دولة أخرى بسهولة، ولكن هذا لا يعني أن التغيير مستحيل، وإنما يجب أن يكون تدريجيا أكثر مما نتوقع، ويتطلب كسر المسار القديم عبر صدمات كبيرة أو إصلاحات عميقة ومتراكمة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه



