2 أشهر
مع اتساع مطالب المحاسبة.. لقاءات حكومية في حلب وإدلب لاحتواء الشارع
الجمعة، 19 يونيو 2026
تتكثّف في المشهد السوري خلال الأيام الأخيرة إشارات متداخلة بين الشارع والسلطة، عنوانها الأبرز: العدالة، وكيفية الوصول إليها، ومن يملك حق تحديد مسارها.
فخلال أسبوع واحد، انتقلت المطالب من حالة نقاش عام إلى حراك ميداني واسع شمل عدداً من المحافظات، وصولاً إلى احتكاكات أمنية محدودة في بعض المناطق، ما أعاد ملف المحاسبة إلى صدارة المشهد بوصفه اختباراً فعلياً لقدرة الدولة على إدارة مرحلة ما بعد الصراع.
في المقابل، بدت الحكومة السورية وكأنها التقطت حساسية اللحظة، فتحرّكت على أكثر من خط، عبر سلسلة لقاءات غير رسمية مع فعاليات محلية وإعلامية في حلب وإدلب كان أبرزها، في محاولة لاحتواء التوتر المتصاعد، وفتح قنوات تواصل مباشرة مع بيئات كانت في مقدمة الحراك الشعبي خلال الأيام الماضية.
هذه اللقاءات، وإن قُدمت في إطار حواري أو تواصلي، إلا أنها تعكس إدراكاً رسمياً بأن ما يجري يتجاوز كونه مطالب مطلبية عابرة، إلى حالة ضغط اجتماعي متراكمة مرتبطة بملف العدالة الانتقالية، وتحديداً بمسألة محاسبة المتهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة خلال السنوات الماضية، ومنع عودتهم إلى المجال العام دون مساءلة.
في إدلب، التي شكّلت إحدى أبرز ساحات النقاش، جاء لقاء مستشار الرئيس للشؤون الإعلامية الدكتور أحمد موفق زيدان مع إعلاميين وناشطين ليقدّم، بصورة مباشرة، مقاربة الدولة لهذا الملف. حيث شدد زيدان على أن العدالة يجب أن تمر حصراً عبر مؤسسات الدولة والقضاء، رافضاً أي مسارات خارج هذا الإطار، ولا سيما الدعوات إلى الانتقام الفردي أو المعالجات غير القانونية.
وخلال اللقاء، بدا واضحاً أن النقاش لم يقتصر على الجانب القانوني، بل امتد إلى حالة الاحتقان الشعبي نفسها، في ظل تصاعد الدعوات على المنصات الرقمية للتحرك ضد المتهمين بالانتهاكات. وفي هذا السياق، أعاد زيدان التأكيد على موقف الدولة المعلن في ملاحقة "المتورطين في الجرائم والانتهاكات" عبر القضاء، داعياً إلى اللجوء إلى الآليات القانونية، باعتبارها المسار الوحيد القادر على تحقيق العدالة ومنع الانزلاق إلى دوامات عنف جديدة.
هذا الطرح يتقاطع مع ما برز في لقاءات حلب أيضاً، حيث تم التركيز على مفهوم "العدالة المنضبطة"، التي تمنع تحول المطالب بالمحاسبة إلى أعمال ثأرية، وهو ما يعكس هاجساً واضحاً لدى المؤسسات الرسمية من فقدان السيطرة على إيقاع الشارع، خصوصاً في ظل تصاعد حدّة الخطاب في بعض المناطق.
ميدانياً، لم تكن التحركات الشعبية معزولة عن هذا النقاش، بل جاءت كرافعة رئيسية له. فقد شهدت محافظات متعددة، من دير الزور إلى إدلب وحماة وحلب ودمشق، مظاهرات واعتصامات رفعت شعارات تتمحور حول رفض إعادة دمج شخصيات متهمة بالانتهاكات، والتأكيد على أولوية المحاسبة وعدم التساهل مع مرتكبي الجرائم. وفي مناطق مثل تدمر، أخذ التوتر طابعاً أكثر حساسية مع تسجيل حوادث إطلاق نار، ما عكس هشاشة الوضع في بعض النقاط.
إلى جانب ذلك، برز بشكل لافت تداخل ملف العدالة مع خطاب الكراهية، (حيث صادف بالأمس اليوم العالمي لمكافحة خطاب الكراهية) إذ لم يعد الأخير مجرد انعكاس لغوي أو إعلامي، بل تحول في بعض الحالات إلى عامل محفّز للعنف، يغذي الانقسامات المحلية ويعيد إنتاجها في سياق جديد. وهو ما يضع مسار العدالة الانتقالية أمام تحدٍ مزدوج: تحقيق المحاسبة من جهة، ومنع تفكك المجتمع من جهة أخرى.
في هذا الإطار، تحاول المؤسسات المعنية بالعدالة الانتقالية تقديم مقاربة متعددة المسارات، تقوم على التوازي بين المحاسبة، وجبر الضرر، وتوثيق الانتهاكات، وصولاً إلى إنشاء محاكم مختصة تستند إلى إطار قانوني جديد، وفق تصريحات عضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا، ومسؤولة إدارة جبر الضرر، ياسمين مشعان في حلقة برنامج "سوريا اليوم" على تلفزيون سوريا يوم الثلاثاء الفائت، وهي مقاربة تعترف ضمنياً بأن العدالة في السياق السوري لا يمكن اختزالها في البعد القضائي فقط، بل تتطلب معالجة أوسع لآثار الصراع على المجتمع.
لكن، وبين ضغط الشارع وتسارع التحركات الرسمية، يبقى التحدي الأساسي في قدرة هذه المسارات على إقناع السوريين بجدّيتها وفعاليتها، خاصة في ظل شعور متزايد بأن العدالة ما تزال بطيئة مقارنة بحجم الانتهاكات، وأن فجوة الثقة بين المؤسسات والجمهور لم تُردم بعد.
Loading ads...
في المحصلة، يبدو أن سوريا تدخل مرحلة أكثر حساسية في ملف العدالة الانتقالية، حيث لم يعد النقاش نظرياً أو مؤجلاً، بل بات مرتبطاً مباشرة بالاستقرار الداخلي، وبقدرة الدولة على موازنة مطلبين متعارضين ظاهرياً: العدالة من جهة، ومنع الانزلاق إلى الفوضى من جهة أخرى.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

