8 أشهر
تعافٍ أم عزلة مصرفية؟.. أين تقف سوريا فعليًا من الاقتصاد العالمي؟
الثلاثاء، 4 نوفمبر 2025

رغم التصريحات الحكومية المتكررة عن انفتاح اقتصادي مرتقب واستعادة الثقة الدولية، تبدو سوريا اليوم أبعد ما تكون عن أي اندماج فعلي في النظام المالي العالمي، وفق ما يؤكده رجل الأعمال السوري غسان عبود، الذي يرى أن البلاد لا تزال تقبع في “المنطقة الرمادية الأقرب إلى السوداء” على مستوى التعاملات المصرفية الدولية، وأن البيئة المالية فيها “محظورة عمليًا” أمام أي استثمار حقيقي.
هذه الصورة القاتمة، كما يصفها عبود، تعكس فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني، في اقتصاد ما زال يعاني من العزلة والعقوبات والبيروقراطية والفساد، فيما تحاول الحكومة الترويج لسردية مختلفة عن تدفق رؤوس الأموال وتحسن المؤشرات.
استثمار مستحيل وثقة مفقودة
يقول عبود، الذي يمتلك أكثر من 140 شركة تعمل في قطاعات حيوية، خلال تصريحات نشرها عبر صفحته الرسمية بـ”فيسبوك”، إن زيارته الأخيرة إلى سوريا وتصريحاته حول إمكانية الاستثمار داخلها كانت كافية لإثارة الشكوك لدى البنوك الدولية المتعاملة مع مجموعته التجارية، ما أدى إلى تشديد إجراءات الرقابة والمراجعة عليها رغم ما تتمتع به من مصداقية في الأسواق العالمية.
هذا المثال الفردي، كما يشير، يختصر مأزق الاقتصاد السوري ككل، من غياب الثقة البنكية الدولية، واستمرار العزلة المصرفية التي تجعل تحويل الأموال أو استقبالها مهمة شبه مستحيلة.
ويضيف أن ما يقال عن عودة الاستثمارات أو فتح الأسواق لا يعدو كونه خطابًا ترويجيًا يفتقر إلى البنية القانونية والمصرفية القادرة على حماية الأموال وضمان الشفافية في التعامل.
وعود اقتصادية بلا أرضية مؤسسية
ألمح عبود إلى أن هذا يكشف أن مجرد محاولة الانخراط باسم سوريا يضع الشركات الدولية تحت مجهر التدقيق، مؤكدًا أن كل ما يقال عن تدفق الاستثمارات إلى سوريا لا يتعدى كونه “حبرًا على ورق”، إذ لا توجد بنية مالية قادرة على استقبال الأموال أو تحويلها أو حمايتها ضمن منظومة مصرفية شفافة ومعترف بها دوليًا.
ويرى أن المشكلة ليست في نقص السيولة أو في العقوبات وحدها، بل في غياب الشفافية المؤسسية التي تضعف الثقة الداخلية قبل الخارجية، فبحسب قوله، تُدار الملفات الاقتصادية بقدر كبير من الغموض، وتُستخدم كأدوات سياسية أو فئوية بدل أن تكون رافعة للإصلاح.
كما وجه انتقادًا لاذعًا لما وصفه بـ”الوعود الفارغة والتريندات الإعلامية” التي تملأ الخطاب الاقتصادي الرسمي، مشددًا على أن غياب الشفافية في إدارة الملف الاقتصادي يدفع المجتمع السوري إلى الانقسام الداخلي، ويزرع شعورًا بالاتهام المتبادل بين الداخل والخارج.
هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
سوريا وسويفت.. وعود معلقة
يصف عبود تحميل رجال الأعمال في الخارج مسؤولية إنقاذ الاقتصاد بأنه “خطأ أخلاقي وسياسي”، لأن الاستثمار لا يتحقق بالدعوات العاطفية بل بوجود بيئة قانونية مستقلة وضمانات مؤسسية لحرية رأس المال.
توقف رجل الأعمال عند ما وصفه بـ”الخيبة المتكررة” من تصريحات حاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر الحصرية، حول قرب انضمام البلاد إلى نظام “سويفت” (SWIFT) العالمي للتعاملات المالية، موضحًا أن هذا الانضمام لم يتحقق مطلقًا بسبب استمرار العقوبات الغربية وعدم إخضاع النظام المصرفي السوري لإصلاحات بنيوية جذرية.
ويقول إن الحديث عن “العودة إلى سويفت” دون معالجة ملفات الفساد والمساءلة ليس سوى “تجميل لفظي” لواقع مأزوم، موضحًا أن البنوك الدولية، تضع سوريا ضمن قائمة الدول الأعلى خطرًا في التحويلات، ما يجعل أي تعامل مصرفي معها خاضعًا لمراجعات معقدة قد تستمر لأشهر، بل وتعرض الشركات المشاركة لخطر إدراجها على قوائم الامتثال الدولي.
عزلة مالية وأخلاقية ممتدة
يضيف عبود أن ما تعانيه سوريا اليوم هو “عزلة أخلاقية” بقدر ما هي اقتصادية، ناتجة عن تراكمات عقود من غياب الإدارة الرشيدة، وضعف المحاسبة، وانعدام الرؤية المؤسسية.
ويرى أن طريق التعافي يبدأ من المكاشفة الصريحة مع الشعب والقطاع الخاص، وبإطلاق إصلاحات مالية شفافة توقف الهدر والتهريب وتعيد الثقة بين الدولة والمجتمع، لافتًا إلى أن الاقتصاد السوري، كما يصفه، ورث بلدًا محطمًا ومنهوبًا، وضع منذ نصف قرن على القوائم السوداء، ولا يمكن أن ينهض إلا بسياسات تضع المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات السياسية.
ويُعد غسان عبود، المقيم بين دبي وبروكسل، من أبرز رجال الأعمال السوريين في الخارج، إذ يمتلك أكثر من 140 شركة تعمل في قطاعات الإعلام والتجارة والخدمات اللوجستية.
بين الخطاب والواقع
تعبر تصريحات عبود الأخيرة عن حالة إحباط واسعة داخل مجتمع الأعمال السوري، الذي ينظر بريبة إلى الخطاب الحكومي حول “الانفتاح الاقتصادي”، ويرى فيه مجرد واجهة سياسية لا تستند إلى واقع مصرفي أو قانوني مؤهل لجذب الاستثمار.
بينما تتحدث دمشق عن “مرحلة التعافي”، تبقى البلاد فعليًا خارج النظام المالي العالمي، في عزلة مالية تكاد تكون أبدية ما لم تُطلق إصلاحات جذرية تعيد الثقة إلى مؤسسات الدولة وتفتح الباب أمام عودة رؤوس الأموال المهاجرة.
Loading ads...
يجدر الإشارة إلى أن سوريا نفذت أول تحويل مصرفي دولي مباشر عبر نظام سويفت للمدفوعات الدولية منذ اندلاع الحرب الأهلية التي استمرت 14 عاما، في حزيران/ يونيو الماضي، وأجريت أول معاملة تجارية من بنك سوري إلى بنك إيطالي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

