ساعة واحدة
من قيادة الجيش إلى منافسة نتنياهو.. كيف صعد “آيزنكوت” إلى واجهة الانتخابات الإسرائيلية؟
الخميس، 29 أكتوبر 2026
لم يكن صعود غادي آيزنكوت في الانتخابات الإسرائيلية أمراً محسوماً قبل التصويت؛ فالرجل الذي دخل السياسة قبل أربع سنوات فقط، وخرج من حكومة بنيامين نتنياهو بعد خلاف بشأن إدارة الحرب في غزة، تحول إلى أبرز منافسي رئيس الوزراء، حتى إن استطلاعات الخروج الأولية منحت المعسكر المعارض بقيادته أفضلية محدودة في بعض التقديرات.
ورغم أن فرز الأصوات أظهر لاحقاً تقدماً لمعسكر نتنياهو من دون أغلبية حاسمة، فإن أداء آيزنكوت كشف حجم التحدي الذي واجهه رئيس الوزراء بعد سنوات من الهيمنة السياسية.
جاء هذا الصعود مدفوعاً بإخفاق الأجهزة الإسرائيلية في منع هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، والانتقادات الموجهة إلى نتنياهو بشأن إدارة الحروب وتحديد أهدافها السياسية، وقدرة آيزنكوت على تقديم نفسه بديلاً يمتلك خبرة عسكرية مباشرة من دون أن يتخلى عن التشدد الأمني الذي يفضله قطاع من الناخبين.
كما سجلت الانتخابات مشاركة بلغت 77.7 بالمئة، وهي الأعلى منذ أكثر من عقدين، في مؤشر على احتدام المنافسة وأهمية التصويت في تحديد مستقبل القيادة الإسرائيلية.
لكن التحدي الذي مثله آيزنكوت لم يتحول تلقائياً إلى انتصار سياسي حاسم، فقد أظهرت النتائج الأولية المتقلبة أن معسكر نتنياهو والمعسكر المعارض لم يحققا أغلبية واضحة، بينما عززت الأحزاب العربية حضورها البرلماني، لتصبح عاملاً مؤثراً في حسابات تشكيل الحكومة.
وهكذا، لم تكن المسألة مجرد قدرة آيزنكوت على انتزاع الأصوات من نتنياهو، بل ما إذا كان يستطيع تحويل المعارضة لرئيس الوزراء إلى ائتلاف قادر على الحكم.
يبلغ آيزنكوت 65 عاماً، وهو ابن عائلة يهودية من أصول مغربية، نشأ في طبريا وإيلات قبل أن يصعد في صفوف الجيش الإسرائيلي إلى منصب رئيس الأركان، الذي شغله بين عامي 2015 و2019، لتمنحه خلفيته العسكرية ثقلاً خاصاً في انتخابات تهيمن عليها أسئلة الأمن ومسؤولية القيادة عن هجوم “حماس” في 7 أكتوبر 2023، حين فشلت الأجهزة الإسرائيلية في منع الهجوم الذي قادته الحركة من قطاع غزة.
بدأ آيزنكوت مسيرته السياسية عام 2022، عندما انضم إلى تحالف “المعسكر الوطني” بقيادة بيني غانتس، وبعد هجوم 7 أكتوبر، دخل مع غانتس حكومة الطوارئ التي شكلها نتنياهو، وشارك بصفة مراقب في مجلس الحرب، لكنه غادر الحكومة في حزيران/ يونيو 2024، معتبراً أن نتنياهو لم يتخذ القرارات الاستراتيجية اللازمة لتحقيق أهداف الحرب.
وفي أيلول/ سبتمبر 2025، أسس حزب “ياشار”، مقدماً إياه بديلاً يركز على الأمن القومي، وإصلاح مؤسسات الدولة، وتقليص الانقسامات الداخلية، وسرعان ما تحول الحزب إلى منافس بارز في استطلاعات الرأي، مستفيداً من رغبة قطاعات من الناخبين في تغيير القيادة، ومن صورة آيزنكوت بوصفه قائداً عسكرياً سابقاً قادراً على تحدي نتنياهو في المجال الذي طالما استند إليه الأخير سياسياً.
كما حملت الحرب خسارة شخصية لآيزنكوت، إذ قُتل ابنه غال في غزة، وكذلك اثنان من أبناء شقيقته، وقد عزز ذلك حضور الحرب في خطابه السياسي، لكنه لا يشكل دليلاً على تبنيه توجهاً أقل تشدداً تجاه الفلسطينيين أو خصوم إسرائيل الإقليميين.
تكمن أهمية خلفية آيزنكوت في أنها تتيح له انتقاد أداء الحكومة من داخل المؤسسة الأمنية، لا من موقع معارضة تفتقر إلى الخبرة العسكرية، لكنه يواجه في المقابل سؤالاً جوهرياً، هل يقدم استراتيجية مختلفة فعلاً، أم يعد بإدارة أكثر كفاءة للأهداف الأمنية ذاتها؟.
ويمثل ملف غزة أحد أبرز محاور الخلاف بين آيزنكوت ونتنياهو، لكنه لا يكشف قطيعة جذرية بينهما في الأهداف الأمنية، فقد انتقد آيزنكوت طريقة إدارة الحرب، معتبراً أن استمرار “حماس” في الحكم يعكس إخفاق الحكومة في تحقيق أهدافها، ومتعهداً بتفكيك الجناح العسكري للحركة وقيادتها خلال 18 شهراً، كما طرح نهجاً يربط إعادة إعمار القطاع تدريجياً بترتيبات أمنية ونزع جزئي للسلاح، مع الإبقاء على ممر أمني إسرائيلي.
وتضع هذه المواقف آيزنكوت في موقع من ينتقد نتائج الحرب وطريقة إدارتها، لا في موقع من يدعو إلى إنهائها وفق تصور مختلف جذرياً، فهو يعارض إقامة دولة فلسطينية، وقال إنه يفضل السلطة الفلسطينية على استمرار حكم “حماس” إذا انحصر الخيار بينهما، من دون أن يعني ذلك تبنيه حل الدولتين.
لكن تعهد تفكيك “حماس” خلال 18 شهراً يثير أسئلة عن قابلية التنفيذ، وعن الجهة التي ستتولى إدارة القطاع بعد ذلك، وكيف ستُضمن الخدمات وإعادة الإعمار والأمن، وما إذا كانت الترتيبات التي يقترحها ستفضي إلى استقرار مستدام أم إلى استمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية.
ولا تزال هذه الفجوة بين الأهداف العسكرية والتصور السياسي لمرحلة ما بعد الحرب تحدياً أمام المرشحين، فآيزنكوت يقدم نفسه قائداً أكثر قدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية، لكنه لم يطرح، وفق مواقفه المعلنة تصوراً متكاملاً يحسم جميع الأسئلة المتعلقة بحكم غزة ومستقبل الفلسطينيين.
فيما تحتل إيران موقعاً مركزياً في رؤية آيزنكوت الأمنية، بحكم خبرته في قيادة الجيش ومتابعة النفوذ الإيراني في سوريا ودعم طهران لـ”حزب الله”، ويعتبر برنامج “ياشار” إيران و”حماس” و”حزب الله” تهديدات رئيسية للأمن الإسرائيلي، ويؤكد ضرورة التعامل معها من موقع القوة العسكرية والاقتصادية.
بالنسبة للملف النووي الإيراني، تحدث آيزنكوت عن ضرورة التوصل إلى حل دائم يمكن التحقق منه، لتشمل المقترحات التي عرضها في مقابلة مع “جيروزاليم بوست” فرض قيود على المواقع التي لا تزال تضم يورانيوم مخصباً بدعم أميركي، وتوسيع العمليات السرية ضد القدرات الصاروخية الإيرانية إذا أخفقت الدبلوماسية.
ومع ذلك، لا يتمثل الفارق الأساسي بينه وبين نتنياهو في اعتبار إيران تهديداً من عدمه، فكلاهما يتبنى هذا التوصيف، بل في كيفية إدارة المواجهة، وحدود العمل العسكري، ودور واشنطن، وإمكانية الجمع بين الضغط الأمني ومسار دبلوماسي قابل للتحقق.
أما سوريا، فتعود خبرة آيزنكوت المباشرة في ملفها إلى سنوات رئاسته للأركان، حين ركزت إسرائيل على الوجود الإيراني ونشاط “حزب الله” داخل الأراضي السورية، ورغم هذا السجل إلا أنه لم تتضح حتى الآن له خطة حالية مفصلة بشأن مستقبل سوريا أو ترتيباتها الأمنية.
في لبنان، يدعم آيزنكوت إقامة منطقة أمنية وتعزيز دور الولايات المتحدة وفرنسا في مواجهة “الحزب” المدعوم من طهران.
أما اليمن و”الحوثيون”، فلا يظهر في برنامجه المعلن موقف مستقل ومفصل، وبذلك، لا تشير مواقفه الإقليمية إلى تحول واضح نحو تخفيف النهج الأمني الإسرائيلي، بقدر ما تعكس رغبة في إعادة تنظيمه وإدارته.
لم يحصر آيزنكوت حملته في القضايا الأمنية، بل سعى إلى مخاطبة الإسرائيليين الذين يواجهون ارتفاع تكاليف المعيشة، وإلى تقديم نفسه بديلاً عن حكومة يرى منتقدوها أنها عمقت الانقسامات الداخلية، ليركز برنامج “ياشار” على الطبقة الوسطى العاملة والشباب والعسكريين، مع طرح إجراءات لتشجيع المنافسة في الأسواق وتخفيف بعض القيود على الاستيراد.
وفي هذا السياق، يقترح الحزب رفع رواتب المجندين الإلزاميين بنسبة 15 بالمئة، وزيادة رواتب الجنود المقاتلين في عامهم الثالث بنسبة 50 بالمئة، وتتصل هذه التعهدات بملف سياسي حساس في إسرائيل، هو إعفاء قطاعات من اليهود المتشددين دينياً من الخدمة العسكرية، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الجيش والاحتياط بعد الحروب المتعاقبة.
وتشمل المقترحات تحدي ترتيبات الاستيراد الحصرية، وتوسيع الاستيراد الموازي، والحد من تركز القوة السوقية في قطاعات مثل الغذاء ومستحضرات التجميل، كما يدعو الحزب إلى زيادة المعروض من المساكن، وتوجيه مزايا الإسكان ودعم رعاية الأطفال إلى العاملين والطبقة الوسطى، إلى جانب منح أفضلية أكبر لمن يؤدون الخدمة العسكرية.
لكن البرنامج لا يقدم، في صورته المنشورة، تفاصيل مالية شاملة عن كلفة المقترحات ومصادر تمويلها أو أثرها المتوقع على الموازنة والأسعار، كما أن تخفيف قيود الاستيراد لا يضمن انخفاض الأسعار وحده، ما لم يصاحبه تنافس فعلي يحد من الاحتكار، بينما يتطلب توسيع الإسكان توفير الأراضي والبنية التحتية وتسريع البناء.
وبالتالي، فإن التحدي الاقتصادي أمام آيزنكوت لا يقتصر على تشخيص مشكلات المعيشة، بل يمتد إلى إثبات أن برنامجه قادر على تقديم نتائج قابلة للقياس، وتحديد من سيمولها ومن سيستفيد منها.
تظل حسابات تشكيل الحكومة العقبة الأبرز أمام آيزنكوت، فالإسرائيليون ينتخبون أحزاباً وقوائم برلمانية، وليس رئيس الحكومة مباشرة، ثم يكلف الرئيس المرشح الأقدر على تشكيل ائتلاف بالحصول على ثقة الكنيست، لذلك، لا يعني حصول حزب “ياشار” على عدد كبير من المقاعد أن آيزنكوت سيصبح رئيساً للوزراء تلقائياً.
وتشير التقديرات الأولية إلى أن معسكر نتنياهو نفسه يواجه صعوبة في بلوغ الأغلبية، ما يفتح الباب أمام مفاوضات قد تطول، أو حكومة أقلية، أو حتى انتخابات جديدة إذا تعذر التوصل إلى اتفاق، وفي المقابل، يحتاج آيزنكوت إلى التفاهم مع أحزاب من الوسط واليمين واليسار، في وقت قد تتعارض فيه مواقف هذه الأطراف بشأن التجنيد، والقضايا الدينية، والفلسطينيين، والسياسة الأمنية.
كما أن استبعاد آيزنكوت التعاون مع الأحزاب العربية يضيّق الخيارات المتاحة أمامه، رغم إمكانية أن تؤدي هذه الأحزاب دوراً حاسماً في دعم حكومة أقلية من خارج الائتلاف أو الامتناع عن التصويت ضدها، لكن هذا السيناريو قد يصطدم برفض بعض شركائه المحتملين، ما يجعل جمع الأصوات المعارضة لنتنياهو أسهل من تحويلها إلى حكومة متماسكة.
هكذا، مثّل آيزنكوت تحدياً لنتنياهو لأنه جمع بين الخبرة العسكرية والانتقاد المباشر لإدارة الحرب، وقدم بديلاً سياسياً يتعهد بإعادة ترميم الثقة بالمؤسسات ومعالجة بعض الملفات الاقتصادية والاجتماعية، لكنه لم يحسم، حتى الآن، التناقض بين رغبته في تغيير القيادة والخطوط الحمراء التي قد تعرقل تشكيل ائتلاف.
Loading ads...
ولا تبدو المنافسة بين الرجلين صراعاً بين نهجين متناقضين تماماً في الأمن، بقدر ما هي مواجهة على القيادة والمساءلة عن إخفاقات 7 أكتوبر وإدارة الحروب وتداعياتها، وقد ينجح آيزنكوت في إضعاف موقع نتنياهو أو حتى إزاحته، لكن ذلك لا يعني وحده أن إسرائيل تتجه إلى تحول استراتيجي، فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد الانتخابات، هل يستطيع تشكيل حكومة، وهل ستختلف قراراتها ونتائجها فعلياً عن السياسات التي انتقدها؟.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

