يعد الصيد البحري أحد القطاعات الاقتصادية المهمة التي تأثرت بشدة بفعل الحصار والحرب على غزة
في ساعات الفجر القارص، نزل الصياد الأربعيني عبد الرحمن القن برفقة ابن عمه يامن إلى بحر مدينة رفح جنوب قطاع غزة لمئات الأمتار فقط لصيد بعض السمك لإطعام عائلته والبحث عن رزقه، ولكنه تفاجئ بقارب مطاطي إسرائيلي قام بإطلاق النار عليه ما أدى إلى استشهاده على الفور داخل المياه وإصابة من معه بجروح.
بصعوبة ومخاطرة تمكن صياد آخر من إخراج جثة الشهيد عبد الرحمن وابن عمه يامن إلى البر، ثم نقلته سيارة إلى مجمع ناصر الطبي لتلقي العلاج وإنقاذ حياته بعد إصابته بعدد من رصاصات بحرية جيش الاحتلال الإسرائيلي.
حول ما حدث يقول الصياد محمد البردويل الذي شاهد جريمة قتل الصياد القن: "بحرية الاحتلال أرسلت قارباً مطاطياً بشكل مفاجئ على القرب من القارب الصغير الذي كان على متنه عبد الرحمن وابن عمه وأطلقوا الرصاص عليه بشكل مباشر".
يضيف البردويل في حديثه لـ"الخليج أونلاين": "استشهد عبد الرحمن على الفور واختلطت دماؤه مع مياه البحر، ولم يعد لأطفاله بالسمك بل عاد محملاً بفعل الاحتلال الإسرائيلي ومواصلته تنفيذ الجرائم بحق الصيادين".
يوضح أن ما حصل مع القن يحدث بشكل يومي مع الصيادين بمختلف مناطق قطاع غزة، وبين فترة وأخرى يستشهد عدد منهم، ويعتقل آخرين، بهدف منعهم من مواصلة الحصول على رزقهم واطعام عائلاهم.
إلى جانب القن، قتل جيش الاحتلال الإسرائيلي أيضاً الصياد عوض السلطان في بحر مدينة غزة شمال القطاع، وتركه لساعات داخل البحر حتى تمكن صياد آخر من سحب جثته وإخراجه إلى البر ثم إلى مستشفى الشفاء الطبي.
يعيش الصيادون في قطاع غزة ظروفاً صعبة، حيث تتحول رحلاتهم اليومية إلى البحر لمغامرة محفوفة بالموت والخطر، نتيجة الاستهداف المستمر من قبل بحرية الاحتلال الإسرائيلي.
تؤكد الأمم المتحدة أن جنود الاحتلال لا يترددون في إطلاق النار، أو اعتقال الصيادين الفلسطينيين، أو مصادرة قواربهم، حتى في المساحات المحدودة التي يسمح لهم بالصيد فيها.
وتبين الأمم المتحدة في بيانات منشورة عبر موقعها الإلكتروني أن الاستهداف الممنهج أدى إلى تراجع قطاع الصيد البحري، الذي كان يوماً ما أحد أبرز مصادر الأمن الغذائي في غزة، وبات الآن مصدراً للفقر والمعاناة، حيث تراجعت كميات الصيد، وتدهورت أحوال آلاف العائلات التي تعتمد على البحر كمصدر رزق، في ظل ندرة البدائل وانعدام فرص العمل.
ويعد الصيد البحري أحد القطاعات الاقتصادية المهمة التي تأثرت بشدة بفعل الحصار، حيث فرضت قيود مشددة على المساحات المسموح بها للصيد، ومنعت إدخال معدات ومواد الصيانة الضرورية لقوارب الصيد، مما فاقم من التدهور.
ويحذر خبراء من أن استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط سبل عيش الصيادين، بل يضعف القدرة العامة للقطاع على تأمين الغذاء لسكانه الذين يواجهون بالفعل ظروفًا إنسانية كارثية.
وشددوا على أن المجتمع الدولي مطالب بالتحرك العاجل لوقف الاعتداءات على الصيادين، ورفع القيود المفروضة على عملهم، بما يضمن الحد الأدنى من العدالة والكرامة.
وكان قطاع الصيد الفلسطيني يشكل مصدر رزق لأكثر من 6,000 فلسطيني، ويواجه حالياً انهياراً شبه تام، في ظل ما يصفه العاملون فيه بـ"الاستهداف الممنهج" للبنية التحتية الخاصة به.
ووفقاً لتقرير مشترك صادر عن مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان وشبكة المنظمات الأهلية في غزة، قتل ما لا يقل عن 202 شخصاً من العاملين في قطاع الصيد منذ اندلاع الحرب، بينهم 50 قتلوا بنيران الزوارق الاسرائيلية أثناء مزاولتهم لمهنتهم في البحر، كما أصيب أكثر من 300 آخرين، من بينهم 20 إصابة وقعت داخل البحر.
وأشار التقرير إلى أن أكثر من 90% من قوارب ومراكب الصيد، بالإضافة إلى غرف ومخازن الصيادين، تعرضت للتدمير بشكل الكامل، مما أدى إلى فقدان ما لا يقل عن 4,500 صياد و1,500 عامل في المهن المرتبطة بالصيد، مصدر دخلهم الوحيد.
كذلك، أكدت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، أن قطاع الصيد في غزة كان يشكل قبل الحرب مصدر رزق رئيسي لنحو 6,000 شخص، بينهم 4,200 صياد مسجل، وكان يعيل قرابة 110 آلاف نسمة في المجمل.
وأوضحت المنظمة في بيانات منشورة عبر موقعها الإلكتروني، أن الصيادين كانوا يواجهون قيوداً مشددة حتى قبل التصعيد الأخير، إذ كانت المناطق التي يسمح بها الصيد تقتصر على ستة أميال بحرية شمالاً و15 ميلاً جنوباً، أما اليوم، فأصبح الصيد يجري على بعد أمتار قليلة من الشاطئ، ما يجعل حياة الصيادين في خطر دائم.
وذكرت منظمة "الفاو" أن مرفأ غزة البحري، شمال وادي غزة، تعرض لأضرار جسيمة أدت إلى تدمير الغالبية العظمى من القوارب، مما فاقم أزمة الأمن الغذائي في القطاع.
وقالت: "الأسماك، التي كانت تشكل يوماً مصدراً حيوياً للبروتين والمغذيات الأساسية لسكان غزة، أصبحت شبه معدومة في السوق المحلي".
منسق لجان الصيادين في قطاع غزة، زكريا بكر، أكد أن اعتداءات قوات الاحتلال المتواصلة منذ إعلان وقف إطلاق النار أسفرت عن استشهاد صيادين اثنين، إضافة إلى وقوع حوادث غرق لعدد من الصيادين نتيجة انقلاب مراكبهم الصغيرة خلال محاولتهم العمل في ظروف بالغة الخطورة.
وقال بكر لـ"الخليج أونلاين": "بحرية الاحتلال الإسرائيلية اعتقلت 28 صياداً، في إطار سياسة التضييق المستمرة بحقهم ومنعهم من ممارسة مهنة الصيد والحصول على طعام لأطفال عائلتهم والحصول على بعض المردود المادي".
وبين أن عدد شهداء الصيادين منذ اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة ارتفع إلى 232 صياداً، من بينهم 67 استشهدوا أثناء محاولتهم الصيد، جراء الاستهداف المباشر لقواربهم وإطلاق النار عليهم في عرض البحر، وهي أحد إحصائية.
ويشير إلى أن صيادي غزة ما زالوا يدفعون ثمناً باهظاً للعدوان الإسرائيلي، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار.
وشدد بكر على أن الاحتلال لا يزال يمنع الصيادين من دخول البحر، ويبقيه مغلقاً بشكل كامل، في انتهاك واضح لبنود اتفاق وقف إطلاق النار.
ويوضح أن الصيادين، ورغم المخاطر الجسيمة والاستهداف المتكرر، يواصلون محاولاتهم لتأمين مصدر رزقهم الوحيد، في ظل أوضاع إنسانية واقتصادية شديدة القسوة.
Loading ads...
وذكر أن جيش الاحتلال ينتهك القانون الدولي والإنساني من خلال محاربته للصيادين وإطلاق النار عليهم وقتلهم.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






