تلميح الرئيس الأميركي ترامب، عن دور سوري محتمل في لبنان، له قدرة على إلهاء المنطقة، وصرف المجتمعين السوري واللبناني عن مهام إعادة إعمار بلديهما المنهكين من حروب وصراعات واستبداد، ومن عدوان واحتلال مستمر ومتسع.
وحتى نقف على جوانب الفكرة أو التلميح الأميركي، ونطلع على حجة أطلقها ترامب، ونحلل موقف إسرائيل منها، لا بد من استعراض سريع للتدخل السوري في لبنان عام 1976، فقد أرسل حافظ الأسد قواته لمؤازرة الميليشيا المارونية بدعم أميركي وسماح إسرائيلي، لأن الوظيفة الأمنية والعسكرية السورية وجدت في لبنان لإرضاء الجانب الإسرائيلي إلى حد بعيد، ولتملق مواقف غربية، ومحاربة منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان وضرب وجودها العسكري هناك.
انتهت الحقبة السورية في لبنان بعد جريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري عام 2005، وتلاشى نفوذه مع بداية الثورة السورية عام 2011، وتبخر مع سقوط نظام بشار الأسد. لكن التعويل الأميركي على دور سوري في لبنان.
نجح التدخل السوري في لبنان في عهد نظام حافظ الأسد، وبدعم أميركي، في تحقيق بعض الأهداف الإسرائيلية الأميركية من وراء هذا التدخل، ومنها إضعاف لبنان وضرب نسيجه الاجتماعي، وإسقاط الرهان على بلد من بلدان الطوق لفلسطين، بأن تبقى صورته مفتتة ومتناحرة، وضرب استقراره في المنطقة، وإبقاؤه ملحقاً في جيب نظام أمني يتدخل في كل شاردة وواردة. وليس هنا وقت أو مجال التوسع في شرح ماذا فعل التدخل السوري في لبنان، ولكن يمكن القول إنه حصد نتائج مكنته من السيطرة على نظامه وعلى لبنان، وكان سبباً من أسباب انهيار وتآكل نظامه فيما بعد.
انتهت الحقبة السورية في لبنان بعد جريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري عام 2005، وتلاشى نفوذه مع بداية الثورة السورية عام 2011، وتبخر مع سقوط نظام بشار الأسد. لكن التعويل الأميركي على دور سوري في لبنان، من باب الأداة التي يمكن إعادة تسخيرها لتحقيق مصالح إسرائيل في لبنان والحفاظ عليها، نعتقد بأن تجربة الشعب السوري وخلاصتها بعد الثورة تحذر وتتجنب هذه المخاطرة لسبب بسيط، ومن دون متابعة وتفسير وشرح وتبرير المنطق الأميركي، هو أن سوريا اليوم أبعد ما تكون من تحقيق خطوة كهذه، للعودة إلى الغرق في مستنقع علق فيه نظام الأسدين من قبل، وغاص فيه حليفه الأساسي "حزب الله" في سوريا ونزف فيه من سرديته في المجتمع العربي. ولسبب ثان، هو أن سوريا نفسها بحاجة لمن يعينها على تضميد جراح الماضي، لا نكئها مجدداً وزجها في صراعات وأجندات غير وطنية.
التأثر بفكرة التدخل السوري الأمني في لبنان، في كل المراحل التي قطعتها سابقاً، بأوضاع وظروف سياسية وأمنية، كان الإقبال عليها عربياً وإقليمياً مختلفاً كلياً عن واقع اليوم. فنظام الأسد كان المفرز الطبيعي لمرحلة التسيد على السلطة والاستبداد على المجتمع، وتوظيفهما في إنجاز مهام أميركية وإسرائيلية غربية. والنظام اليوم في دمشق يفترض أنه إفراز لمرحلة ثورية تناقض دور ووظيفة الخراب السابقة في كل ملفات المجتمع وعلاقته العربية والغربية، وما يتطلب من السلطة في دمشق أن ترفع سقف طلبها أو خطابها لتدخل أميركي ودولي للضغط على الاحتلال لوقف عدوانه، والانسحاب ليس من لبنان فقط وجنوبه، بل وقف العدوان على سوريا والانسحاب من جنوبها، ومن مرتفعات الجولان المحتلة بعد ديسمبر/كانون الأول 2024.
لاستقامة تدخل سوري أو عربي بالمعنى الإيجابي، في الملف اللبناني أو السوري، أو العكس، ينبغي العودة إلى أساس الموقف من الاحتلال الإسرائيلي ووجوده، وكيفية مواجهة عدوانه وخططه. إسرائيل لا تعتدي على لبنان لأنها تدافع عن نفسها، كما يفسر بعض العرب ذرائع الخطط والأطماع الإسرائيلية، ولا تحتل الجنوب السوري وتتوسع فيه لأن إسرائيل تخشى ما تخشاه بعد فقدانها وظيفة النظام السابق، بل لأن لديها مشاريع وخططاً استعمارية، منها أن تبقى الدول المحيطة بفلسطين في حالة ضعف وشرذمة، وضرب أي بنية نهضوية فيها، ومحاربة أي تغيير ينهي حالة التفتت المجتمعي والسياسي والثقافي في أنظمة اتخذت من الاستبداد والقمع ساتراً لكل شعاراتها.
ولكي لا يكون أي تغيير حصل في سوريا ماساً بالمصلحة الإسرائيلية، تحاول إدارة ترامب تقديم السلطة في دمشق على أنها تسلك نهج النظام السابق، ورسم علاقتها مع جوارها بناء على مدى تقاربها مع هذا الخط الوظيفي الذي رسمته الولايات المتحدة وإسرائيل لبعض النظام العربي، ومنهم نظام الأسدين سابقاً، بالحفاظ على هدوء المستعمرة وتطويرها، على حساب خرائب العدوان والتوسع الإسرائيلي في سوريا ولبنان، وعلى حساب سيادة عربية. فكان حرياً بالسلطة في دمشق أن ترد على دعوة ترامب لها للتدخل في لبنان وفق هذا المبدأ، بأن تطلب هي تدخلاً أميركياً يوقف العدوان على سوريا وينهي احتلال جنوبها.
من المفيد أن النظام في دمشق رد على الطلب الأميركي بإيضاح موقفه للشارعين السوري واللبناني حول التدخل الإيجابي في لبنان، لكن هذا لا يكفي، لأن الأميركي لم يسمع منه مطلباً واضحاً بأن يتدخل الأميركي، حامي المصالح الإسرائيلية.
أما تفسير مضامين الطلب الأميركي بأنه في سياق فهم عربي خاطئ لتصريحات ترامب، فذلك تسطيح لفهم الدور الأميركي وسياسته ومصالحه، بتفسير لا لبس فيه ولا خطأ. يتناوب كل المسؤولين في الإدارة الأميركية، من أعضاء كونغرس من الحزبين وسفراء وغيرهم، على إفهام العرب بأن السياسة الأميركية في العالم العربي تقوم على حماية المصالح الإسرائيلية أولاً وعاشراً، وعلى إيجاد بيئة عربية وإقليمية للحفاظ عليها.
من المفيد أن النظام في دمشق رد على الطلب الأميركي بإيضاح موقفه للشارعين السوري واللبناني حول التدخل الإيجابي في لبنان، لكن هذا لا يكفي، لأن الأميركي لم يسمع منه مطلباً واضحاً بأن يتدخل الأميركي، حامي المصالح الإسرائيلية، ليتخذ موقفاً وخطوة تلجمان عدوان حليفه الاستعماري. فصورة العدوان الإسرائيلي على المنطقة تبقى هي الأصل في العلاقة مع الإدارة الأميركية، والفرع منها أن يترك السوريون والعرب جانباً ما اختلفوا عليه، لمنع إسرائيل من تنفيذ سياساتها، بمراجعة جدية وحقيقية لعلاقات لبنانية سورية وعربية، تدعم في الصميم وحدة وسيادة أراض عربية، من دون مبدأ الاعتماد على المحتل ومشاريع أميركا الداعمة له، لخطورة تجارب سورية وعربية على هذا الرهان الخطير غير المجدي، والذي كان سبباً في زرع بذور الاتكالية والانهزامية، وفرض القهر على مجتمعات عربية، وعطل منابع الشعور الوطني فيها.
Loading ads...
لهذا كله، فإن التدخل السوري في لبنان أو التدخل العربي مطلوب بمفاعيل لن يقبلها الأميركي والإسرائيلي إن لم تصب في مصلحته. وهي للأسف، أي التدخلات العربية بين بعضها، تعمل على عزل نفسها عن نفسها، بينما تعزل إسرائيل جغرافيا عربية وتنسف وجود سكانها وعمرانها وتضمها، في مشهد يجسد أصل وفرع تدخل الاحتلال وعدوانه ووجوده للسيطرة في فلسطين ولبنان والسودان والصومال وسوريا والعراق، وعلى أنظمة ومجتمعات منشغلة بملهاة عداء ذاتها، والعمل على سد المنابع الوطنية وعزلها، لأن تدفقها يحمي أوطاناً ويبني مجتمعات، وهو ما لا تريده أميركا وإسرائيل، لا لسوريا ولا للمنطقة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

