شهر واحد
تعطيل مضيق هرمز.. فاتورة الصراع على أسعار الطاقة وجيوب المواطنين
الثلاثاء، 3 مارس 2026

في تطور خطير يهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية، أدت التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية إلى موجة من القلق والاضطرابات غير المسبوقة، طالت كبرى شركات الشحن وأسواق النفط والغاز، لتنذر بمرحلة جديدة من الضغوط التضخمية التي ستنعكس بشكل مباشر على ميزانيات الأسر في مختلف أنحاء العالم.
ويشكل المضيق الاستراتيجي، الذي يضيق ليبلغ عرضه بضع عشرات من الكيلومترات فقط، ممرًا حيويًا يربط الخليج العربي بخليج عمان، وتعبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية، أي ما يعادل 21 مليون برميل يوميًا من النفط ومشتقاته، بالإضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، معظمها متجه إلى الأسواق الآسيوية.
شركات الشحن تنسحب تحت التهديد
سارعت كبريات شركات الشحن العالمية، مثل “ميرسك” و”إم إس سي” و”سي إم آه سي جي إم”، إلى تعليق عمليات عبور أساطيلها عبر المضيق، بعد تهديدات الحرس الثوري الإيراني باستهداف أي سفينة أو ناقلة غاز تجتاز هذه المنطقة.
وأعلن مستشار قائد الحرس الثوري الإيراني، العميد إبراهيم جباري، مساء الاثنين، أن مضيق هرمز أغلِق، متوعدًا بإحراق أي سفينة تحاول الإبحار فيه، بل وتهديد خطوط الأنابيب النفطية في المنطقة، في تصريح نقلته وسائل إعلام دولية.
لم يقتصر هذا التصعيد الأمني على التهديدات اللفظية، بل تجاوزه إلى أفعال على الأرض، حيث نقلت وكالات أنباء إيرانية عن الحرس الثوري، يوم أمس الاثنين أيضا، قوله إن ناقلة وقود تحمل اسم “أثي نوفا” وترفع علم هندوراس اندلعت فيها النيران في مضيق هرمز عقب استهدافها بطائرتين مسيرتين، كما ذكرت وكالة رويترز عن مصدر بحري أن الناقلة توقفت بالمضيق بعد تقارير عن تعرضها لهجوم بمسيرتين إيرانيتين.
قفزة حادة في الأسعار
الانعكاسات المباشرة لهذه الأزمة لم تتأخر، إذ قفزت أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية بشكل حاد، فقد سجل خام برنت، المعيار العالمي، ارتفاعًا تجاوز 13بالمئة ليلمس حاجز 82 دولارًا للبرميل، وهو أعلى مستوى له منذ كانون الثاني/يناير 2025.
في سوق الغاز الأوروبي، كانت الصدمة أشد وطأة، حيث ارتفعت الأسعار الفورية بنسبة تجاوزت 35 بالمئة بعد إعلان قطر للطاقة، إحدى كبريات شركات الغاز في العالم، وقف إنتاجها بالكامل إثر استهداف منشآتها بطائرات إيرانية مسيرة، مما زاد المخاوف من شح الإمدادات.
يضع هذا المستوى السعري، الذي يعد الأعلى منذ مطلع عام 2025، الاقتصاد العالمي أمام معضلة حقيقية، خاصة وأن التوقعات تشير إلى استمرار هذا الاتجاه الصعودي في ظل تضاؤل فرص توفر السفن البديلة لما تبقى من شهر آذار/ مارس الحالي.
الأسعار مرشحة للارتفاع
يشير المحلل الرئيسي للغاز الطبيعي المسال العالمي في شركة “وود ماكنزي” لاستشارات الطاقة، فريزر كارسون، إلى أن النقص الحاد في العروض قد يدفع بأسعار الشحن اليومية الفورية للغاز الطبيعي المسال إلى تجاوز عتبة 100 ألف دولار هذا الأسبوع، وهو ما يضيف أعباء لوجستية ثقيلة فوق أسعار المادة الخام ذاتها، مما يعقد من قدرة المشغلين على التعامل مع التراكمات الناتجة عن الاضطرابات السابقة.
غير أن التداعيات الحقيقية لهذا الصراع بدأت تتسلل إلى جيوب المستهلكين في مختلف أنحاء العالم، حيث ينتج عن ارتفاع أسعار النفط بدوره كمحرك رئيسي لغلاء المعيشة موجة تضخمية جديدة تضرب القدرة الشرائية للأفراد، حيث تعد العلاقة بين سعر البرميل وتكلفة المعيشة علاقة مباشرة ومؤلمة، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الوقود إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، وهو ما يترجم سريعًا إلى ارتفاع في أسعار السلع الأساسية.
ويوضح كبير الاقتصاديين في شركة AMP، شين أوليفر، أن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر برميل النفط تؤدي إلى ارتفاع سعر لتر البنزين بحوالي 4 سنتات في بعض الدول، مما يعني أن وصول سعر البرميل إلى 100 دولار قد يرفع سعر البنزين بمقدار 40 سنتًا، ليصل إلى مستويات قياسية تتراوح بين 2.20 و2.40 دولار للتر الواحد في المدن الكبرى، مؤكدًا أن هذه الزيادة في أسعار الوقود ستنعكس حتمًا على تكلفة النقل والسلع والخدمات، لتشكل عبئًا إضافيًا على الأسر التي لا تزال تعاني من تداعيات موجات التضخم السابقة.
على الصعيد الاقتصادي الأوسع، يضع هذا التصعيد البنوك المركزية العالمية في مأزق حقيقي، فبعد أن كانت قد بدأت في خفض أسعار الفائدة للسيطرة على التضخم ودعم النمو، تعود نيران الأسعار المرتفعة لتلقي بظلالها من جديد.
رئيس قسم التوقعات الاقتصادية في بنك “بارينجوي” الاستثماري، جوناثان ماكمينامين، يصف هذا التأثير بـ”الركود التضخمي”، حيث يتزامن ارتفاع التضخم مع تباطؤ النمو بسبب تراجع القدرة الشرائية للأفراد.
أما على مستوى التجارة العالمية، فيتوقع الخبراء أن يؤدي إغلاق المضيق، إذا استمر، إلى تبعات متتالية، حيث التراجع الحاد في حجم التجارة، والزيادة الهائلة في أقساط التأمين على السفن، وارتفاع تكاليف الشحن بسبب الحاجة إلى سلوك طرق بديلة أطول وأقل كفاءة.
Loading ads...
وفي خضم هذا المشهد المتأزم، تظل الأسواق العالمية رهينة لتطورات ميدانية قد تطيل أمد الأزمة أو تقصرها، فيما يترقب الملايين حول العالم كيف ستكون فاتورة تلك التطورات على أسعار الطاقة وبالتبعية نفقاتهم اليومية المعيشية التي قد تحمل أرقامًا قياسية جديدة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

