زار وفد تقني عسكري روسي، مطلع الأسبوع الجاري، عددا من المواقع العسكرية في جنوب سوريا، في تحرك مفاجئ انطلق من قاعدة “حميميم” في اللاذقية ووصل إلى ريف القنيطرة وحوض اليرموك غرب درعا.
ورافق الوفد رتل كبير من جهاز الأمن العام التابع لوزارة الداخلية السورية، فيما قالت الوزارة إن الجولة تهدف إلى “الاطلاع على الواقع الميداني ضمن إطار التعاون بين الجانبين”.
اتصال بوتين ونتنياهو
لكن توقيت الزيارة، جاء بعد اتصال هاتفي بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أثار تساؤلات واسعة حول دور روسي جديد في إعادة رسم المعادلة الأمنية جنوب البلاد، ولا سيما في ظل تعثر المفاوضات بين دمشق وتل أبيب حول مستقبل المنطقة العازلة.
وفد روسي يتقدّمه نائب وزير الدفاع الروسي يونس بك يفكيروف في لقاء مع وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة. المصدر: وزارة الدفاع في سوريا
قبل يومين من الجولة، أعلنت الرئاسة الروسية أن بوتين أجرى اتصالا مع نتنياهو، تناول “استقرار الأوضاع في سورية” إلى جانب التطورات في غزة والملف النووي الإيراني.
الربط بين هذه الملفات يوحي بأن الجنوب السوري بات جزءا من ترتيبات أوسع، ربما تسعى موسكو للمشاركة فيها أو لضمان نفوذها فيها بعد سنوات من التراجع العسكري والسياسي.
مصادر مطلعة أوضحت أن الوفد بدأ تحركه من سعسع في ريف دمشق، متجها إلى منطقة بيت جن، ثم التلول الحمر التي استخدمتها القوات الروسية سابقا كنقطة تمركز. بعدها تابع إلى ريف القنيطرة الأوسط، قبل أن يصل إلى مناطق قريبة من حوض اليرموك، التي تشهد توغلات إسرائيلية شبه يومية منذ مطلع العام الجاري.
وجود هذا الوفد بدا أقرب إلى “استطلاع ما بعد الحرب”، خصوصا بعد أن تمددت القوات الإسرائيلية داخل المنطقة العازلة منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، وسيطرت على مواقع حساسة أبرزها القمة الأعلى في جبل الشيخ، بالإضافة لقواعد عسكرية بنتها في الداخل السوري مؤخرا.
تعثر المفاوضات بين دمشق وتل أبيب
تزامنت الجولة مع أنباء بثّتها هيئة الإذاعة الإسرائيلية عن وصول المفاوضات الأمنية بين الطرفين إلى طريق مسدود.
ففي الوقت الذي تطالب فيه دمشق بعودة القوات الإسرائيلية إلى مواقعها قبل 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، تل أبيب تعرض انسحابا جزئيا فقط “مقابل اتفاق سلام كامل”، لا مجرد تفاهم أمني محدود.
وفد روسي يتقدّمه نائب وزير الدفاع الروسي يونس بك يفكيروف في لقاء مع وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة. المصدر: وزارة الدفاع في سوريا
وبين هذين الموقفين، تبدو موسكو كطرف قد يملأ الفراغ، أو يسعى إلى لعب دور ضامن في الجنوب.
ويرى مراقبون أن القيادة السورية الجديدة تحاول استخدام موسكو كورقة طمأنة تجاه إسرائيل، عبر إظهار الروس كضامن محتمل لأي ترتيبات في الجنوب، وهي الورقة ذاتها التي اعتمد عليها بشار الأسد طوال 14 عاما لتثبيت سلطته، من دون أن تمنح البلاد استقرارا فعليا أو توازنات دائمة.
المحلل العسكري فايز الأسمر قال لـ“العربي الجديد” إن التحرك “يدخل في إطار التعاون الأمني المتزايد بين دمشق وموسكو”، لكنه اعتبر أن الهدف الفعلي هو تقييم الوضع الميداني بعد الضربات الإسرائيلية الواسعة، ورغبة دمشق في أن يكون للروس دور “متوازن وفاعل” في أي ترتيبات مستقبلية تخص الجنوب.
سجل ثقيل للوجود الروسي
في سياق الحديث عن عودة موسكو إلى الجنوب، تُذكّر الأرقام الواردة في تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان بحجم الانتهاكات التي وثّقتها ضد القوات الروسية منذ بدء تدخلها العسكري في سورية عام 2015.
التقرير، الذي صدر في سبتمبر/أيلول 2024 بعنوان “التقرير السنوي التاسع عن أبرز انتهاكات القوات الروسية في سورية”، ويقع في 33 صفحة، قدّم حصيلة مفصلة للضحايا والهجمات، اعتمادا على قاعدة بيانات موثقة وروايات متعددة.
ووفق التقرير، تسببت القوات الروسية منذ 30 أيلول/سبتمبر 2015 وحتى التاريخ نفسه من عام 2024 بمقتل 6969 مدنيا، بينهم 2055 طفلا و983 امرأة، وارتكبت 362 مجزرة موثقة، نصفها تقريبا في العام الأول للتدخل.
كما نفذت روسيا 1251 اعتداء على منشآت حيوية، بينها 224 مدرسة و209 منشآت طبية و61 سوقا، و237 هجوما بذخائر عنقودية، و125 هجوما بأسلحة حارقة.
كما تسببت بمقتل 70 من الكوادر الطبية و24 إعلاميا، معظمهم في حلب وإدلب، ويشير التقرير إلى أن الهجمات الروسية أسفرت عن تهجير نحو 4.9 مليون شخص بشكل مباشر أو غير مباشر.
التقرير شدد أيضا على استخدام روسيا حق النقض “الفيتو” 18 مرة في مجلس الأمن لمنع أي إدانة أو مساءلة، إضافة إلى استخدامها أدواتها الدبلوماسية والإعلامية لتبرير الانتهاكات أو التقليل منها.
مفارقة العودة الروسية
في ضوء هذا السجل، تبدو عودة موسكو إلى الجنوب السوري محمّلة بتناقض كبير، القوة التي لعبت الدور الأكثر دموية في السنوات الماضية، تحاول الآن الظهور كوسيط أو “ضامن استقرار”.
لكنّ العودة الروسية، إذا اكتملت، تحمل معها أسئلة ثقيلة أكثر مما تحمل وعودا. التجربة التي عاشها السوريون خلال السنوات الماضية تُظهر أن الوجود الروسي لم يكن عامل استقرار، لا اقتصادياً ولا أمنيا، بل أسهم في تعميق الحرب وإطالة عمرها، وفي كثير من الأحيان كان شريكاً مباشرا في العنف الذي دفع ثمنه المدنيون.
هذا السجل القاتم يجعل من الصعب تصور أن موسكو قادرة على تقديم دور مختلف اليوم. فالدولة التي كانت لاعبا مركزياً في قمع السوريين، تعود الآن من موقع دولة منهكة دوليا، محاصرة بالعقوبات، ومعزولة سياسياً بعد حرب أوكرانيا. الرهان عليها مجدداً لا يقدم واقعية سياسية، ولا يبني معادلة قوة جديدة.
Loading ads...
والأهم أن أي تموضع جديد إلى جانب موسكو سيضع دمشق في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، القوة الوحيدة القادرة على تغيير موازين كثيرة في هذا الملف، سواء بما تملكه من أدوات اقتصادية أو نفوذ مباشر على الأرض.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


