هل يمكن أن تتحول شهرة زعيم سياسي إلى رأسمال انتخابي يعيد حزبه إلى الواجهة بعد هزيمة قاسية؟
هذا هو الرهان الذي تضعه ورقة بحثية للباحث نبيل زكاوي على حالة عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي، الذي لا تتعامل معه الورقة باعتباره مجرد قائد لحزب سياسي، وإنما بوصفه "علامة سياسية" قائمة بذاتها، راكمت عبر سنوات من الحضور السياسي والإعلامي والجماهيري رصيدا قد يتجاوز في تأثيره صورة الحزب نفسه.
وتبحث الورقة،الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، بعنوان "الشهرة السياسية رأسمالا انتخابيا: بنكيران ورهان عودة حزب العدالة والتنمية المغربي"، أثر شخصنة السياسة في السلوك الانتخابي المغربي، مستعينة بأطر علم النفس السياسي ونظريات التسويق والتمثيل السياسي لفهم حالة بنكيران، وما إذا كانت كاريزمته وشهرته وعفويته وقدرته على التواصل المباشر مع الجمهور قادرة على إعادة تعبئة القاعدة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية بعد تراجعه الحاد في انتخابات 2021.
وتنطلق الورقة من تحول أوسع لم يعد مقصورا على المغرب؛ إذ لم تعد الانتخابات في الديمقراطيات المعاصرة منافسة بين برامج وأيديولوجيات وأحزاب فقط، وإنما أصبحت صور القادة وحضورهم العام جزءا متزايد الأهمية من عملية تشكيل القرار الانتخابي. ومع كثافة التغطية الإعلامية وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، ظهر ما تسميه الأدبيات "السياسي المشهور": السياسي الذي لا يكتفي بعرض برنامجه، وإنما يستخدم أدوات التسويق والترفيه والتواصل الشخصي لإقامة علاقة مباشرة وعاطفية مع الجمهور، بحيث تتحول شهرته نفسها إلى رأسمال سياسي وانتخابي.
وفي الحالة المغربية، تضع الورقة بنكيران في قلب هذه الظاهرة. فهو بالنسبة إليها سياسي راكم شهرة وحضورا إعلاميا وتواصلا جماهيريا، مستندا إلى شخصية كاريزمية وأسلوب عفوي، وتكتسب عودته إلى قيادة العدالة والتنمية أهمية مضاعفة لأنها تأتي بعد الهزيمة الانتخابية الكبيرة التي تعرض لها الحزب في 2021. ومن هنا يصبح السؤال ليس فقط عن شعبية بنكيران، وإنما عما إذا كانت هذه الشعبية تستطيع أن تتحول إلى أصوات تعيد الحزب إلى موقع متقدم في المشهد الانتخابي.
تبدأ الورقة من فكرة أساسية في السلوك الانتخابي: الناخب حين يصوت لحزب لا يختار برنامجا مجردا، وإنما يختار أيضا الأشخاص الذين سيتولون تنفيذ السياسات. ولهذا ازدادت أهمية صورة القائد مع تراجع الروابط الحزبية التقليدية وكثافة الحضور الإعلامي للسياسيين.
ومن هنا ظهر ما تسميه الأدبيات "تأثير القائد"، أي القيمة الانتخابية الإضافية التي يستطيع زعيم وطني أن يجلبها لحزبه من خلال قوة صورته العامة. فقد يصوت الناخب للحزب لأن قائده تحديدا يجسد في نظره مجموعة من الصفات والتوقعات التي يريدها في القيادة.
ولا تنفصل، في هذه الحالة، صورة الزعيم عن صورة حزبه. فالناخب قد يرى في القائد تجسيدا للحزب نفسه، وعندئذ تنتقل التقييمات الإيجابية أو السلبية للشخص إلى التنظيم الذي يقوده. وكلما نجح القائد في الظهور بوصفه التعبير الأكثر وضوحا عن حزبه، أصبحت رسالته الشخصية جزءا من رسالة الحزب، وربما غطت عليها.
وتستدعي الورقة هنا عالم التسويق لتفسير السياسة. فكما تنتقل بعض صفات الشخصية المشهورة إلى السلعة التي تروج لها، يمكن أن تنتقل صفات السياسي المشهور إلى الحزب الذي يمثله. فإذا كان الجمهور معجبا بالشخص ومتفاعلا معه، فقد يمتد هذا التعاطف إلى الحزب الذي يقوده.
وبهذا المعنى لا تكون شهرة بنكيران مجرد نتيجة لموقعه السياسي، وإنما تتحول إلى رأسمال يمكن للحزب استثماره انتخابيا.
وتعزز منصات التواصل الاجتماعي هذه الظاهرة؛ لأنها تقلل المسافة بين المجال العام والحياة الشخصية، وتجعل الناخب أكثر تعرضا للسياسي باعتباره إنسانا له طريقته في الكلام والضحك والغضب والتفاعل، لا مجرد مسؤول يقرأ برنامجا انتخابيا. وتوضح الورقة أن المحتوى المرئي أصبح عنصرا أساسيا في التعبئة والإقناع السياسيين، وأن مشاعر الجمهور تجاه قادة الأحزاب أصبحت تؤثر بصورة متزايدة في الدعم الانتخابي.
وهنا بالضبط تجد الورقة نموذجها المغربي الأوضح: عبد الإله بنكيران.
ترى الورقة أن المغرب يضم عددا من السياسيين المشهورين، لكن بنكيران يظل حالة مميزة بينهم إلى درجة أنه سياسي "يُعرف بسهولة باسمه الأول". وشهرته، بحسب الورقة، ليست مجرد شهرة صنعتها أدوات العلاقات العامة، وإنما ترتبط بنمط العلاقة التي أقامها مع الجمهور وطريقته المختلفة في التواصل السياسي.
فبنكيران يقدم نفسه بصورة مناقضة لصورة السياسي المنمق والمحسوب في عباراته وحركاته. ويجمع أسلوبه بين الخطاب السياسي العقلاني وبين حضور قوي للعاطفة والعفوية، بحيث لا تبدو السياسة معه منفصلة عن شخصيته.
وتضع الورقة الصراحة في مقدمة عناصر هذه الصورة. فهو يبدو لمتابعيه صريحا في مواقفه، وحتى حين لا يكشف موقفه كاملا فإنه يترك إشارات وتلميحات تحافظ على اهتمام جمهوره. كما يتمتع بقدرة واضحة على التعامل مع المواقف غير المخطط لها، ويبدو أكثر ارتياحا في الظهور العلني العفوي منه في الصورة الرسمية شديدة الانضباط.
بل إن زلاته الخطابية نفسها تدخل، في قراءة الورقة، في بناء صورته العامة. فهي تثير الجدل، لكنها في الوقت ذاته تدعم لدى جمهوره الانطباع بأنه يتحدث على سجيته ولا يقدم شخصية مصنوعة بعناية. وتضع الورقة هذه الخرجات داخل ما تسميه "المساحة المرخصة للتجاوز"، أي المساحة التي يستطيع السياسي أن يخرج فيها عن المألوف من دون أن يتجاوز الحدود القائمة.
ولا يتوقف الأمر عند الكلام. فبنكيران يوظف الجانب العاطفي من شخصيته السياسية، وقد ظهر باكيا أكثر من مرة في تجمعاته، كما استخدم في حضوره على مواقع التواصل مشاهد منزلية تمنحه صورة أكثر قربا من الناس. وتربط الورقة ذلك بأهمية بساطة الصورة السياسية وقدرتها على الوصول إلى الجمهور عاطفيا وفكريا.
ولهذا لا يقوم تأثير خطابه، بحسب الورقة، على الظهور باعتباره خطيبا استثنائيا يقدم خطابا سياسيا تقليديا، وإنما على بناء علاقة تبدو شخصية وعاطفية مع الجمهور. ويتحدث عن تجربته ومشاعره، ويكثر من الظهور العفوي وغير المنظم، الأمر الذي جعله مادة دائمة للتغطية الإعلامية، وإن كان حضوره الكثيف يجعله في المقابل أكثر عرضة للنقد.
تولي الورقة مساحة لافتة لروح الدعابة عند بنكيران، وتعدها أحد العناصر التي ميزت صورته السياسية، خصوصا بالنظر إلى خلفيته الإسلامية. فالدعابة، في قراءتها، حالت دون ظهوره في صورة السياسي الديني المتشدد، ومنحته قدرة على التواصل مع الجمهور بصورة مختلفة عن الصورة الرسمية الجامدة لعدد من قادة الأحزاب.
ولا يكتفي بنكيران بإلقاء النكات، بل يستخدم السخرية من نفسه أيضا وسيلة للتواصل العاطفي، وهو ما يجعله أقرب إلى نموذج "السياسي المسلي" الذي يمتلك قدرة على جذب الجمهور إلى متابعة السياسة من خلال شخصه.
وتصل الورقة في وصف هذه القدرة إلى اعتباره "فنان تواصل"؛ لأنه يمارس السياسة أيضا باعتبارها أداء ثقافيا يستعين بإيماءات وصور مستمدة من الثقافة الشعبية، ويعرف كيف يحول ظهوره نفسه إلى حدث قابل للمتابعة.
وهذا الحضور ليس خاليا من التناقضات. فالورقة تشير إلى تغير بعض مواقفه، وإلى ما تعرض له من انتقادات بسبب بعض تصريحاته، ومنها ما تعلق بالمرأة، لكنها تلفت في الوقت نفسه إلى استمرار حضوره لدى قطاعات من الجمهور، وإلى أن الجدل المتكرر حول تصريحاته لم يؤد إلى إخراجه من المجال العام، بل ظل جزءا من شهرة الرجل وحضوره السياسي.
ومع تقدمه في العمر، تقدم الورقة بنكيران باعتباره سياسيا ما زال شديد الطموح، ويريد أن يتحمل بنفسه العبء الأكبر من التواصل الانتخابي لحزبه. فهو يضع شخصيته في مقدمة الحملة، ويقدم نفسه باعتباره زعيما يكسر القوالب المعتادة وقادرا على تقديم بديل لقيادة الحكومة.
وهنا تنتقل الورقة من السؤال عن صناعة شهرة بنكيران إلى السؤال الأهم بالنسبة إليها: ماذا يمكن أن تفعل هذه الشهرة في صناديق الاقتراع؟
هناك فارق تلفت إليه الورقة بين بنكيران وبقية مرشحي العدالة والتنمية. فالمرشح يخوض معركته داخل دائرته المحلية، بينما يستطيع الأمين العام للحزب أن يخوض حملة وطنية، متنقلا بين المدن والمهرجانات الخطابية.
ومن ثم يصبح بنكيران، بحسب تعبير الورقة، أكثر من مجرد أداة اتصال للحزب؛ إنه "النجم" الذي يستطيع أن يقود الفريق الحزبي في المنافسة الانتخابية.
وتقوم حملته بدرجة كبيرة على العاطفة. ففي بيئة تضعف فيها الروابط بين الناخبين والأحزاب، يصبح حضور الشخص أكثر أهمية، ويعمل بنكيران على زيادة ظهوره الإعلامي ودفع الناخبين إلى النظر إليه بوصفه شخصا قريبا منهم، يشبههم، ويستطيع جذب انتباههم.
وتولي الورقة أهمية خاصة للناخبين الذين لا يرتبطون بانتماء حزبي قوي؛ إذ يمكن للحملة العاطفية أن تلعب معهم دورا أكبر من دورها مع أصحاب الولاءات الحزبية المستقرة. ويستخدم بنكيران، وفق التحليل الذي تستند إليه الورقة، الحماس لتقوية ميول مؤيديه، بينما يمكن للخطاب القائم على التخويف من البدائل أن يؤدي دورا في استمالة المترددين.
وتزداد أهمية شخصية القائد عندما تتشابه البرامج الحزبية. فإذا لم يجد الناخب فروقا كبيرة بين ما تعرضه الأحزاب، فقد يتحول من مقارنة البرامج إلى مقارنة الأشخاص، وعندئذ تصبح الكاريزما والشهرة والثقة والحضور عوامل أشد تأثيرا.
وتلخص الورقة هذا المنطق بقاعدة واضحة: "حينما تتراجع أهمية الأحزاب، تزداد أهمية القادة".
ولا ترى الورقة أن دور بنكيران يقتصر على إقناع من قرروا بالفعل الذهاب إلى صناديق الاقتراع، وإنما يمكن أن يمتد إلى التعبئة والمشاركة. فشعبية القائد قد تدفع إلى التصويت أشخاصا لم يكونوا متحمسين للمشاركة أصلا، وبذلك يستعيد الزعيم إحدى الوظائف التي كانت الأحزاب تؤديها تقليديا: إخراج الناخب إلى صندوق الاقتراع.
هنا تستدعي الورقة التاريخ الانتخابي القريب لحزب العدالة والتنمية.
فالحزب حقق نتائج قوية في انتخابي 2011 و2016 عندما كان بنكيران في موقع القيادة، بينما جاءت الهزيمة الانتخابية في 2021 في مرحلة قيادة سعد الدين العثماني. وتستخدم الورقة هذه المقارنة لتأكيد المكانة التي تحتلها شخصية بنكيران في الصورة الانتخابية للحزب.
وبحسب طرحها، فإن بنكيران لا ينافس قادة الأحزاب الأخرى بشخصيته فقط، وإنما يستطيع أن يصبح أكثر حضورا من حزبه نفسه، بحيث يتغير تقييم التنظيم عندما يتصدر زعيمه المشهد. وتصفه الورقة، بالاستناد إلى أدبياتها النظرية، بأنه يستطيع أن يصبح "مصدر المصداقية المجسدة" بما تكثفه صورته لدى الجمهور من تصورات عن الكفاءة والنزاهة والثقة والاهتمام بمصالح المواطنين.
وفي المقابل، يدخل بنكيران المنافسة من موقع المعارضة، وهو ما يسمح له بتوجيه النقد إلى أحزاب الائتلاف الحكومي وربط الأوضاع والمشكلات التي شهدتها فترة الحكومة القائمة بالقوى التي تديرها.
ولا يكتفي خطابه، كما ترصده الورقة، بالترويج لحزب العدالة والتنمية وخططه، وإنما يتضمن الهجوم على المنافسين، وفي مقدمتهم حزب التجمع الوطني للأحرار وزعيمه رئيس الحكومة عزيز أخنوش، ثم حزب الأصالة والمعاصرة. وفي الوقت نفسه، تشير الورقة إلى دخول الحزبين نفسيهما في تراشق وتبادل للاتهامات، بينما تتزايد متابعة المهرجانات الخطابية لبنكيران.
وهكذا يصبح رهان العدالة والتنمية في قراءة الورقة قائما على معادلة مختلفة عن مجرد استعادة الناخبين القدامى: تحويل بنكيران نفسه إلى رأسمال انتخابي للحزب.
فالزعيم يمتلك الشهرة، والشهرة توفر الانتباه، والانتباه يفتح الطريق أمام التعبئة، والتعبئة يمكن أن تتحول إلى أصوات.
ولهذا ترى الورقة أن عودة بنكيران إلى قيادة الحزب تمنح العدالة والتنمية فرصة للتقدم في ترتيب النتائج، بينما تظل مسألة الوصول إلى المرتبة الأولى مرتبطة بالبيئة التي ستجري فيها الانتخابات ومدى انفتاحها وتنافسيتها وشفافية عملية التصويت.
وبذلك لا تصبح الانتخابات بالنسبة إلى الورقة اختبارا لحزب العدالة والتنمية وحده، وإنما اختبارا لظاهرة بنكيران نفسها: سياسي بنى عبر سنوات علاقة مباشرة مع جمهوره، وحول الصراحة والعفوية والدعابة وحتى الجدل والزلات إلى مكونات في صورة عامة شديدة الخصوصية، ثم عاد ليضع هذا الرصيد كله في خدمة حزب خرج من انتخابات 2021 مثقلا بهزيمته.
والرهان الذي تضعه الورقة أمام صناديق الاقتراع هو ما إذا كان الرأسمال الشخصي لعبد الإله بنكيران قادرا على أن يصبح رأسمالا انتخابيا للعدالة والتنمية، وأن يحمل الحزب معه في طريق العودة إلى واجهة السياسة المغربية.
Loading ads...
للاطلاع على الورقة البحثية كاملة (اضغط هنا)
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

ليس ما كُتب على العبوة.. خطر حقن التنحيف المزيفة
منذ دقيقة واحدة
0

جوليان أسانج يعود بعد سنوات طويلة من الغياب
منذ دقيقة واحدة
0

هيئة بحرية: مقذوف مجهول أصاب ناقلة في مضيق هرمز
منذ دقيقة واحدة
0

ضربة للنظارات الذكية بعد تحقيقات في "شبهات تحرش"
منذ دقيقة واحدة
0

