إلى صغاري الأحباء الذين لم أنجبهم بعد،
لا أظن أن بإمكانكم قراءة رسالتي في مجلسكم في العدم.
لكن حدسي يخبرني بأنكم في انتظاري، ربّما تراقبونني يومياً، مُتسائلين: "متى تأتين بنا إلى الحياة يا ماما؟ سئمنا الانتظار".
يؤسفني أن أحمل إليكم هذا الخبر، لكن على الأرجح لن تأتوا أبداً.
فكّرت في اختلاق حجج واهية، كأن أقول: "لم ألتقِ بعد أباً مناسباً لكم، سأسعد بإنجابكم فور عثوري عليه".
لكنني، وأنتم، نعلم أنها كذبة. لقد قابلتُ كثيرين، وتشكلتم في رأسي مرّاتٍ ومرّات، فكرةً أرعاها في أحلام اليقظة، وتزورني أثناء نومي.
كادت "حليمة"، ابنتي الكبرى، أن تبلغ الثانية عشرة، أو أكثر، لو أنها عبرت الحاجز بين خيالي والواقع.
ليس للرجال شأن في ذلك. بخلاف قدرتي على تحمّل مسؤولياتكم كاملة، كغيري من النساء، كانت رغبتي في عدم الإنجاب شرطاً أساسياً أحمله معي من علاقة إلى أخرى، وأحياناً منفذاً للهروب من علاقات لم أرغب فيها منذ البداية.
لا يسعني إلا أن أخبركم أن حبّي لكم يقف حائلًا بيني وبين إنجابكم.
أحبكم كثيراً، وأشفق عليكم من حياةٍ أخشى أن أراكم تعبرونها يوماً.
أعلم أن اعترافي هذا قد يجعلكم تتهامسون في ما بينكم بأنني أنانية، فالحياة لن تحمل لكم المصاعب والآلام دائماً. حتى في خيالي، أحدثكم دائماً عن مصادر البهجة البسيطة التي أعرفها: الرسم، والألوان، والقراءة، والطعام، وبحر الإسكندرية.
أرى عيونكم في وجه كل طفل أقابله وأداعبه، فيبتسم. ليتني أراها فقط في وجوه أولئك الصغار السعداء، لكنني أراها أيضاً في وجوه من ينزحون عن بيوتهم ويعيشون أهوال الحروب، ومن يُقتلون ويُمزقون، ومن يعيشون في بيوت من جحيم لا تخلو من الشجار، ومن يُنبذون لأنهم مختلفون… هل تعلمون كم بكيت حين رأيت عيونهم؟ عيونكم؟
وإذا أردتم طمأنتي بأنكم تعلمون أن حبّي ورعايتي سيكفيان لحمايتكم من كل الاحتمالات الكارثية التي قد تدهسنا بها الحياة في طريقها، فسأضطر إلى الاعتراف بأن حبّي قد يمتد حتى يتحول إلى قيود تكبّل أيديكم الصغيرة، وتمنعكم من الانطلاق في الحياة كما تشاؤون. ربما بدافع الخوف والحماية، وربما بدافع غيرة لا يعترف بها الآباء والأمهات أبداً.
لقد أحبني أهلي بتلك الطريقة، وأحكموا قيودهم حولي، ولم أستطع التنصّل من جميعها بعد. لم يكن ذلك يحدث دائماً من خلال التحكّم بي أو بخيارات حياتي، لكن قيودهم المصنوعة من الألياف الغليظة للحب والآمال الكبيرة جعلتني أحياناً أتخلى طواعية عن طرق كانت تنتظرني، فقط كي لا أرى نظرة خذلان في أعينهم.
وأحياناً كنتُ أُحرم منها عنوةً، لأنها طرق "لا تشبه عائلتنا" ولا اختياراتنا الجمعية. بعض تلك المواقف أتفهمها الآن، بعدما كانت مصدر كل ذلك الغضب في بدايات شبابي. وأعلم أنني، في كثير من الأحيان، اخترت ألا أكون خروفاً ضالاً لا يشبه بقية أفراد أسرته.
كيف أحتضنكم دون أن تشتبكوا بقيودي أنا أيضاً؟ كيف أحتضنكم بذراعين ليستا حرتين تماماً؟
أكثر ما أخشاه في الأمومة أن أنغمس فيها حتى تصبح هويتي الوحيدة، كجدّتي وأمّي. لدينا إرث عائلي من تلك الأمومة العمياء التي تفنى فيها الأشياء كلها لأجل الأبناء وحدهم.
أرى نفسي فيها. أعلم أن وجودكم سيكون محور كل شيء، فهذه طبيعتنا، أعتقد.
كنت دائماً أظن أنه سيأتي يوم أتوقف فيه عن التفكير في كل السيناريوهات الكابوسية، وأفتح لكم باب العبور إلى هذا العالم.
تمضي ليالٍ كثيرة وأنا في حاجة إليكم. إلى رائحتكم، إلى صخبكم، وربما إلى التعلّق بأمل أن تكبروا وتصيروا نسخاً أفضل مني، أنا الجبانة التي تفضّل، في كثير من الأحيان، مشاهدة الحياة على ممارستها.
إنما كلما زاد احتياجي إليكم، أدركت أن وجودكم قد يكون لمجرد إرضاء رغبتي في الأمومة، دون أن ألتفت إلى حياتكم التي قد أفسدها دون قصد، حين أجلبكم عنوةً.
لن آتي بكم إلى هذا العالم إن كان وجودكم مرهوناً باحتياج غريزي. فماذا إن كان "حب الأمهات غير المشروط" مجرد كذبة أخرى؟
وماذا عن تلك المناقشة التي لا بد من أن نخوضها يوماً؟ حين أضطر إلى الاعتراف بأنني لم أكن أماً مثالية كما ظننتم؟
كيف سأحترم خصوصيتكم في عالم تهشّمت فيه تلك الخصوصية؟ هل سأكون قادرة على حمايتكم؟ أم بالأحرى، هل سأتقبل أنني غير قادرة على ذلك؟
لا أريد أن أطيل عليكم بالأسئلة.
أتمنى أن تتقبلوا اعتذاري، وأن تتفهموا أسبابي.
Loading ads...
تابع مقالاتنا وتحقيقاتنا المستقلة مباشرةً من هاتفك. استمتع بتجربة سهلة، سريعة، وخصوصية آمنة أينما كنت.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

بيرنام يقترح إعادة هيكلة ديون أفقر دول الكومنولث
منذ دقيقة واحدة
0





