شهدت إيران خلال عامَي 2025 و2026، مرحلةً جديدةً من التعقيد الاجتماعي، تجاوزت فيها التحديات حدود الأزمات الاقتصادية أو الضغوط الخارجية المنفصلة، لتتحول إلى أزمة بنيوية متعددة الأبعاد تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتتراجع معها مستويات الثقة العامة بالمؤسسات.
وتزامنت التطورات الأمنية والإقليمية، وفي مقدمتها حرب الاثني عشر يوماً، مع استمرار العقوبات الدولية والاختلالات الهيكلية للاقتصاد الإيراني، مما أدّى إلى مضاعفة الضغوط الواقعة على المجتمع.
في السياق، برزت مؤشرات واضحة على تغيّر طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع؛ إذ لم تعد قضايا التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، والبطالة، والهجرة، وانخفاض الآمال في تحسّن الأوضاع، مجرد تحديات اقتصادية، بل أصبحت عوامل رئيسةً في تشكيل المزاج الاجتماعي العام.
كما لم تعُد الاحتجاجات تقتصر على المطالب المهنية أو الفئوية، وإنما أخذت تعكس اتساع دائرة السخط الاجتماعي وتراجع الثقة بقدرة المؤسسات على معالجة الأزمات المتراكمة.
وتتجلى خصوصية المشهد الإيراني في هذه المرحلة، في تزامن التدهور الاقتصادي مع تصاعد المطالب الاجتماعية واتساع الفجوة بين المجتمع والسلطة.
وفي حين تعزو الرواية الرسمية جذور الأزمة إلى العقوبات والضغوط الخارجية، تشير تحليلات أخرى إلى أنّ عوامل داخليةً، مثل ضعف الإدارة الاقتصادية، والفساد، وهيمنة المقاربة الأمنية في إدارة الأزمات، أسهمت بدورها في تعميق الاختلالات الاجتماعية.
وقد دفعت هذه التطورات عدداً من التقارير والمنظمات الحقوقية المستقلة إلى توصيف المرحلة بمفاهيم من قبيل "التوتر المزمن" و"أزمة الشرعية"، في ظل تصاعد الاعتقالات وتشديد القيود على المجال العام.
توصلت معظم التقارير الاقتصادية المتعلقة بإيران والصادرة خلال عامَي 2025 و2026، ولا سيّما تقارير مشروع مؤشر التحوّل التابع لمؤسسة برتلسمان، إلى أنّ الأزمة الاقتصادية أصبحت المحرّك الرئيس للتحولات الاجتماعية في إيران، حيث أدى استمرار التضخم، وتراجع قيمة التومان، وضعف النمو الاقتصادي، واستمرار العقوبات الدولية، إلى تآكل القوة الشرائية واتساع دائرة الفقر، مما انعكس بصورة مباشرة على الأمن المعيشي للأسر الإيرانية.
كما تكشف البيانات والتقارير هذه، استمرار الاختلالات الهيكلية، وفي مقدمتها ضعف الاستثمار، وتراجع الإنتاج، وارتفاع معدلات البطالة، واستمرار الضغوط على المالية العامة.
وعلى الرغم من الإجراءات الحكومية الرامية إلى احتواء ارتفاع الأسعار واستقرار الأسواق، فإنّ المؤشرات الاقتصادية ترجّح استمرار الضغوط التضخمية خلال عام 2026.
وفقاً لبيانات البنك المركزي الإيراني، ارتفع معدل التضخم السنوي من 48.3% في آذار/ مارس 2026، إلى 57.7% في أيار/ مايو وحزيران/ يونيو الماضيين، مع تسجيل معدلات متقاربة في المناطق الحضرية والريفية.
وفي الوقت نفسه، واصلت أسعار السلع الأساسية والخدمات والإيجارات ارتفاعها بوتيرة فاقت نمو الدخول الحقيقية، بينما تراجع سعر صرف التومان، إذ ارتفع سعر الدولار في السوق الموازية من نحو 140 ألف تومان أواخر عام 2025، إلى قرابة 200 ألف تومان في تموز/ يوليو 2026، وهو ما أسهم في موجة جديدة من ارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية.
وتوضح التقارير الاقتصادية، ومن بينها تقرير نشرته إندبندنت عربية، أنّ اتساع دائرة الفقر يعكس تفاعل مجموعة من العوامل الاقتصادية المتشابكة. فالتضخم المرتفع، ولا سيّما في أسعار المواد الغذائية الأساسية بنسب تراوحت بين 60 و70%، أدى إلى تآكل الأجور الحقيقية، في وقت أصبحت فيه دخول غالبية العاملين والموظفين عاجزةً عن تغطية الحد الأدنى من تكاليف المعيشة، مع بقاء متوسط الرواتب دون خط الفقر وفقاً لعدد من التقديرات.
كما أسهمت العقوبات الاقتصادية في زيادة الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف الإنتاج والحد من الوصول إلى الموارد الأجنبية، في حين لم تتمكن الزيادات المحدودة في الرواتب من تعويض آثار التضخم، بل زادت الأعباء الضريبية من تفاقم الضغوط المعيشية مع اقتراب عام 2026.
وفي هذا الإطار، يرى الرئيس السابق لغرفة التجارة والصناعة والمناجم والزراعة الإيرانية (ICCIMA)، حسين سلاحورزي، أنّ الطبقة الوسطى كانت الأكثر تضرراً خلال العقد الأخير، نتيجة التفاعل بين العقوبات الاقتصادية، والتضخم المزمن، والانخفاض المستمر في الإيرادات النفطية، وتكرار الصدمات النقدية، وضعف الحوكمة الاقتصادية.
وقد أدى ذلك، بحسب تقديره، إلى فقدان شريحة واسعة من الموظفين وأصحاب المهن والمشروعات الصغيرة قدرتها على الادّخار والاستثمار في التعليم والصحة والسكن، ودفع جزءاً كبيراً منها نحو الفئات القريبة من خط الفقر.
ويصف هذه الظاهرة بأنها "فقر في نمط الحياة"، إذ اضطرت الأسر إلى تقليص إنفاقها على الثقافة، والترفيه، والسفر، والتعليم، وغيرها من مقومات جودة الحياة.
ويذهب أستاذ الاقتصاد في جامعة خوارزمي، وحيد شقاقي شهري، إلى أنّ الطبقة الوسطى لا تنتقل بصورة مفاجئة إلى الفقر، وإنما تمرّ بعملية استنزاف تدريجي لمستوى المعيشة.
ويشير شهري، إلى أنّ حجم هذه الطبقة تراجع من نحو 65-70% من المجتمع في مطلع العقد الثاني من الألفية، إلى قرابة 50% خلال السنوات الأخيرة، نتيجة استمرار العقوبات، وارتفاع التضخم، وضعف سياسات إعادة توزيع الدخل. ويتمثل هذا التآكل، بحسب رأيه، في انخفاض القدرة الشرائية، وتراجع الادّخار، وتأجيل شراء المساكن والسيارات، وتأخير الزواج والإنجاب، فضلاً عن الاعتماد المتزايد على القروض أو بيع المدّخرات لتغطية النفقات الأساسية.
وتنسجم هذه التقديرات مع ما خلصت إليه دراسات صادرة عن مركز أبحاث مجلس الشورى الإسلامي، والتي حذّرت من اتساع رقعة الفقر في البلاد.
وفي السياق نفسه، أشار رئيس منظمة الرعاية الاجتماعية الإيرانية، جواد حسيني، إلى أنّ مؤشرات الفقر شهدت اتجاهاً تصاعدياً خلال السنوات الأخيرة، موضحاً أنّ بعض التقديرات تشير إلى ارتفاع نسبة الفقر من نحو 20% خلال العقد السابق، إلى قرابة 40% بحلول عام 2024. كما قدّر عدد من يعيشون تحت خط الفقر المطلق بأكثر من 34 مليون شخص، مقارنةً بنحو 16 مليوناً في سنوات سابقة، بما يعكس اتساع الهشاشة الاجتماعية وتزايد الضغوط المعيشية على شرائح واسعة من المجتمع الإيراني.
في المقابل، ارتفعت حصة الإنفاق على الغذاء والسكن والطاقة من إجمالي ميزانية الأسرة، بينما تراجع الإنفاق على التعليم والتطوير المهني والرعاية الصحية الوقائية، بما يعكس انتقال الأزمة من بعدها الاقتصادي إلى آثارها الاجتماعية المباشرة.
ولم تعُد الأزمة الاقتصادية في إيران مجرد اختلالات في المؤشرات الكلية، بل أصبحت جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية في المدن الكبرى، ولا سيّما طهران. ففي الأسواق الشعبية والمتاجر الصغيرة، تبدو آثار الضغوط المعيشية واضحةً في أنماط الاستهلاك، حيث لم تعد اللحوم الحمراء والدواجن، بل حتى كثير من منتجات الألبان والفواكه، في متناول شريحة واسعة من ذوي الدخل المحدود، بل امتدت هذه الضغوط إلى أجزاء متزايدة من الطبقة الوسطى.
ومع كل موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، اضطرت الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاستهلاكية والتخلي تدريجياً عن سلع كانت تُعدّ حتى وقت قريب من أساسيات الحياة اليومية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على مستوى المعيشة والمزاج الاجتماعي.
ولم تقتصر آثار الأزمة الاقتصادية على تراجع القدرة الشرائية، بل امتدت إلى قطاع السكن الذي أصبح أحد أكثر القطاعات تعبيراً عن عمق الضغوط المعيشية. فقد أدى الارتفاع المستمر في الإيجارات إلى انتشار السكن التشاركي بين عدة أسر أو أفراد، وانتقال كثير من العائلات إلى الضواحي البعيدة بحثاً عن مساكن أقل كلفة. كما برزت أنماط سكنية هشة، مثل العمل مقابل المأوى أو النوم داخل السيارات، بوصفها مؤشرات على اتساع فجوة الإسكان وتراجع قدرة الفئات منخفضة الدخل على تحمل تكاليف المعيشة، وفق ما رصده معدّ التقرير.
كما زادت المواجهة العسكرية خلال صيف 2026، من حدّة هذه الضغوط، بعدما فرضت أعباء إضافيةً على المالية العامة، وأثّرت في النشاط الاقتصادي والاستثماري، في وقت كانت فيه الحكومة تواجه أصلاً تحديات مرتبطةً بعجز الموازنة، وارتفاع تكاليف الدعم، وتراجع الإيرادات الحقيقية. وأدّى ذلك إلى تعميق حالة عدم اليقين، وإضعاف ثقة القطاع الخاص، وتأجيل العديد من قرارات الاستثمار والإنتاج.
تشير غالبية الدراسات الصادرة خلال عامي 2025 و2026، إلى أنّ الشباب أصبحوا الفئة الأكثر تأثراً بتداعيات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في إيران، بعدما تزامنت الضغوط المعيشية مع محدودية فرص العمل وتراجع آفاق الحراك الاجتماعي.
وتعكس بيانات مركز الإحصاء الإيراني لصيف عام 2025، حجم هذا التحدي؛ إذ بلغ عدد أفراد القوة العاملة نحو 26.9 ملايين شخص من أصل أكثر من 66 مليوناً في سن العمل. كما سجّل معدل البطالة 19% بين الفئة العمرية (15-24 عاماً)، و14.4% بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين (18-35 عاماً)، مع ارتفاع المعدلات في المحافظات الحدودية، مثل خوزستان، وسيستان وبلوشستان، وإيلام، بما يعكس استمرار الاختلالات الإقليمية في سوق العمل وضعف قدرة الاقتصاد على استيعاب الخرّيجين والداخلين الجدد إليه.
وبرزت هجرة الكفاءات ونزيف رأس المال البشري بوصفهما من أبرز التحديات الاجتماعية والتنموية التي واجهتها إيران خلال العامين الأخيرين.
تشير تقارير متعددة إلى أنّ عدد الطلبة الإيرانيين الدارسين في ألمع 10 وجهات دراسية رئيسية في الخارج تجاوز 110 آلاف طالب، فيما ارتفع عدد الطلاب الذين يواصلون تعليمهم خارج البلاد بنحو 80% خلال الأعوام الأربعة الماضية، ولم تعُد دوافع الهجرة تقتصر على البحث عن فرص تعليمية أو اقتصادية أفضل، بل أصبحت ترتبط أيضاً بتزايد الضغوط الاجتماعية والنفسية، وتراجع الثقة بالمستقبل، والشعور بانسداد آفاق التقدم المهني والاجتماعي داخل البلاد.
وفي هذا السياق، حذّر القائم بأعمال جامعة شريف الصناعية، مسعود تجريشي، من اتساع ظاهرة هجرة الكفاءات الأكاديمية، مشيراً إلى أنّ 26 عضواً من أصل 460 في الهيئة التدريسية أنهوا تعاونهم مع الجامعة بصورة نهائية، فضلاً عن مخاوف متزايدة من عدم عودة عدد من أعضاء هيئة التدريس الذين غادروا في إجازات علمية أو إجازات من دون راتب.
تكشف المعطيات الواردة في تقارير المنظمات الحقوقية، ووسائل الإعلام الدولية، ومراكز الدراسات المعنية بالشأن الإيراني، أنّ الاحتجاجات التي شهدتها إيران خلال عامَي 2025 و2026 تمثّل امتداداً لموجة السخط الاجتماعي المتراكمة خلال السنوات الماضية، لكنها اتسمت بسمات جديدة من حيث اتساع نطاقها الجغرافي، وتنوّع المشاركين فيها، وطبيعة المطالب التي حملتها.
فقد تزامنت هذه التحركات مع استمرار الضغوط الاقتصادية، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع قيمة العملة الوطنية، واتساع رقعة الفقر، الأمر الذي أدّى إلى انتقال الأزمة تدريجياً من كونها أزمةً معيشيةً إلى أزمة ثقة بقدرة الدولة على إدارة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
وبحسب تقارير إعلامية متعددة، بدأت إحدى أبرز موجات الاحتجاج في أواخر عام 2025 بإضرابات وإغلاق عدد من التجّار لمحالهم في بازار طهران، احتجاجاً على الانهيار المتواصل في قيمة الريال والارتفاع الحاد في الأسعار، قبل أن تمتد إلى جامعات ومدن رئيسية، مثل أصفهان، وشيراز، ومشهد، ثم إلى عدد كبير من المحافظات الإيرانية.
كما شهدت الفترة نفسها سلسلةً من الاحتجاجات والإضرابات نفّذها عمال المصانع، والمعلمون، والمتقاعدون، والممرضون، وسائقو الشاحنات، والعاملون في قطاعات خدمية وإنتاجية مختلفة، بما يعكس اتساع القاعدة الاجتماعية للمحتجّين مقارنةً بالموجات السابقة.
ولا تقتصر الاحتجاجات على المطالب المهنية أو تحسين الأجور وصرف المستحقات المالية، بل أصبحت تعبّر بصورة متزايدة عن استياء أوسع من السياسات الاقتصادية والإدارية.
ويعكس انتقال الخطاب الاحتجاجي من المطالب الفئوية إلى قضايا العدالة الاجتماعية، والفساد، وكفاءة الإدارة العامة، تحوّلاً تدريجياً في طبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة، حيث باتت قطاعات واسعة من الإيرانيين تنظر إلى الأزمات الاقتصادية بوصفها نتاجاً لاختلالات داخلية، إلى جانب تأثير العقوبات والضغوط الخارجية.
في المقابل، تؤكّد الرواية الرسمية أنّ الاحتجاجات تعرضت للاستغلال من قبل جهات خارجية سعت إلى زعزعة الاستقرار الداخلي، وأنّ الإجراءات الأمنية التي اتخذتها السلطات جاءت في إطار حماية الأمن العام.
غير أنّ منظمات حقوق الإنسان وتقارير إعلامية دولية وثّقت استمرار حملات الاعتقال الواسعة، والاستدعاءات الأمنية، وفرض القيود على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب تشديد الرقابة على التغطية الإعلامية، وهو ما عدّته دليلاً على استمرار تغليب المقاربة الأمنية في إدارة الاحتجاجات.
ولعبت وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية دوراً محورياً في نقل المعلومات بين المحافظات المختلفة، وربط الاحتجاجات المحلية بعضها ببعض، بما منحها بعداً وطنياً أوسع، وسرّع انتقال المطالب الاجتماعية بين الفئات المهنية والمناطق الجغرافية المختلفة.
وفي الوقت نفسه، أدى استمرار التدهور الاقتصادي، وتراجع القوة الشرائية، وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جعل المطالب المتعلقة بالرواتب، وفرص العمل، والسكن، والخدمات العامة، قضايا جامعةً لشرائح واسعة من المجتمع الإيراني.
وزادت المواجهة العسكرية التي شهدتها المنطقة خلال صيف 2026 من حدّة هذه الضغوط، بعدما ارتفع الإنفاق الأمني، وتعطلت بعض الأنشطة الاقتصادية، وازدادت الضغوط على المالية العامة، من دون أن يؤدي ذلك إلى انحسار المطالب الاجتماعية. بل على العكس، أسهمت هذه التطورات في تعميق القلق الاقتصادي، وتعزيز حساسية الرأي العام تجاه قضايا المعيشة، في ظل استمرار التضخم، وتراجع الدخول الحقيقية، واتساع الفجوة بين تكاليف الحياة ومستويات الأجور.
وفي ضوء هذه المعطيات، لم تعُد الاحتجاجات في إيران تمثّل استجابةً ظرفيةً لارتفاع الأسعار أو انخفاض الأجور، بل أصبحت تعكس تحوّلاً أعمق في طبيعة العلاقة بين المجتمع والمؤسسات الرسمية.
يرى الباحث ويل فان هوف، في دراسته المعنونة "انتفاضات إيران 2025-2026 وأزمة شرعية الجمهورية الإسلامية"، المنشورة على موقع الأمن القومي والدراسات الإستراتيجية في جامعة بريغهام يونغ، أنّ الاحتجاجات التي انطلقت بدوافع اقتصادية سرعان ما تحولت إلى حركة اجتماعية واسعة ضمت التجار، والطلاب، والعمال، وشرائح من الطبقة الوسطى.
ويشير إلى أنّ اتساع قاعدة المشاركين، إلى جانب انتقال الشعارات من المطالب المعيشية إلى الدعوة لتغيير النظام، يعكس تعمّق أزمة الشرعية التي تواجهها الجمهورية الإسلامية. كما يوضح أنّ السلطات تعاملت مع هذه الاحتجاجات بإجراءات أمنية مشددة، شملت نشر قوات الحرس الثوري والباسيج، وتنفيذ حملات اعتقال واسعة، وفرض قيود على الإنترنت ووسائل الاتصال، في إطار الحدّ من انتشار الاحتجاجات وتقييد تداول المعلومات المتعلقة بها.
وتتوافق هذه القراءة مع ما خلصت إليه تقارير ومؤشرات دولية أخرى تربط بين اتساع فجوة الثقة وتصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، بما يجعل أزمة الشرعية إحدى القضايا البنيوية الأكثر تأثيراً في مستقبل الاستقرار الداخلي في إيران.
وفي السياق ذاته، أفادت منظمة العفو الدولية، في تقريرها الصادر في أيار/ مايو 2026، بأنّ السلطات الإيرانية كثفت إجراءاتها الأمنية عبر تنفيذ موجات واسعة من الاعتقالات التعسفية، بالتزامن مع تصاعد الإعدامات ذات الطابع السياسي بحق معارضين ومحتجين.
كما أشار التقرير إلى استمرار القيود المفروضة على حرية التعبير والتجمع، وحرمان عدد من المعتقلين من ضمانات المحاكمة العادلة، عادّاً أنّ هذا النهج يسهم في تعميق فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، ويزيد من مستويات الاحتقان الداخلي.
وفي موازاة ذلك، شهدت طهران وعدد من المدن الكبرى تجدّد حملات إغلاق بعض المقاهي والمنشآت التجارية على خلفية تطبيق قواعد الحجاب الإلزامي، وهو ما أعاد الجدل حول حدود الضبط الاجتماعي مع تراجع حدّة المواجهة العسكرية.
كما أثارت أحكام الإعدام التي نُفّذت على خلفية قضايا مرتبطة بالاحتجاجات، ردود فعل واسعة داخل الأوساط الحقوقية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، في حين أكدت السلطات أنّ الأحكام نُفّذت وفقاً للإجراءات القضائية النافذة.
يرى الباحث في معهد دول الخليج العربية في واشنطن، علي ألفونه، أنّ احتجاجات كانون الأول/ ديسمبر 2025 مثّلت نقطة تحول في مسار الاحتجاجات الإيرانية؛ إذ بدأت بإضرابات قادها تجار الهواتف المحمولة والأجهزة الإلكترونية في السوق الكبير في طهران احتجاجاً على الانهيار الحاد في قيمة الريال، قبل أن تمتد سريعاً إلى مختلف المحافظات وتستقطب شرائح اجتماعية متنوعة.
ويشير ألفونه إلى أنّ هذه الاحتجاجات تميزت بطول مدتها، إذ استمرت، وإن بدرجات متفاوتة، حتى شباط/ فبراير 2026، خلافاً للموجات الاقتصادية السابقة التي اتسمت بقصر مدتها. كما يصف هذه الاحتجاجات بأنها من أكثر موجات الاحتجاج دمويةً في تاريخ الجمهورية الإسلامية، موضحاً أنّ الحكومة أعلنت مقتل 3،110 أشخاص، في حين قدرت وكالة أخبار ناشطي حقوق الإنسان عدد الضحايا بما لا يقلّ عن 6،800 قتيل، مع احتمال تجاوز العدد 11 ألفاً، بينما قدّرت قناة إيران إنترناشيونال عدد القتلى بأكثر من 36،500.
ويؤكد الفونه أنّ هذه الأرقام تبقى غير قابلة للتحقق بصورة مستقلة بسبب القيود الصارمة المفروضة على تداول المعلومات داخل إيران. وبصرف النظر عن التباين الكبير في تقديرات أعداد الضحايا، فإنّ هذه المؤشرات تعكس تصاعد حدّة المواجهة بين الدولة والمجتمع، وتعزز التقديرات التي ترى أنّ الاحتجاجات الأخيرة شكّلت واحدةً من أخطر الأزمات الداخلية التي واجهتها الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها.
وتشير تحليلات مراكز أبحاث عدة إلى أنّ الحرب التي شهدتها المنطقة خلال صيف 2026 عززت في بدايتها قدراً من التماسك الوطني، إلا أنّ هذا الأثر كان محدوداً زمنياً، إذ سرعان ما عادت القضايا الاقتصادية والمعيشية إلى صدارة اهتمامات الرأي العام مع استمرار التضخم وتراجع الدخول الحقيقية.
وفي هذا الإطار، يشير مدير وحدة دراسات إيران في مركز الإمارات للسياسات، محمد الزغول، في مقاله المعنون "جنازة تتحوَّل إلى استعراض سياسي باذخ: حسابات الضرورة والتداعيات"، إلى أنّ القيادة الإيرانية سعت إلى احتواء أزمة الشرعية التي تفاقمت بفعل الاحتجاجات والضغوط الاقتصادية عبر توظيف مراسم تشييع المرشد الإيراني باعتبارها مناسبةً تعبويةً تهدف إلى إظهار التماسك الداخلي واستمرار التأييد الشعبي للنظام.
ويرى الزغلول أنّ هذه المراسم لم تقتصر على بعدها الرمزي، بل استُخدمت أيضاً أداةً لإعادة إنتاج صورة الدولة وتعزيز تماسك مؤسساتها، إلى جانب توجيه رسائل إلى الداخل والخارج تؤكد قدرة النظام على إدارة مرحلة ما بعد رحيل المرشد.
في الشارع الإيراني، حديث يتردد عن أنّ الأولوية كان ينبغي أن تُمنح لمعالجة الضغوط الاقتصادية وتحسين الظروف المعيشية، في حين عدّ مؤيّدو الحكومة تلك الإجراءات جزءاً من الواجب الوطني في مرحلة استثنائية.
ويعكس هذا الجدل اتساع التباين في تقييم أولويات الدولة بين الاعتبارات الرمزية ومتطلبات الاستجابة للأزمات الاقتصادية والاجتماعية، بما يعزز المؤشرات على استمرار فجوة الثقة بين قطاعات من المجتمع والمؤسسات الرسمية.
وفي ظل استمرار الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، تبدو فجوة الثقة المتزايدة بين الدولة والمجتمع واحدةً من أكثر القضايا تأثيراً في مستقبل الاستقرار الداخلي في إيران، كما تمثّل مؤشراً رئيساً على اتجاهات التحول السياسي والاجتماعي خلال السنوات المقبلة.
تعكس المعطيات الصادرة عن المؤسسات الدولية أنّ مستقبل الاستقرار الاجتماعي في إيران أصبح نتاجاً لتفاعل الضغوط الداخلية والخارجية، بحيث لم يعد بالإمكان تفسير التحديات الاقتصادية أو الأمنية كلّاً على حدة. فقد تزامنت العقوبات الدولية، والتوترات الإقليمية، وتداعيات المواجهة العسكرية خلال صيف 2026، مع اختلالات هيكلية داخلية تمثّلت في استمرار التضخم، وتراجع قيمة العملة، وضعف الاستثمار والإنتاج، واتساع الضغوط المعيشية، وهو ما زاد من تعقيد المشهد الداخلي.
ويرى عدد من الخبراء أنّ العقوبات الدولية أسهمت في تعميق الأزمة الاقتصادية، إلا أنّ تأثيرها تداخل مع مشكلات داخلية مزمنة، من أبرزها ضعف الحوكمة الاقتصادية، واختلالات المالية العامة، وتراجع الإنتاجية، الأمر الذي حدّ من قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات وتحقيق التعافي.
ومع ذلك، تخلص غالبية الدراسات إلى أنّ مستقبل الاستقرار الاجتماعي لا يرتبط بتخفيف الضغوط الخارجية وحدها، وإنما يعتمد بدرجة أكبر على قدرة الدولة على تنفيذ إصلاحات اقتصادية وإدارية تعالج الاختلالات البنيوية، وتحد من التضخم، وتحسن مستويات المعيشة، وتعزز الثقة بالمؤسسات العامة.
في هذا السياق، يمکن طرح ثلاثة سيناريوهات رئيسة:
1- استمرار سياسة إدارة الأزمات مع بقاء الضغوط الاجتماعية عند مستوياتها الحالية.
2- تنفيذ إصلاحات تدريجية تسهم في استعادة جزء من الثقة العامة.
3- تزامن تفاقم الضغوط الداخلية والخارجية، بما يؤدي إلى اتساع التوترات الاجتماعية وارتفاع مستويات عدم الاستقرار.
وبوجه عام، تكشف معظم التقديرات أنّ الاستقرار الاجتماعي في إيران خلال المرحلة المقبلة سيظل رهناً بقدرة الدولة على تحقيق توازن بين متطلبات الأمن، والإصلاح الاقتصادي، والاستجابة للمطالب الاجتماعية.
كما يرى باحثون أنّ استمرار الضغوط المعيشية واتساع فجوة الثقة بين المجتمع والمؤسسات قد يؤديان إلى إعادة إنتاج أنماط الاحتجاج، وتسارع هجرة الكفاءات، وتراجع المشاركة المجتمعية، في حين يمكن للإصلاحات الاقتصادية والإدارية الفاعلة أن تحدّ من هذه التداعيات وتعزز الاستقرار على المدى المتوسط.
ختاماً، يمكن القول إنّ التطورات التي شهدتها إيران خلال عامي 2025 و2026، كشفت عن تداخل غير مسبوق بين الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بحيث لم تعُد هذه التحديات تمثّل أزمات منفصلةً، بل أضحت مكونات مترابطةً لأزمة بنيوية انعكست آثارها بصورة مباشرة على مستويات المعيشة، والثقة العامة، والعلاقة بين الدولة والمجتمع.
وعليه، مستقبل الاستقرار الاجتماعي في إيران مرهون بتنفيذ الدولة إصلاحات اقتصاديةً وإداريةً تعالج الاختلالات البنيوية، وتحدّ من التضخم، وتحسن مستويات المعيشة، وتعزز الثقة بالمؤسسات العامة، بالتوازي مع إدارة أكثر فاعليةً للتحولات الاجتماعية المتسارعة، أما الاكتفاء باحتواء الأزمات من منظور أمني، من دون معالجة جذورها الاقتصادية والاجتماعية، فمن شأنه أن يبقي عوامل الاحتقان قائمةً، ويزيد من احتمالات تجدد الاحتجاجات، واتساع فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع.
Loading ads...
أُنتج هذا الموضوع بالتعاون مع مؤسسة روزا لوكسمبورغ
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






