قد تبدأ العطلة التي انتظرتها طويلًا بساعات من الطيران، وتنتهي بمشكلة لم تكن في الحسبان: اضطراب في مواعيد دخول الحمام. فبينما يربط معظم الناس اضطراب الرحلات الجوية بالتعب والنعاس، قد يتأثر الجهاز الهضمي أيضًا بتغيير المناطق الزمنية، فتتغير مواعيد التبرز ويصبح الذهاب إلى الحمام أقل انتظامًا. يُعرف هذا الاضطراب المتعلق بالسفر باسم «اضطراب الأمعاء الناتج عن فارق التوقيت» (Gut Jet Lag). فهل يغير السفر مواعيد التبرز ؟
تشير مراجعة علمية حديثة نُشرت في مجلة Nutrients عام 2026 إلى أن السفر لمسافات طويلة وتجاوز عدة مناطق زمنية قد يؤثران في تزامن الساعة البيولوجية مع إيقاع بكتيريا الأمعاء، وهو ما قد يرتبط بمشكلات هضمية واضطراب حركة الأمعاء.
يمتلك الجسم ساعة داخلية (Circadian Rhythm) تنظم النوم والاستيقاظ والشهية وعمليات الأيض والهضم. ولا يعمل الدماغ وحده وفق هذا الإيقاع؛ إذ تتأثر الأمعاء والميكروبات الموجودة فيها أيضًا بالتغيرات اليومية في النوم والطعام والضوء.
وعند السفر عبر مناطق زمنية متعددة، قد تتلقى هذه الأنظمة إشارات متضاربة؛ لأن وقت النوم يتغير، ومواعيد الطعام تتبدل، والتعرض للضوء يحدث في أوقات مختلفة. وقد يؤدي ذلك إلى إبطاء حركة الأمعاء (Gut Motility)، ما يفسر تغير مواعيد التبرز لدى بعض المسافرين.
كما يمكن للجفاف وقلة الحركة وتناول الأطعمة المصنَّعة أو غير المعتادة أثناء الرحلة أن تزيد المشكلة. وتشير المعاهد الوطنية للصحة إلى أن السفر وتغيير الروتين الغذائي والنشاط اليومي من العوامل التي يمكن أن ترتبط بالإمساك.
لا يعني اختلاف مواعيد التبرز بالضرورة وجود مرَض، فلكل شخص نمطه الطبيعي. لكن التغيير قد يظهَر بصورة أعراض مؤقتة، خاصة بعد الرحلات الطويلة. ومن أبرز هذه العلامات:
تتوافق هذه العلامات مع الأعراض المعروفة للإمساك (Constipation) الذي قد يحدث نتيجة تغيّر الروتين أو قلة السوائل والألياف والحركة.
يمكن اتخاذ بعض الخطوات البسيطة قبل الرحلة وبعد الوصول للمساعدة في إعادة تنظيم مواعيد التبرز ، خاصة إذا كان السبب مرتبطًا بتغير الساعة البيولوجية وليس بمشكلة صحية أخرى.
وتوصي مصادر صحية رسمية بزيادة تناول الألياف والسوائل والنشاط البدني، كما يمكن تدريب الأمعاء على وقت منتظم للتبرز.
الغذاء قد يكون أحد المفاتيح لاستعادة مواعيد التبرز. فالألياف تساعد على زيادة حجم البراز وتسهيل مروره، لكن من الأفضل رفع كميتها تدريجيًا حتى لا تسبب الانتفاخ. ومن الخيارات المناسبة:
ويحتاج الجسم إلى تناول السوائل حتى تعمل الألياف بصورة أفضل؛ إذ تساعد المياه على جعل البراز أكثر ليونة. وتوصي المعاهد الوطنية لصحة البالغين عادة بالحصول على نحو 22 إلى 34 غرامًا من الألياف يوميًا، مع اختلاف الاحتياج حسب العمر والجنس والحالة الصحية.
إذا لم تعد مواعيد التبرز إلى طبيعتها بعد تعديل الغذاء والسوائل والحركة، يمكن سؤال الصيدلي أو الطبيب عن مليّن مناسب (Laxative). وتوضح هيئة الخدمات الصحية البريطانية أن تغيير نمط الحياة يُفضل عادة قبل اللجوء إلى الملينات، وأن بعض الأنواع مخصصة للاستخدام القصير.
ولا ينبغي استخدام الملينات عشوائيًا أو لفترات طويلة، خصوصًا إذا تكرر الإمساك أو ظهرت أعراض غير معتادة. أما مكملات الميلاتونين (Melatonin) أو البروبيوتيك (Probiotics)، فقد تُناقش في بعض الأبحاث المتعلقة بالسفر والساعة البيولوجية، لكن الأدلة الخاصة باستخدامها تحديدًا لعلاج اضطراب الأمعاء الناتج عن السفر لا تزال غير كافية لتوصية عامة بها للجميع.
غالبًا يكون تغير مواعيد التبرز بعد السفر مؤقتًا، لكن لا ينبغي افتراض أن كل تغير سببه فارق التوقيت. اطلب المشورة الطبية إذا استمر الإمساك أو تكرر بصورة واضحة، أو ظهرت علامات مقلقة مثل:
ويُنصح بمراجعة الطبيب عند استمرار الإمساك أو وجود دم في البراز أو ألم البطن أو حدوث تغير مفاجئ في عادات الأمعاء.
لا تنتظر حتى تبدأ المشكلة. إذا كنت تعرف أن الرحلات الطويلة تؤثر في مواعيد التبرز لديك، فابدأ من يوم السفر بالحرص على شرب الماء، والحركة، وتناول الطعام في أوقات قريبة من توقيت وجهتك. والأهم ألا تشعر بالقلق من تغير بسيط ومؤقت، فالجسم يحتاج أحيانًا إلى بضعة أيام حتى يتكيف مع إيقاعه الجديد.
نهايةً، في معظم الحالات، تتحسن مواعيد التبرز مع عودة النوم والطعام والنشاط إلى نمط منتظم. وتشير المراجعات الحديثة إلى أن مفهوم «اضطراب الأمعاء الناتج عن فارق التوقيت» واعد في تفسير بعض مشكلات الهضم المرتبطة بالسفر، لكن جزءًا مهمًا من الأدلة ما زال قائمًا على دراسات تجريبية أو أبحاث حيوانية، ولذلك لا يمكن اعتبار كل اضطراب بعد السفر دليلًا على وجود مشكلة في ميكروبيوم الأمعاء.
Loading ads...
ويبقى السؤال الأهم: إذا كانت ساعتنا البيولوجية تستطيع تغيير نومنا خلال رحلة واحدة، فإلى أي مدى يمكن أن تؤثر الرحلات المتكررة وتبدل مواعيد الطعام والنوم في صحة الأمعاء على المدى الطويل؟ وهل سنحتاج مستقبلًا إلى التعامل مع توقيت الطعام والضوء والنوم باعتبارها جزءًا من علاج اضطرابات الهضم، وليس مجرد عادات يومية؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





