شهر واحد
من التشييع إلى الاعتصام.. كيف أصبحت "ساحة الساعة" أيقونة الثورة في حمص؟
الإثنين، 20 أبريل 2026
خمسة عشر عاماً مرّت، ولا تزال ذكرى اعتصام "ساحة الساعة" حاضرة في وجدان أهالي حمص، يستعيدونها اليوم بوصفها اللحظة التي اختارت فيها الثورة السورية عاصمتها الرمزية.
في الثامن عشر من نيسان، لم يكن الاعتصام مجرد تجمعٍ للمطالبة بالحرية، بل كان نقطة تحوّل مفصلية، حملت فيها المدينة مسؤولية تاريخية ما تزال آثارها ممتدة حتى اليوم.
ومع إحياء الذكرى الخامسة عشرة، يعود الحماصنة إلى الساحة ذاتها، لا لاستذكار الماضي فحسب، بل لتجديد العهد مع قيم الحرية والكرامة، في يومٍ تحوّل من حدثٍ عابر إلى رمزٍ راسخ في ذاكرة المدينة وتاريخها.
ضمن سلسلة الشهادات التي توثق أحداث فض اعتصام "ساحة الساعة" في حمص، تحدث موقع "تلفزيون سوريا" إلى الناشط والمعتقل السابق حسام بدرخان، الذي استعاد تفاصيل تلك الليلة وما سبقها من تطورات ميدانية وتنظيمية داخل الاعتصام.
يروي بدرخان أن بداية الاعتصام جاءت عقب تشييع عدد من الضحايا الذين سقطوا برصاص قوات نظام الأسد الأمنية، حيث قرر المشيعون التوجه إلى ساحة الساعة والبقاء فيها. ومع تزايد أعداد المعتصمين، جرت محاولات للتفاوض مع القوى الأمنية عبر شخصيات دينية واجتماعية حاضرة في المكان، في وقت بدأ فيه الحراك يأخذ طابعاً أكثر تنظيماً.
وأضاف أن المطالب في الأيام الأولى تمثلت بإقالة محافظ حمص، قبل أن تتطور لاحقاً، مع سقوط مزيد من الضحايا، لتشمل محاسبة المسؤولين عن إطلاق النار على المتظاهرين وصولاً إلى إسقاط النظام.
وخلال الاعتصام، عمل المشاركون على تنظيم أنفسهم عبر إنشاء حواجز بدائية باستخدام الحجارة وحاويات القمامة عند مداخل رئيسية، بهدف حماية الساحة من محاولات الاختراق الأمني، التي شملت محاولات لإثارة الفتن الطائفية أو دفع المحتجين نحو العنف، وهو ما قوبل بالرفض.
وأكد بدرخان أن المعتصمين حرصوا على الحفاظ على سلمية التحرك، حيث مُنع إدخال أي نوع من السلاح، حتى الأدوات الحادة، وشُكلت لجان تفتيش عند مداخل الساحة، كما جرى تنظيم توزيع المياه والطعام بشكل جماعي.
وفيما يتعلق بمشاركة النساء، أشار إلى أنهن كن موجودات في منطقة مخصصة المنطقة تحت "بناء الأتاسي"، حيث شكّل الشبان طوقاً بشرياً لحمايتهن وضمان عدم تعرضهن لأي مضايقات.
أما عن لحظة فض الاعتصام، فيوضح بدرخان أن الهجوم بدأ قرابة الساعة 1:45 فجراً، بإطلاق نار كثيف من عدة اتجاهات، مع ترك بعض المنافذ مفتوحة، في تكتيك قال إنه استهدف إيقاع أكبر عدد من الضحايا وبث الذعر. كما تحدث عن صعوبات كبيرة واجهت الجرحى في تلقي العلاج، نتيجة امتناع بعض المستشفيات عن استقبالهم.
واشار كذلك إلى التلاعب الإعلامي من قبل إعلام النظام المخلوع قبل لهجوم، حيث نُقل طلاب من السكن الجامعي وصور تجمع مؤيد للنظام في محاولة لنفي وجود الاعتصام.
وعلى الصعيد الشخصي، يستعيد بدرخان تجربته عند لجوئه إلى منزله في حي القصور، الواقع بجوار "القسم الخارجي" للشرطة، الأمر الذي وضعه في مواجهة معارضة عائلية شديدة لمشاركته في الحراك، وسط مخاوف من تداعيات ذلك على الأسرة، ما شكل عليه ضغطاً وإحساساً بالمسؤولية تجاه عائلته.
وفي شهادة أخرى، يروي الناشط والإعلامي "أبو علاء الحمصي" تفاصيل البدايات الأولى لاعتصام ساحة الساعة، مشيراً إلى أن الشرارة انطلقت عقب تشييع ستة من الضحايا "أربعة من المدينة واثنان من الريف"، حيث تحوّل الحزن في المقبرة إلى قرار عفوي بالاعتصام، من دون تخطيط مسبق أو قيادة منظمة، قبل أن يتجه الآلاف نحو الساحة في مشهد غير مسبوق.
ويصف أبو علاء اللحظات الأولى للاعتصام بأنها كانت أشبه بمحاكاة لتجربة ميدان التحرير في مصر، حيث سارع المتظاهرون إلى تجهيز المكان بوسائل بسيطة للمبيت، وسط أعداد قدّرها بنحو 200 ألف مشارك في ذروة الحدث، ما جعلها واحدة من أكبر التجمعات التي شهدتها المدينة، ورسّخ رمزية "ساعة حمص" كأيقونة للحرية.
كما استعاد أبو علاء بدايات ظهور "منشد الثورة" الراحل عبد الباسط الساروت، حين كان يردد شعاره الذي لا يزال عالقا في ذاكرته: "اضرب اضرب يا قناص.. هي الرقبة وهي الراس"، في تعبير مبكر عن روح التضحية التي طبعت حضوره منذ اللحظات الأولى، حيث تعرّف عليه للمرة الأولى بعدما لفت انتباهه ذلك الفتى الأسمر صغير السن، قبل أن يُقال له إنه حارس نادي الكرامة للشباب.
وعن لحظة فض الاعتصام، يؤكد أبو علاء أن قوات الأمن بدأت تطويق الساحة قبل منتصف الليل، قبل أن يتحول إطلاق النار من طلقات ترهيبية في الهواء إلى استهداف مباشر للمتظاهرين في الشوارع الفرعية في أثناء محاولتهم البحث عن ملاذ آمن.
وفي سياق تصحيح بعض الروايات المتداولة، ينفي أبو علاء ما أُشيع حول استخدام جرافات لرفع الجثث، موضحاً أنها استُخدمت لإزالة آثار الاعتصام وتنظيف الساحة، في محاولة لطمس معالم ما جرى، خاصة في ظل ضعف التغطية الإعلامية آنذاك، ويؤكد على أهمية قول الحقيقة للحفاظ على صدق الحدث.
في حين يؤكد أبو علاء توثيق 32 ضحية بالأسماء في بداية الهجوم، مع وجود نحو 70 مفقوداً، قبل أن يُكشف عن مصيرهم لاحقاً بعد التحرير، ما رفع العدد التقديري لضحايا تلك الليلة إلى نحو 100 شخص.
من جهته، يوضح الدكتور علي ملحم والذي شارك في الاعتصام حينها، أن التوترات بدأت قبل ذلك بيوم، مع فض اعتصام في حي باب السباع، وما تبعه من سقوط ضحايا. ويشير إلى أن تشييع ضحايا المريجة وباب سباع كان نقطة التحول التي دفعت الحشود للتوجه إلى ساحة الساعة، في مشهد اتسم بتنوع اجتماعي وطائفي لافت، عكس الطابع المدني الجامع للحراك في بداياته.
وأضاف أن محاولات جرت قبيل الفض لإقناع المعتصمين بالمغادرة مقابل وعود رسمية، إلا أنها قوبلت بالرفض من المعتصمين، قبل أن يبدأ إطلاق النار بشكل تصاعدي، من طلقات تحذيرية إلى استهداف مباشر، ما أدى إلى حالة من الذعر وانهيار للاعتصام.
ويستعيد ملحم مشهداً من تلك الليلة، حيث أسعف مع آخرين ثلاثة جرحى على متن سيارة "سوزوكي"، في ظل غياب أي تجهيزات طبية لدى المتظاهرين الذين لم يتوقعوا حجم العنف المستخدم. مشيراً إلى أنهم تمكنوا من نقل المصابين إلى أحد مشافي حي الوعر، قبل أن يضطر للمغادرة سريعاً خوفاً من الاعتقال.
ويشدد ملحم على أن الشعارات في تلك المرحلة كانت وطنية جامعة، نافياً روايات النظام المخلوع التي حاولت تصوير الحراك بطابع طائفي، مؤكداً أن التخويف الطائفي كان أداة استخدمت لاحقاً لتشويه صورته.
وتطرق ملحم إلى تجربته الشخصية، حيث انتقل من المشاركة في التظاهرات إلى العمل الطبي الميداني، قبل أن يتعرض للاعتقال مرتين ويغادر البلاد لاحقاً.
Loading ads...
تتقاطع هذه الشهادات لتؤكد أن اعتصام "ساحة الساعة" لم يكن مجرد حدث عابر، بل شكّل لحظة مفصلية أعادت رسم مسار الثورة السورية في حمص، ورسخته كإحدى أبرز محطات الذاكرة السورية الحديثة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


