قد تكون عبارة "انتظر قليلا" من أكثر العبارات التي يسمعها الأطفال خلال يومهم، ومن أقلها إقناعا، إذ يستمرون عادة بالإلحاح، ولا يستطيعون إيجاد ما يشغلهم في دقائق الانتظار التي تبدو طويلة ومملة بالنسبة لهم. هذا الإلحاح لا يعني بالضرورة أن الطفل يعاني من نفاد الصبر، لكنه يطرح تساؤلا حول علاقة أطفال الجيل الحالي بالانتظار في عصر أصبحت فيه أشياء كثيرة متاحة بسرعة، وتقلصت فيه المساحات التي يضطرون خلالها إلى الانتظار أو تحمل الملل. فهل أصبح الأطفال أقل صبرا، أم أن عالم السرعة منحهم فرصا أقل لتعلم هذه المهارة وممارستها؟
قد يوحي إصرار الأطفال على الحصول على ما يريدونه بشكل فوري بأنهم أصبحوا أقل صبرا من الأجيال السابقة، لكن الأبحاث لا تدعم هذه الفكرة بالضرورة.
ففي دراسة نشرت في دورية "علم النفس النمائي"، قورنت قدرة 840 طفلا على تأجيل المكافأة عبر ثلاث فترات زمنية: الستينيات والثمانينيات والعقد الأول من الألفية. وتبين أن أطفال المجموعة الأحدث كانوا قادرين على الانتظار مدة أطول في المتوسط.
ورغم أن تشابه خلفيات المشاركين يجعل من الصعب تعميم النتائج على جميع الأطفال، فإن الدراسة تشير إلى ضرورة التمييز بين تسارع وتيرة الحياة من جهة، وقدرة الأطفال الفعلية على الصبر والانتظار من جهة أخرى.
كما تختلف القدرة على الانتظار باختلاف العمر. فالطفل الصغير لا يفهم "انتظر عشر دقائق" كما يفهمها طفل أكبر، وبالتالي فقد يحتاج إلى مساعدة للتعامل مع خيبة تأخير ما يريد.
وتقول الاختصاصية النفسية جينا فياس لي، في حديثها لصحيفة "الغارديان"، إن الأطفال ليسوا أقل صبرا بطبيعتهم، لكن البيئة السريعة قد تمنحهم فرصا أقل لممارسة الانتظار والمثابرة. وبهذا فإن المشكلة ليست طفلا "مدللا" يطالب بكل شيء "فورا" و"الآن"، بل في مهارة لا تنمو من دون وقت ومساحة لتجربتها.
حين لا يحصل الطفل على ما يريده فورا، يمر بوقت عليه أن يجد خلاله ما يلهيه إلى أن تتحقق رغبته. وقد يكون هذا الانتظار مملا أو مزعجا في البداية، لكنه يمنحه فرصة لاكتشاف طرق يشغل بها وقته ويعلمه كيفية التعامل مع هذا الشعور.
لكن عندما ينشغل الطفل بالهاتف في هذه الأثناء، تقل فرصته في تجربة طرق أخرى لمكافحة الملل وتعلُّم مفهوم الصبر والانتظار، وقد يحرمه ذلك من تطوير مهارات مثل: طلب المساعدة، أو ابتكار لعبة جديدة لملء الوقت والترويح عن نفسه.
وفي دراسة منشورة في مجلة "جاما" العلمية، عام 2023، اختُبرت هذه النقطة بالتحديد. إذ تابعت الدراسة مجموعة من الأطفال الذين تراوحت أعمارهم بين 3 و5 سنوات لمدة ستة أشهر، ووجدت أن بعض الأطفال الذين اعتاد آباؤهم وأمهاتهم إعطاءهم الهاتف لتهدئتهم عند الغضب أو الضيق، أظهروا بعد ذلك ردود فعل أكثر انفعالية مقارنة بالآخرين.
صحيح أن الدراسة لا تثبت أن الهاتف سبّب هذا الانفعال بمفرده، ولكنها تطرح سؤالا مهما حول وظيفة الشاشة في البيت، فهل تستخدم كوسيلة ترفيهية للطفل في بعض الأحيان، أم هي الحل الذي يلجأ إليه كلما واجه شعورا لا يريحه؟
وتوضح الباحثة جاكلين نيسي، في حديثها إلى "يونيسف"، أن خصائص مثل التشغيل التلقائي والتمرير المستمر تتيح للطفل الانتقال مباشرة من محتوى إلى آخر، من دون الحاجة إلى البحث عما يريد مشاهدته أو اتخاذ قرار بشأنه. ومع تكرار هذا النمط، قد يعتاد الطفل الحصول على الترفيه الفوري، فيصبح الانتقال إلى محتوى جديد استجابته التلقائية كلما شعر بالملل.
في دراسة أجرتها الباحثة الأمريكية سيليست كيد وزملاؤها، وُعدت مجموعة من الأطفال بأدوات رسم جديدة، ثم حصلوا فعلا على ما وُعدوا به، بينما لم يفِ الباحثون بوعدهم للمجموعة الأخرى.
وعندما خُيّر الأطفال لاحقا بين الحصول على قطعة حلوى فورا أو الانتظار للحصول على قطعتين، انتظرت المجموعة الأولى نحو 12 دقيقة في المتوسط، مقابل 3 دقائق فقط لدى المجموعة الثانية.
ونشرت الدراسة في دورية "كوغنيشن" (Cognition) عام 2012، وتظهر أن قدرة الطفل على الانتظار لا ترتبط فقط بقدرته على ضبط رغبته، بل أيضا بمدى ثقته في أن ما وُعد به سيحدث فعلا.
وتشير دراسة أخرى نشرت عام 2024 إلى أن تشتيت انتباه الطفل عن الشيء الذي يرغب فيه يمكن أن يساعده على الانتظار مدة أطول؛ كأن ينظر بعيدا عن قطعة الحلوى، أو ينشغل بأغنية أو لعبة.
ويمكن للأهل تدريب أطفالهم على هذه المهارة في مواقف الحياة اليومية. فبدلا من تكرار "اصبر" و"انتظر" يمكن توضيح مدة الانتظار للطفل بطريقة يفهمها، ومساعدته على إيجاد ما يشغله خلالها.
الملل ليس مشكلة تحتاج إلى حل دائما، لكنه في الوقت نفسه قد يكون إشارة إلى حاجة أخرى. فقد تعني عبارة "أشعر بالملل" أنه جائع، أو يريد قضاء بعض الوقت مع والديه، أو ببساطة لا يعرف كيف يبدأ اللعب.
وتقترح الأخصائية النفسية ستيفاني لي، في حديثها لموقع "تشايلد مايند" (Child Mind)المعني بالصحة النفسية للأطفال، أن يبدأ الأهل بفهم ما يحتاج إليه الطفل، ثم يمنحونه فرصة لاختيار ما يريد فعله، بدلا من تقديم نشاط جاهز له مع كل شكوى من الملل.
وقد تكون البداية بسيطة، مثل تخييره بين اللعب بالمكعبات أو الرسم. وإذا اختار المكعبات، يمكن للأب أو الأم مشاركته في الدقائق الأولى، ثم تركه يكمل اللعب بطريقته، حتى لو هدم ما بناه وبدأ من جديد.
وهنا تكمن إحدى فوائد الملل؛ إذ يتعلم الطفل التفكير في فكرة، وتجربتها، وتغييرها إذا لم تنجح. ولا يمكن توقع أن يتمكن طفل اعتاد على الهاتف من اللعب بمفرده لفترة طويلة منذ المحاولة الأولى.
وفي المواقف التي يصعب فيها على الطفل بدء لعبة من تلقاء نفسه، مثل الانتظار في طابور أو أثناء رحلة، يمكن مساعدته على تمضية الوقت بدلا من مطالبته بالصمت، كأن يبحث مع والديه عن أشياء بلون معين، أو يتحدث عما يراه حوله، أو يحمل كتابا صغيرا اختاره للرحلة.
Loading ads...
وبحسب خبراء في التربية والصحة النفسية، فإن جعل مدة الانتظار واضحة للطفل يساعده على فهمها، مثل القول: "سنخرج بعد انتهاء هذه الأغنية"، أو "بعد أن ننتهي من تناول هذا الساندويتش". ويمكن أن يكون للشاشة وقت محدد ومعروف خلال اليوم، من دون أن تتحول إلى الحل التلقائي كلما شعر الطفل بالملل.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





