2 أيام
لماذا لا تُرى التبعات الاقتصادية للإخفاء القسري والاعتقال التعسّفي في اليمن؟ - رصيف22
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

في مكان ما في مدينة عدن اليمنية، تعيش أسرة مكونة من أب وأم من كبار السن في خوف مستمر، خوف على ابنهما معيلهما الوحيد الذي أُخفي في سجون المجلس الجنوبي الانتقالي؛ خوف من أن تأتي نهاية الشهر ويطالب صاحب المنزل الذي يستأجرانه بأجرة البيت، أو أن ينتهي العلاج فيضطران إلى سؤال الناس مرةً أخرى بعدما كانت الأسرة لا تحني رأسها لأحد حتى وقت قريب.
وتنبّه رابطة أمهات المختطفين، في حديث إلى الأرشيف اليمني، إلى الهشاشة الاقتصادية التي تعيشها بعض أسر المخفيين قسراً في عدن، حيث تلجأ هذه الأسرة إلى الرابطة طلباً لمساعدة مالية لتغطية احتياجاتها الصحية، وهي مساعدة لا تستطيع الرابطة دائماً توفيرها. كما توضح أن العديد من الأسر التي تتابعها تعتمد على "المعونات" كمصدر دخل.
وفي خضم حرب مستمرة منذ عام 2014 وتلتهم قوت اليمنيين/ات جميعاً، تكسر ظهر أسر المغيبين أعباء أثقل حيث لا يغيب عنها معيلها فقط بل وتغيب معه قدرة الأسرة على استمرار الكسب وتوفير أساسيات الحياة.
وتنتشر مراكز الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية في مختلف أنحاء اليمن، وعلى امتداد مناطق سيطرة أطراف النزاع كافة. وفي تقاريره الأخيرة "داخل سجون ومراكز الاحتجاز في اليمن"، سلّط الأرشيف اليمني الضوء على مراكز الاحتجاز في مأرب، الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، ووثّق حملات الاعتقال التعسّفي التي نفذتها جماعة الحوثي في حق عاملين وعاملات في المجتمع المدني والمنظمات الإنسانية وكذلك المحتفلين بذكرى "ثورة سبتمبر"، والتي ترقى أحياناً إلى الإخفاء القسري، وكذلك حالات احتجاز وإخفاء قسري في مناطق كانت خاضعة سابقاً لسيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً.
في 12 كانون الثاني/ يناير 2026، وجّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بإقفال جميع السجون ومراكز الاحتجاز غير الشرعية في المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، والإفراج الفوري عن المحتجزين خارج إطار القانون. لكن هذه التوجيهات لم تُنهِ معاناة عائلات المغيبين.
ففي حديث مع الأرشيف اليمني، في آب/ أغسطس 2026، قالت رابطة أمهات المختطفين إنها لم ترصد إفراجات عن حالات المخفيين التي تتابعها عقب صدور القرار وهم 78 مخفياً قسراً، فيما لا تزال عائلات تطالب بالكشف عن مصير أبنائها. كما لم تبدّد صفقات تبادل الأسرى والمحتجزين بين الحكومة والحوثيين حالة الانتظار هذه. فبعد التوصّل في أيار/ مايو 2026 إلى اتفاق لتبادل 1728 أسيراً ومحتجزاً، برعاية الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، تعثّر تنفيذ الصفقة خلال الأشهر التالية، لتبقى عائلات كثيرة معلقة بين وعود الإفراج واستمرار التغييب.
وتزداد قسوة هذا الانتظار أمام الروايات المتداولة بشأن مصير بعض المغيبين. ففي مقابلة نُشرت عبر موقع "الهدهد"، نقلت المحامية والحقوقية هدى الصراري إفادات لصيادين قالوا إنهم شاهدوا جثثاً في البحر مقيَّدة ومكبَّلة بسلاسل حديدية، مشيرةً إلى أن الخوف من الانتقام يحول دون تقديم البعض شهاداتهم أمام القضاء.
وفي مكان آخر في أطراف مدينة الحديدة، تقبع امرأة لا تعرف عن مصير زوجها سوى أنه في سجون جماعة الحوثي في مدينة صنعاء. هي لا تعرف التوصيف القانوني الفعلي لقضية زوجها، ولا تعرف إن كان سجيناً أو معتقلاً تعسّفياً أو مغيَّباً، وما هو المصطلح الذي يمكنها استخدامه، كل ما تعرفه أنها استنفدت مدخرات أسرتها القليلة في رحلتها الأولى والوحيدة إلى مدينة صنعاء للبحث عن زوجها الذي لم تستطع زيارته في نهاية المطاف.
يزيد وصف الأمر تعقيداً أن زوجها يتصل بها من الحين إلى الآخر ولكن مصاريف الذهاب إلى صنعاء، والمتابعة أو توكيل محامٍ مكلفة وهي لا تملك في الوقت الحالي ما يسد جوع أبنائها.
وتقول المحامية بنيان جمال من الأرشيف اليمني: "قد تصل كلفة توكيل محامٍ لمتابعة مثل هذه القضايا إلى مليون أو مليون ونصف المليون ريال يمني (ما يوازي 2800 دولار أمريكي تقريباً). وتكلفة التنقّل من الأماكن النائية في اليمن قد تصل إلى 100 ألف ريال يمني أو أكثر (نحو 200 دولار أمريكي). وهذه مبالغ لا تملكها الأسرة المتوسطة الدخل في اليمن، فما بالك بالأسر التي تقبع تحت خط الفقر".
قابل الأرشيف اليمني سارة*، زوجة أحد المغيَّبين لدى جماعة الحوثي، والتي شرحت تفاصيل هذا الحمل الاقتصادي من وجهة نظرها، مفصّلةً "أعرف امرأة لديها طفلان وزوجها كان يعمل مع منظمة محلية. أخبرتني هذه المرأة أنها 'تديّنت من طوب الأرض'، وأنها تضطر إلى طلب المساعدة حتى من أشخاص من عائلتها البعيدة"، تختصر هذه الشهادة جانباً من الكلفة التي يفرضها الإخفاء القسري على الأسر اليمنية.
ولا يقتصر الضرر على غياب الشخص نفسه، بل يمتد إلى أعباء البحث عنه ومحاولة معرفة مصيره، وما يرافق ذلك من ضغوط اقتصادية واجتماعية متراكمة. ويشمل ذلك التنقل بين المدن والمحافظات، ومحاولة التواصل مع أشخاص قد يعرفون مكانه أو يستطيعون التدخّل للكشف عن مصيره، إلى تكاليف المحامين والوسطاء وغيرها من النفقات التي قد تستنزف موارد الأسرة المحدودة أصلاً.
ويصبح هذا الضرر أشد في بلد يعاني بالفعل نزاعاً عسكرياً لأكثر من عقد من الزمن، فضلاً عن الانهيار الاقتصادي وتآكل مصادر العيش الكريم. فالأسرة التي ربما كانت بالكاد قادرة على تغطية نفقاتها قبل إخفاء معيلها تجد نفسها فجأةً مضطرةً إلى إعادة ترتيب حياتها بالكامل. وغالباً ما تجد النساء أنفسهن أمام مسؤوليات اقتصادية إضافية إلى جانب أعمال الرعاية التي كن يقمن بها أصلاً. كذلك، قد تضطر المرأة، زوجةً كانت أو أماً أو ابنةً كبرى، إلى البحث عن مصدر دخل للمرة الأولى، أو زيادة ساعات العمل، أو الاعتماد على أعمال غير مستقرة.
ففي تقريرها حول حالات الانتهاك في عام 2023 فقط، رصدت رابطة أمهات المختطفين 103 مدنيين أخفوا قسراً لدى جهات مختلفة في اليمن. وغالباً ما تتحمَّل النساء جزءاً كبيراً من هذه الأعباء. فبحسب تقرير للمركز الدولي للعدالة الانتقالية (ICTJ)، يشكّل الرجال ما بين 70 و94% من ضحايا الإخفاء القسري في العالم في السنوات الأخيرة، بينما تقع على النساء في كثير من الحالات الكلفة الخفية التي يخلّفها تغييبهم.
تضيف سارة، للأرشيف اليمني، أنها اضطرت إلى زيادة عدد مناوبات العمل لتعويض النقص في الدخل في ظل غياب زوجها، فيما تروي عن حالة أخرى: "اعتُقلت أم لثلاثة أطفال، أرى زوجها يعاني كثيراً بعدما أصبح مسؤولاً عن رعاية أطفالهم الثلاثة بينما كانت أمهم المعيل الأساسي للأسرة. كانت جدتهم لأمهم تساعده في الاعتناء بهم في أثناء وجوده في العمل، لكنها توفيت وابنتها لا تزال معتقلة. سمعت هذا الأب يرجوهم (عناصر الأمن): أدخلوني أنا بدلاً منها، ودعوها تخرج كي تعتني بالأطفال".
رغم أن التوصيف القانوني لهذه القضية هو الاعتقال وليس الإخفاء القسري - لكون زوجها يزورها بين الحين والآخر- إلا أن الثقل الاقتصادي والاجتماعي والنفسي يظهر جلياً في القضايا التي تُقتلع فيها الأمهات من أسرها.
وفي وقتٍ تحتاج فيه هذه الأسر إلى الدعم المادي والمعنوي من المجتمع المحيط يمثّل الوصم الاجتماعي امتداداً للعقوبات المرتبطة بالإخفاء القسري. وتشير دراسة لفريق الأمم المتحدة العامل المعني بحالات الإخفاء القسري أو غير الطوعي إلى أن عائلات المخفيين قد تواجه الوصم والعزلة الاجتماعية، سواء بسبب الاتهامات الموجهة إلى الشخص المخفي أو لخشية المحيطين بهم من أن تطالهم تبعات التعامل مع أسرته. وقد يمتد ذلك إلى الأطفال أنفسهم، مؤثّراً في قدرتهم على الاستمرار في التعليم والحياة الاجتماعية بصورة طبيعية.
في اليمن، تمثل العلاقات الاجتماعية جزءاً أساسياً من شبكات الحماية والدعم والتكافل. وحين تتراجع ثقة المحيط الاجتماعي بالأسرة، أو يُنظر إليها باعتبارها مرتبطة بجهة مشبوهة سياسياً أو متهمة أمنياً، يمكن للخوف أن يدفع بعض الأقارب والمعارف إلى تقليل تعاملهم مع الأسرة، خشية أن يؤدي الارتباط بها إلى مساءلتهم هم أيضاً. وهنا تصبح الأسرة أكثر عزلة في وقتٍ تكون فيه بأمس الحاجة إلى الدعم. تقول سارة: "تحدّثني إحدى النساء بأن أولادها يتعرّضون للتنمّر، وينادونهم: 'يا عيال الجاسوس'، ويرمون عليهم الأشياء لمضايقتهم، ولا يتعاملون معهم في كثير من الأمور".
وتضيف: "نعيش حياة مؤقتة. لا أستطيع المواصلة في شيء. أنا في حالة انتظار دائم لا أفعل شيئاً ولا أعيش حياةً سوية. كل فترة، تنتشر شائعات عن أنه ستكون هناك إفراجات، فيتسرّب الأمل إلينا، ونتوقف عن الشعور بالضغط وننتظر أشهراً عدة، ولكن لا يتحقّق ذلك، فننهار من جديد".
في نيسان/ أبريل 2026، جدّدت رابطة أمهات المختطفين، مطالبتها باعتماد الـ18 من نيسان/ أبريل من كل عام (ذكرى تأسيسها) يوماً وطنياً لـ"حرية المختطف اليمني"، بهدف ترسيخ ذاكرة الضحايا وأسرهم وتعزيز المساءلة وإبقاء قضايا الاختطاف والإخفاء القسري والتعذيب حاضرة في الوعي العام. ولم تحظَ مطالبتها بقبول أو اهتمام رسميين حتى الآن.
وختاماً، جريمة الإخفاء القسري واحدة من أكثر الجرائم قسوة، إذ تترك الأسر في حالة ممتدة من الألم وعدم اليقين. وعلى أطراف النزاع كافة في اليمن الإفراج عن جميع المخفيين قسراً والمحتجزين تعسّفياً، والكشف عن مصير المفقودين وأماكن وجودهم، وإغلاق جميع مراكز الاحتجاز غير الرسمية وغير القانونية. كما يتعين على الحكومة المعترف بها دولياً الالتزام بقراراتها المتعلّقة بإغلاق مراكز الاحتجاز غير القانونية والإفراج عن المحتجزين خارج إطار القانون.
Loading ads...
كذلك، ينبغي أن تعترف برامج جبر الضرر صراحة بالأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للاحتجاز التعسّفي والإخفاء القسري. ففي حين يظل الكشف عن مصير المغيبين والإفراج عن المحتجزين الخطوة الأولى، إلا أن استعادة ما خسرته أسرهم، وضمان عدم اضطرارها إلى تحمّل كلفة الانتهاك وحدها، يبقى جزءاً لا يتجزّأ من العدالة نفسها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





