ساعة واحدة
قانون جمارك جديد في سوريا.. هل يفتح باب التسهيل ويغلق منافذ الفساد؟
الثلاثاء، 19 مايو 2026
أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم رقم 109 لعام 2026، المتضمن قانوناً جديداً للجمارك، يحل محل قانوني الجمارك رقمَي 37 و38 لعام 2006 وتعديلاتهما. وتقول الحكومة إن هذه الخطوة تهدف إلى تحديث الإدارة الجمركية، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الشفافية، وسط تساؤلات حول مدى قدرة القانون على الحد من الفساد وتحسين بيئة التجارة في البلاد.
ويتألف القانون الجديد من 264 مادة، تنظم عمل إدارة الجمارك، وآليات الاستيراد والتصدير والتخليص الجمركي، إضافة إلى قضايا التهريب والعقوبات والمحكمة الجمركية وصلاحيات الضابطة الجمركية.
وينص القانون على منح إدارة الجمارك شخصية اعتبارية واستقلالاً مالياً وإدارياً، وربطها مباشرة برئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، مع توسيع صلاحياتها في تنفيذ القوانين الجمركية، وتحصيل الرسوم، ومكافحة التهريب، وضبط المخالفات.
رأى الخبير الاقتصادي محمود إسماعيل، في حديث لموقع تلفزيون سوريا، أن قانون الجمارك الجديد يحمل توجهاً مختلفاً عن القوانين السابقة، لأنه "يركز أكثر على تسهيل حركة التجارة وتقليل التعقيدات التي كانت ترفع كلفة الاستيراد وتؤخر دخول البضائع إلى السوق".
وقال إسماعيل إن المشكلة خلال السنوات الماضية "لم تكن فقط في الرسوم الجمركية، بل في طول الإجراءات وتعدد الموافقات والقرارات المتداخلة، ما خلق بيئة مرهقة للتجار وفتح الباب أمام الفساد والابتزاز".
وأضاف أن "الفرق العملي الأهم مقارنة بقانون عام 2006 هو أن القانون الجديد يبدو أقرب إلى عقلية الإدارة الاقتصادية الحديثة، أي الانتقال من الجمارك بوصفها جهة جباية فقط إلى مؤسسة مرتبطة بتنظيم التجارة وحماية السوق وتسهيل الحركة الاقتصادية".
واعتبر أن نجاح القانون مرتبط بآليات تطبيقه، موضحاً أن "تبسيط الإجراءات وحده لا يكفي لمحاربة الفساد، لأن المشكلة في سوريا أعمق من النصوص القانونية".
وشدد على ضرورة رقمنة العمل الجمركي وتقليل الاحتكاك المباشر بين الموظف والتاجر، باعتبار أن هذه النقطة "كانت أحد أبرز أبواب الفساد سابقاً".
وأشار إسماعيل إلى أن منح إدارة الجمارك استقلالية أكبر "قد يكون إيجابياً إذا كان الهدف تسريع القرار ورفع الكفاءة"، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن ذلك يحتاج إلى "رقابة مؤسساتية واضحة حتى لا تتحول الاستقلالية إلى نوع من المركزية المغلقة".
وختم بالقول إن القانون "قد يشكل بداية جيدة لتحسين بيئة التجارة إذا ترافق مع إصلاح إداري حقيقي، أما إذا بقي التغيير على مستوى النصوص فقط، فلن يشعر السوق بفارق كبير على أرض الواقع".
من جهته، قال باسل طحان، نائب رئيس جمعية المخلصين الجمركيين في دمشق وريفها، إن صدور القانون الجديد كان خطوة منتظرة منذ فترة، معتبراً أنه يمثل "قانوناً عصرياً يواكب المرحلة المقبلة".
وأوضح، خلال مداخلة على شاشة تلفزيون سوريا، أن القانون تضمن تطويراً مقارنة بالقوانين السابقة، وساهم في إزالة بعض حالات الغموض والثغرات الموجودة في قانون 38 لعام 2006، مشيراً إلى أن من أبرز التعديلات إلغاء بعض الأنظمة المتعلقة بتعليق الرسوم داخل المستودعات.
لكنه أشار، في الوقت نفسه، إلى وجود بعض النقاط التي تحتاج إلى مزيد من التوضيح، ولا سيما ما يتعلق بصلاحيات الضابطة الجمركية، معتبراً أن القانون كان سيصبح "أكثر تكاملاً" لو جرى إعداده بتشاركية أكبر مع العاملين والخبراء في القطاع.
وقال طحان إن إدارة المنافذ والجمارك "كان يُفترض أن تستفيد أكثر من خبرات العاملين في المجال، ولا سيما في ملفات تبسيط الإجراءات ومكافحة الفساد".
وانتقد إيقاف العمل بنظام "الأسيكودا" المستخدم لتسجيل البيانات إلكترونياً، معتبراً أن ذلك قد يؤدي إلى تعقيد بعض الإجراءات، في وقت تحتاج فيه الإدارة الجمركية إلى مزيد من التطوير التدريجي والتشاركية.
كما لفت إلى أن القانون ألغى عملياً صفة "المخلص الجمركي" الفردية، واتجه نحو العمل عبر الشركات، واصفاً ذلك بأنه "سابقة غريبة" مقارنة بالدول المجاورة والأوروبية التي لا تزال تعتمد نظام المخلص الجمركي الفردي.
ورغم ملاحظاته، أكد طحان أن القانون الجديد "أفضل من السابق"، لكنه يحتاج إلى تعليمات تنفيذية واضحة، وإلى انفتاح أكبر من الإدارة على المختصين والعاملين في القطاع.
يركز القانون الجديد على تبسيط الإجراءات الجمركية، عبر تسهيل التخليص والإفراج عن البضائع، واعتماد التبادل الإلكتروني للمعلومات، وتبسيط آليات دفع الرسوم، إضافة إلى السماح بتصحيح الأخطاء الشكلية في البيانات الجمركية بدلاً من تعطيل المعاملة بالكامل.
كما ينظم القانون أوضاع الترانزيت والمناطق الحرة والمستودعات الجمركية والإدخال المؤقت وإعادة التصدير، مع فرض ضمانات وكفالات تحددها إدارة الجمارك للحد من إساءة استخدام هذه الأنظمة.
وفي ملف الإعفاءات، يحدد القانون حالات الإعفاء من الرسوم والضرائب، بما يشمل الإعفاءات الدبلوماسية والقنصلية وبعض الإعفاءات العسكرية، إضافة إلى إعفاءات الأمتعة الشخصية والعينات التجارية وبعض المواد المخصصة للجهات العامة والخيرية والتعليمية.
ويتضمن القانون أيضاً تنظيماً لعمل شركات التخليص الجمركي، إذ يشترط الترخيص لمزاولة المهنة، ويلزم الشركات بحفظ الوثائق والسجلات، مع إمكانية معاقبتها بالإنذار أو الغرامة أو إيقاف الترخيص أو شطبه في حال المخالفة.
ويمنح القانون صلاحيات واسعة للضابطة الجمركية، إذ يعدّ العاملين في الجمارك من رجال الضابطة العدلية ضمن حدود اختصاصهم، ويلزم عناصر الضابطة الجمركية بارتداء الزي الرسمي وحمل السلاح أثناء أداء المهام.
كما يسمح لرئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، بالتنسيق مع وزارتَي الدفاع أو الداخلية، باختيار عسكريين للعمل في الضابطة الجمركية، شرط ألا تقل رتبتهم عن "ملازم أول".
ويتضمن القانون إحداث "أكاديمية للعلوم الجمركية" لتدريب وتأهيل العاملين، على أن تعتمد نتائج التدريب في تقييم الموظفين وأهليتهم لشغل الوظائف.
ويعرّف القانون التهريب بأنه إدخال البضائع إلى البلاد أو إخراجها منها خلافاً للقوانين والأنظمة، سواء عبر عدم المرور بالمكاتب الجمركية أو باستخدام وثائق وبيانات مخالفة أو مزورة.
ويفرض القانون غرامات مشددة على مخالفات التهريب، تصل إلى ثمانية أمثال قيمة البضائع الممنوعة، إضافة إلى مصادرة البضائع ووسائط النقل في بعض الحالات.
كما يمنح المحكمة الجمركية صلاحية مصادرة البضائع أو الحكم بما يعادل قيمتها عند تعذر ضبطها، فضلاً عن مصادرة وسائل النقل والأدوات المستخدمة في عمليات التهريب.
وينظم القانون أيضاً آليات المصالحة والتسوية الجمركية قبل صدور الأحكام القطعية، ضمن شروط وغرامات يحددها القانون.
ومن أبرز البنود اللافتة في القانون، تخصيص 40 بالمئة من حصيلة الغرامات وقيم المصادرات للعاملين في الهيئة وصناديق مكافحة التهريب، مقابل 60 بالمئة للخزينة العامة، وفق آلية توزيع يحددها رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك.
كما يجيز القانون مكافأة "المخبرين والحاجزين" المشاركين في كشف عمليات التهريب أو استكمال إجراءاتها.
ويأتي قانون الجمارك الجديد ضمن سلسلة إجراءات اتخذتها الحكومة خلال الأشهر الماضية لإعادة تنظيم قطاع المنافذ والتجارة الخارجية، بعد جدل واسع رافق قرارات توحيد الرسوم الجمركية وتعديل التعرفات في المعابر.
Loading ads...
وكانت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك قد أعلنت سابقاً أن توحيد الرسوم يهدف إلى “رفع مستوى المعيشة وجذب الاستثمارات”، في حين أثارت تلك القرارات اعتراضات من تجار ومستوردين بسبب انعكاسها على الأسعار وحركة الأسواق.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


