في لحظةٍ يبدو فيها العالم وكأنه يكتب فصلًا جديدًا من العلاقة بين السياسة والاقتصاد، تعود الأفكار اليسارية إلى الواجهة ولكن بملامح مختلفة تمامًا.
ليس عبر شعارات الثورة التقليدية أو جدالات التأميم الكلاسيكية، بل من خلال جيل جديد يرى أن المشكلة ليست في "الرأسمالية" كفكرة مجردة، بل في تفاصيل الحياة اليومية نفسها: الإيجار الذي يلتهم الدخل، وأسعار الغذاء التي تبدو منفصلة عن الواقع، وسوق عمل يزداد هشاشة تحت ضغط الذكاء الاصطناعي.
هذا التيار الذي يمكن تسميته بـ"اشتراكية جيل زد" لا يقدم نفسه كأيديولوجيا متماسكة بقدر ما هو استجابة شعورية وسياسية لواقع اقتصادي متوتر.
بينما تُظهر المؤشرات الكلية أن الاقتصاد في حال جيدة—بطالة منخفضة، ونمو في الدخل الحقيقي، وارتفاع في أسواق الأسهم—يشعر كثير من الناس بأنهم خارج هذه المعادلة تمامًا، وكأنهم يعيشون اقتصادًا آخر لا يظهر في الإحصاءات الرسمية.
من "الصفقة الاجتماعية" إلى اقتصاد الحياة اليومية
شهد تاريخ اليسار تحولات متتابعة.
بعد الحرب العالمية الثانية، ركزت الاشتراكية الأوروبية على إدارة الرأسمالية بدلًا من إلغائها، عبر تأميم المرافق وإعادة توزيع الدخل.
ثم جاءت موجة ما بعد الأزمة المالية 2008، حيث دعا "اشتراكيّو جيل الألفية" إلى إشراك العمال في مجالس إدارات الشركات، وتوسيع التعاونيات، ودعم الاقتصاد الأخضر.
أما اليوم، فالموجة الجديدة أكثر مباشرة وأقل صبرًا على التعقيد المؤسسي.
هي اشتراكية "تجزئة التجربة اليومية"، لا تسعى لإعادة بناء النظام بالكامل، بل لخفض الإيجار، وتخفيض فواتير الكهرباء، وتوفير النقل العام المجاني، ورعاية الأطفال دون تكلفة.
إنها، كما يصفها مؤيدوها، نسخة حديثة من "الصفقة العادلة" التي تحدث عنها "ثيودور روزفلت" قبل أكثر من قرن، لكنها موجهة الآن ضد ارتفاع تكاليف المعيشة أكثر من كونها مشروعًا لإعادة تشكيل النظام الاقتصادي.
سياسيون شباب وصعود خطاب جديد
هذا التيار يجد من يعبر عنه في شخصيات سياسية صاعدة في الولايات المتحدة وأوروبا.
من بينهم زهران ممداني في نيويورك، وكاتي ويلسون في سياتل، ومرشحون آخرون في ولايات مثل مين وميشيغان وويسكونسن.
وفي بريطانيا، يبرز زاك بولانسكي داخل حزب الخضر، بينما يشهد اليسار الألماني "دي لينكه" صعودًا في شعبيته، ويستعد جان لوك ميلنشون في فرنسا لجولة انتخابية جديدة.
رغم اختلاف السياقات، تتقاطع هذه الشخصيات حول فكرة مركزية: الاقتصاد الحديث، رغم نموه، لا يترجم إلى رفاه حقيقي لمعظم الناس.
ومن ثم، يصبح تدخل الدولة في الأسعار—خصوصًا السكن والغذاء—أداة مشروعة لإعادة التوازن.
تتراوح المقترحات بين تجميد الإيجارات، وإنشاء متاجر غذائية مملوكة للبلديات، وتوفير رعاية أطفال مجانية، وحتى النقل العام المجاني.
وفي كندا، طُرحت فكرة إنشاء متاجر عامة بأسلوب "كوستكو لكن تديرها الدولة".
من الإحباط إلى إعادة تعريف العدالة
هذا الصعود لا يمكن فصله عن المزاج العام.
فخلال السنوات الأخيرة، تزايد الشعور بأن النظام الاقتصادي يخدم فئات محدودة.
استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة وأوروبا تظهر انخفاضًا في الثقة بالحكومات، وارتفاعًا في الاعتقاد بأن “الجشع المؤسسي” سبب رئيسي للتضخم.
وفي الوقت ذاته، تراجعت الثقة في الضرائب والإنفاق العام، وارتفعت الشكوك حول عدالة النظام الضريبي نفسه.
النتيجة هي مزيج من الغضب الاقتصادي وفقدان الثقة في المؤسسات، ما يخلق بيئة خصبة لخطاب بسيط ومباشر: خفض التكاليف فورًا، ومحاسبة الأثرياء.
الذكاء الاصطناعي كعامل مضاعف للقلق
إضافة إلى ذلك، يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا متزايدًا في تشكيل هذا المزاج.
فبينما يُنظر إليه تقنيًا كأداة لرفع الإنتاجية، يراه كثيرون تهديدًا مباشرًا للوظائف والاستقرار المهني.
أكثر من نصف الشباب في استطلاعات حديثة يرون أن الذكاء الاصطناعي يهدد مستقبلهم الوظيفي.
هذا القلق لا يقتصر على فقدان الوظائف، بل يمتد إلى فكرة أوسع: أن الثروة المستقبلية ستتركز في أيدي عدد محدود من الشركات والرواد، بينما يتراجع دور العمل التقليدي في توزيع الدخل.
تحولات فكرية داخل اليسار نفسه
داخل هذا السياق، تظهر أيضًا أطروحات أكاديمية تدعم بعض هذه الأفكار، مثل مفهوم "الاقتصاد على شكل حرف K" (البعض ينزل بشكل حاد مثل ساق الحرف السفلى والبعض يصعد بشكل حاد مثل ساقها العليا)، حيث يستفيد الأثرياء بينما يتراجع وضع الطبقة الوسطى.
بعض الباحثين - مثل إيزابيلا ويبر- يشيرون إلى أن الشركات تستفيد من أوقات التضخم لرفع أرباحها، بينما يختلف اقتصاديون آخرون مع هذا التفسير، مؤكدين أن الزيادات في الأجور لعبت دورًا مهمًا في التضخم الأخير.
وفي المقابل، يذهب مفكرون مثل جيسون هيكل وكويه سايتو إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن النمو الاقتصادي نفسه قد يكون جزءًا من المشكلة، وليس الحل، لأنه يفرض ضغوطًا اجتماعية وبيئية مستمرة.
من الأيديولوجيا إلى "المعيشة المباشرة"
اللافت في هذه الموجة الجديدة هو تراجع الخطاب الأيديولوجي التقليدي.
فبدل الحديث عن الرأسمالية أو الاشتراكية كمشاريع كبرى، يتركز الخطاب على نتائج ملموسة: كم أدفع للإيجار؟ كم تكلفة الغذاء؟ هل يمكنني الحصول على حضانة مجانية؟ هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟
حتى قضايا مثل العدالة الاجتماعية أو المناخ أصبحت أقل حضورًا مقارنة بالضغوط المعيشية المباشرة.
الأولوية الآن هي “النجاة الاقتصادية اليومية” وليس إعادة تشكيل العالم.
رغم شعبية هذه المقترحات، يبقى السؤال الأصعب هو التمويل.
معظم هذه السياسات تعتمد على فرض ضرائب أعلى على الأثرياء جدًا، أو على تحسين كفاءة الإنفاق الحكومي.
لكنَّ منتقدين يشيرون إلى أن عدد الأثرياء القادرين على تمويل هذا التحول محدود، وأن بعضهم قد ينقل ثرواته خارج نطاق الضرائب.
كما أن سياسات مثل تحديد الإيجارات أو وقف مشاريع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد تؤدي، بحسب منتقديها، إلى نتائج عكسية مثل تقليص الاستثمار أو نقص المعروض.
سواء نجح هذا التيار في الوصول إلى السلطة أو لا، فإن "اشتراكية جيل زد" تعكس تحولًا أعمق من مجرد برنامج سياسي.
إنها تعبير عن فجوة متزايدة بين مؤشرات الاقتصاد الكلي وتجربة الحياة اليومية للأفراد.
حتى القوى السياسية التقليدية بدأت تتبنى بعض أفكاره بشكل جزئي، من دعم محدود لتجميد الأسعار إلى التفكير في تقليص تكاليف الخدمات الأساسية.
وهذا يعني أن هذه الموجة، حتى إن لم تنتصر انتخابيًا بالكامل، ستظل تؤثر على طريقة تفكير السياسة الاقتصادية في السنوات المقبلة، لأنها ببساطة جاءت من السؤال الأكثر إلحاحًا لدى جيل كامل: لماذا يبدو الاقتصاد جيدًا على الورق… لكنه صعب في الحياة؟
Loading ads...
المصدر: "ذي إيكونوميست"
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





