تمرّ سوريا اليوم بلحظة تاريخية فارقة لا يمكن اختزالها في معادلات السياسة أو خطط الاقتصاد؛ لأنها تتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق حول كيفية إعادة ترميم الإنسان بعد سنوات من التمزق، ومداواة الوجدان الذي أُنهك بالاستقطاب والخوف وفقدان الثقة، والتمزق الاجتماعي الذي يجعل الجار خصماً لجاره، مع أنه ابن دينه ووطنه، ويخلق بيئة خصبة لتجنيد الشباب في مشاريع متطرفة وأخرى مضادة، ويشوّه صورة الدين.
ومن ثمّ انبثق ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي في المؤتمر الأول الذي عقدته وزارة الأوقاف في دمشق بوصفه ضرورة وطنية ملحّة في هذه المرحلة، وميثاقاً جامعاً يحمي المجتمع من الانزلاق مجدداً إلى دوامات الصراع بين الإخوة والجدل العقيم الذي يؤججه، ويعيد للخطاب وظيفته الأصيلة في الهداية والبناء لا التحريض والهدم.
ذلك أن الأزمة السورية كانت، في أحد وجوهها، أزمة خطاب؛ إذ جرى توظيف الدين على مدى عقود في سياقات متعددة، فتارة استُخدم أداة ضبط اجتماعي، وتارة فزّاعة لتخويف مكوّن من آخر، وتارة وسيلة لتكريس شرعية أو نزعها، وهو ما أفرغ الخطاب الديني من رسالته الروحية وحوّله إلى أداة ضمن لعبة السلطة التي كان يديرها النظام الساقط. وقد أدى هذا التسييس إلى ما يمكن تسميته بالانكفاء الهويّاتي طائفياً وعرقياً ومذهبياً؛ فبدلاً من أن يشعر الفرد بالأمان داخل دولة القانون، لجأ إلى الطائفة أو الجماعة أو المذهب بوصفها ملاذاً وحيداً. وبعد أكثر من عام على تحرير سوريا، كان لا بد من إعادة توجيه الخطاب نحو تضميد الجراح النفسية والاجتماعية التي خلّفتها سنوات الصراع، وإن كان المقصود به الأكثرية من أهل السُّنة بمختلف أعراقهم ومذاهبهم وانتماءاتهم، لمساس الحاجة اليوم إلى وحدة الصف ونبذ الفرقة والتشتت بسبب الانتماءات المذهبية بين أشعرية وسلفية وصوفية وغير ذلك من مدارس ومذاهب وُجدت منذ مئات السنين.
بيد أن هذا الميثاق لن يكون نافعاً، ولن تكون له قيمة حقيقية، إن طُبِّق على طرف دون آخر بتبنّي سياسة الكيل بمكيالين.
ومن الخطأ الخلط بين وحدة الخطاب وإلغاء التعدد؛ فالتاريخ الإسلامي والإنساني لم يعرف يوماً نموذجاً أحادياً في الفهم أو التأويل في جميع المجالات، سواء أكان ذلك في الحياة اليومية أم الفكرية أم الأدبية أم الدينية أم أي مجال آخر. فكيف لا يكون الخلاف بين المسلمين اليوم، وقد اختلف الصحابة الكرام منذ العصور الأولى، وظهرت المدارس الفقهية والفكرية وتباينت الآراء في المسائل الاجتهادية، من دون أن يعني ذلك خروجاً عن الدين؟ ولا يمكن، ولا ينبغي، إلغاء المذاهب والمدارس والتعدد؛ لأن الطبيعة البشرية تقتضي تفاوت العقول في الفهم والاستنباط، وهو سنة كونية لا مناص منها، ومصدر غنى وثراء أسهم في تطوير الفكر الإسلامي، ولولا هذا التعدد والتنوع لغلب الجمود عليه وعلى سائر شؤون الحياة.
وقد قال تعالى: ﴿وَلَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةࣰ وَاحِدَةࣰ وَلَـٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِی مَاۤ ءَاتَىٰكُمۡ فَٱسۡتَبِقُوا۟ ٱلۡخَیۡرَاتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِیعࣰا فَیُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِیهِ تَخۡتَلِفُونَ﴾. فالتعدد اختبار للعقل والضمير، كما أن الفتوى تفاعل بين النص والواقع وليست نصاً جامداً، ولذلك نشأ تنوع فقهي واسع عبر العصور يعكس اختلاف البيئات والسياقات، ويمثل هذا التعدد سراً مهماً من أسرار مرونة الحضارة الإسلامية وقدرتها على التكيف مع شعوب وثقافات متعددة.
وعليه فإن وحدة الخطاب الإسلامي لا تعني صهر المذاهب في بوتقة واحدة ولا مصادرة الاجتهاد، وإنما تعني ضبط هذا الاختلاف بالاحترام المتبادل والابتعاد عن المشاحنات والسجالات التي تضر ولا تنفع، والاتفاق على المقاصد الكلية المتمثلة في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. وأي خطاب يحرّض على سفك الدماء أو تكفير المجتمع أو تمزيقه أو إلغاء الآخر هو خطاب يناقض هذه المقاصد ولو استند إلى ألف تأويل.
وقد رسم القرآن الكريم بوضوح حدود العلاقة بين الداعي والمتلقي، وجعل البلاغ مهمة والحساب مهمة أخرى، فقال تعالى: ﴿فَإِنۡ أَعۡرَضُوا۟ فَمَاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ عَلَیۡهِمۡ حَفِیظًاۖ إِنۡ عَلَیۡكَ إِلَّا ٱلۡبَلَـٰغُ﴾، ويؤكد في موضع آخر: ﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَـٰغُ﴾، ورسم المنهج الأوضح في قوله تعالى: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِیلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَادِلۡهُم بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُ﴾. فالحكمة تقتضي قراءة الواقع وفهم حاجات الناس، والموعظة الحسنة تتطلب خطاباً يلامس القلب من دون إذلال، والجدال بالتي هي أحسن يجعل الأدب معياراً حتى في الاختلاف. وهذا المنهج القرآني يسحب الشرعية من كل خطاب يقوم على الشتم أو التخوين أو استباحة الدم، ويؤكد أن الله وحده هو العليم بالسرائر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِیلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِینَ﴾. فإذا أدرك الإنسان أن الحكم النهائي ليس بيده، تحرر من هوى التصنيف والإقصاء.
إن ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي يهدف إلى تجفيف منابع الشحن الاجتماعي والعنف، والتركيز على القواسم المشتركة، وإعادة الاعتبار لفكرة المجتمع الواحد بتنوعه؛ ذلك أن سوريا المستقبل لا يمكن أن تُبنى إلا على مفهوم المواطنة المتساوية التي تعني حفظ الخصوصيات، واستناد الحقوق والواجبات إلى القانون لا إلى الانتماء المذهبي أو الطائفي أو العرقي. وميثاق وحدة الخطاب الإسلامي يخدم هذا المشروع عبر ترسيخ مفهوم المواطنة باعتبار الوطن فضاءً جامعاً لمواطنين متساوين، وحماية الخصوصية الدينية التي تتيح لكل فرد ممارسة شعائره بحرية، والانتقال من التحمل إلى الاعتراف، بحيث يرى الإنسان في اختلاف الآخر حقاً مشروعاً لا خطأً مضطراً إلى قبوله. وعند هذه النقطة يصبح الخطاب الديني رافعة للمواطنة لا أداة لتمزيقها.
بيد أن هذا الميثاق لن يكون نافعاً، ولن تكون له قيمة حقيقية، إن طُبِّق على طرف دون آخر بتبنّي سياسة الكيل بمكيالين. فمن غير المقبول منع طرف من مهاجمة الآخر على أساس طائفي أو ديني، وترك طرف آخر يمارس التحريض نفسه بأعلى صوت وعلى مختلف المنصات. ومن الظلم والجور أن يُحاسَب سوريون على تغريدة أو منشور عابر، ويُغضّ الطرف، تحت حجج واهية، عن خطاب كراهية صريح يصدر عن بعض الأقليات؛ فهذه الازدواجية في المعايير تهدم أسس العدل، وتجعل من الميثاق أداة سياسية لا أخلاقية.
قد دفعت سوريا ثمناً باهظاً من دماء أبنائها ودمار مدنها لتصل إلى العدالة والمواطنة، وأقل ما يمكن أن نقدمه وفاءً لتلك التضحيات هو صياغة خطاب يليق بها.
ويجب ألا يُتخذ هذا المشروع نافذة لمصادرة حريات الناس أو مقدمة لتكميم الأفواه وإسكات الأقلام وتغييب النقد بحجة الحفاظ على وحدة الخطاب؛ فالوحدة الحقيقية هي التي تنمو في مناخ الحرية والمسؤولية الجماعية. ولكي تؤتي هذه الفكرة ثمارها، لا بد أن يتسم الخطاب الجديد بالواقعية، من خلال التركيز على قضايا إعادة الإعمار، ومكافحة الفساد، وتعزيز الأخلاق المهنية، بدلاً من الغرق في سجالات تاريخية تزيد الانقسام؛ وبالشمولية في مخاطبة الإنسان السوري بوصفه إنساناً أولاً؛ وبالوسطية عبر الابتعاد عن الغلو والتمسك بالعدل؛ إضافة إلى البعد التربوي الذي يجعل الوحدة عملية تبدأ في المدرسة، وتستمر في الإعلام، وتُترجم في الأسرة.
ويحتاج هذا المشروع الوطني إلى آليات تنفيذية تشمل تأهيل الخطباء والدعاة وفق مناهج معاصرة تراعي فقه الواقع، ومراجعة المناهج التعليمية لضمان خلوّها من أي إيحاءات إقصائية، وإطلاق منصات حوار بين المذاهب لترسيخ ثقافة الاختلاف المحترم، وسنّ تشريعات تجرّم خطاب الكراهية وتحمي حرية الاعتقاد في آن واحد، ليكون القانون حارساً للتعدد لا أداة قمع له.
وليس ثمة أدنى شك في أن ميثاق وحدة الخطاب خطوة مهمة في بداية السير على طريق طويل لاستعادة الثقة وتضميد الجراح وبناء وعي جديد يؤمن بأن الله تعالى هو الحكم يوم القيامة، أما في الدنيا فالمعيار هو العدل والعمل المشترك. وقد دفعت سوريا ثمناً باهظاً من دماء أبنائها ودمار مدنها لتصل إلى العدالة والمواطنة، وأقل ما يمكن أن نقدمه وفاءً لتلك التضحيات هو صياغة خطاب يليق بها، يرى في الآخر شريكاً في المصير لا خصماً في الهوية. وعندما يُعاد الدين إلى وظيفته الأصلية في عمارة الأرض وإغاثة الملهوف وصناعة الأمل، يصبح قوة توحيد لا تفريق.
Loading ads...
وسوريا التي نرجوها فضاء روحي وأخلاقي يتسع للجميع، وميثاق وحدة الخطاب الإسلامي، إذا فُهم في معناه المقاصدي والإنساني، يمكن أن يكون أحد أعمدة هذا البناء، لحماية التعدد ضمن إطار جامع من الرحمة والعدل والمواطنة، في مسار طويل عنوانه: سوريا وطن يتسع للجميع، ومجتمع يحصّنه الوعي من سموم الفرقة ويغذّيه الأمل بوحدة تُحسن إدارة التنوع ولا تُلغيه.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




