ساعة واحدة
تحول رقمي في القضاء السوري.. مكاسب التبليغ الإلكتروني وحدود تطبيقه
الثلاثاء، 5 مايو 2026
أقرت الهيئة العامة السباعية في محكمة النقض السورية اعتماد التبليغ الإلكتروني ومنحه الأثر القانوني ذاته للتبليغ الشخصي، في خطوة غير مسبوقة تهدف إلى تسريع إجراءات التقاضي ومعالجة أحد أبرز أسباب تأخر الفصل في الدعاوى.
ويقضي القرار بإلزام أطراف الدعاوى ووكلائهم بتحديد وسيلة تواصل إلكترونية، مثل البريد الإلكتروني أو تطبيقات التواصل الاجتماعي أو الرسائل النصية، لتكون وسيلة رسمية للتبليغ، وذلك بعد دراسة طلب مقدم من الغرفة المدنية الرابعة في المحكمة.
وجاء هذا التوجه بعد رصد صعوبات كبيرة في إجراءات التبليغ التقليدية، التي تتطلب الانتقال إلى موطن الخصم وتعذر العثور عليه أحياناً، ما يؤدي إلى تعطيل القضايا أو اللجوء إلى وسائل بديلة كالنشر في الصحف سابقاً، وهو ما يطيل أمد التقاضي بشكل ملحوظ.
وفي تغطية خاصة على شاشة تلفزيون سوريا، ناقش مختصون في الشأن القانوني أبعاد هذا القرار، بين من اعتبره نقلة نوعية في مسار العدالة، ومن حذر من ثغراته القانونية والتقنية.
ووصف، المحامي والمستشار القانوني عبد الرحمن العبدالله، القرار بأنه "اجتهاد جريء ومميز"، معتبراً أنه يشكل ثورة قضائية تسهم في تسريع إجراءات التقاضي، التي تعد عاملاً أساسياً في تحقيق العدالة، مشيراً إلى أن بطء الإجراءات كان أحد أبرز الإشكالات في المحاكم.
وأوضح أن القانون الحالي، الصادر أساساً عام 1953 والمعدل بشكل محدود في عام 2016، لا يزال يعتمد على التبليغ الورقي، رغم أنه أشار في المادة 34 إلى إمكانية استخدام الوسائل الإلكترونية، ما يمنح القرار صلة قانونية قائمة، وإن لم يكن نصاً إلزامياً صريحاً.
وفي المقابل، أشار إلى وجود اعتراضات على القرار باعتباره يدخل ضمن اختصاص السلطة التشريعية، وليس القضائية، ما يفتح الباب لنقاش قانوني حول مدى مشروعيته.
ورغم أهمية القرار، أثيرت تساؤلات حول جاهزية القضاة والبنية التحتية للتعامل مع وسائل التبليغ الإلكتروني، في ظل ضعف التجهيزات التقنية وشبكات الإنترنت في سوريا.
وبيّن العبدالله أن القرار لم يحصر وسيلة التبليغ بخيار واحد، بل أتاح استخدام البريد الإلكتروني أو تطبيقات التواصل أو الرسائل النصية، مشيراً إلى أن معظم الدعاوى يمثل فيها محامون، ما يسهل اعتماد هذه الوسائل، إذ يمكنهم تسجيل بيانات التواصل ضمن ملف الدعوى وتحديثها عند الحاجة.
كما لفت إلى أن استخدام الوسائل الإلكترونية بات واسع الانتشار في مجالات متعددة، مثل الحوالات المالية وتطبيقات الدفع والاتصالات، ما يقلل من المخاوف المرتبطة بإمكانية الوصول إليها.
وفي الوقت نفسه، شدد على ضرورة إصدار تعليمات تنفيذية واضحة، وتأمين الدعم اللوجستي والتقني للمحاكم، لضمان تطبيق القرار بشكل سليم.
أوضح العبدالله أن التبليغ الإلكتروني لا يُعتمد منذ بداية الدعوى، إذ يتوجب على المدعي تقديم عنوان صريح وواضح للمدعى عليه في البداية، ليتم التبليغ التقليدي، ثم بعد حضور المدعى عليه أو وكيله، يُطلب منه تحديد وسيلة إلكترونية للتواصل.
وأشار إلى أن هذا الإجراء يحدّ من الإشكالات القانونية، ويضمن عدم تحميل المدعى عليه مسؤولية تبليغ لم يطّلع عليه.
كما اعتبر أن من الأفضل، في المرحلة الحالية، أن يسير التبليغ الإلكتروني بالتوازي مع التبليغ التقليدي، إلى حين صدور تشريع حديث ينظم هذه المسألة بشكل شامل ويغلق الثغرات المحتملة.
من جانبه، رأى القاضي المستشار خالد شهاب الدين، أن القرار يشكل خطوة مهمة لتسريع التقاضي، ويحد من الأخطاء الإجرائية، خاصة تلك الناتجة عن التبليغ اللصيق أو التحايل في إجراءات التبليغ.
وأوضح أن القرار ألزم المدعي أو وكيله بالتعهد بصحة وسيلة التواصل المقدمة، واعتبارها عائدة للمدعى عليه، تحت طائلة المسؤولية القانونية، مشيراً إلى أن الدعوى قد لا تُقبل في حال عدم تقديم هذه البيانات.
كما لفت إلى أن القرار يسهم في الحد من التحايل، ويعزز جدية الادعاء، من خلال تحميل مقدّم الدعوى مسؤولية المعلومات التي يقدمها.
أكد شهاب الدين أن القرار لا يشمل جميع أنواع التبليغات، إذ تبقى بعض الإجراءات، خاصة في القضايا الجزائية مثل مذكرات التوقيف والأحكام الغيابية والجنايات، خاضعة للتبليغ التقليدي عبر الجهات المختصة.
وبيّن أن هذه الاستثناءات تضمن عدم المساس بحقوق الدفاع، وأن التبليغ الإلكتروني سيُستخدم في نطاق يحقق التوازن بين تسريع الإجراءات والحفاظ على الضمانات القانونية.
رغم الإيجابيات، طُرحت مخاوف تتعلق باستخدام وسائل تواصل غير محدثة، أو عدم اطلاع المتلقي على الرسائل، خاصة في ما يتعلق بالبريد الإلكتروني.
وفي هذا السياق، أشار شهاب الدين إلى أن الاعتماد قد يكون أكبر على الرسائل النصية وتطبيقات التواصل، نظراً لانتشارها الواسع مقارنة بالبريد الإلكتروني.
كما أكد أن المسؤولية القانونية تقع على عاتق المدعي أو وكيله في حال تقديم بيانات غير صحيحة، ما يشكل رادعاً لأي محاولة تلاعب.
يرى المتحدثون أن القرار قد يشكل خطوة أولى نحو رقمنة الإجراءات القضائية، إلا أن الوصول إلى محاكمات إلكترونية متكاملة لا يزال مبكراً، في ظل الواقع الحالي للمحاكم وضعف البنية التقنية.
ومع ذلك، فإن اعتماد التبليغ الإلكتروني قد يسهم في تقليص مدة التقاضي بشكل ملحوظ، خاصة أن بعض القضايا بقيت في المحاكم سنوات طويلة بسبب تعذر التبليغ، وهو ما كان أحد الدوافع الرئيسية وراء صدور هذا القرار.
Loading ads...
ويمثل اعتماد التبليغ الإلكتروني تحولاً مهماً في مسار القضاء السوري، مع ما يحمله من فرص لتسريع العدالة وتقليل التعقيدات الإجرائية، مقابل تحديات تتعلق بالإطار القانوني والجاهزية التقنية، ما يجعله خطوة تحتاج إلى استكمال تشريعي وتنفيذي لضمان نجاحها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




