كما لو أنني كاميرا مراقبة، كنت مثبتا على مقعدي في زاوية المقهى الجديد في شارع الإرسال في رام الله، تحديدا في الطابق الثاني المطل على أكثر الشوارع حيوية في المدينة. المقهى الذي افتتح فرعه هذا حديثا، يقول في هويته البصرية إنه يمزج بين التراث والحداثة؛ أكثر الأفكار شيوعا ولكن أكثرها غموضا كذلك.
وبينما كانت أصوات الجالسين وضحكاتهم تتطاير في الهواء كما دخان النرجيلة الذي يملأ المكان، جرّني شارع الإرسال من أذني إلى ذكريات قديمة. هنا مرّ باسل الأعرج وهو يحمل علم فلسطين. هناك قُمع المنددون بزيارة موفاز. على هذا المقطع، تسلّل عناصر الأجهزة الأمنية بلباس مدني وأحكموا قبضاتهم وحناجرهم على هتافات حراك "ارفعوا العقوبات" عن غزة.
وعند هذا الرصيف تحديدا، اعتُقل الغاضبون من اغتيال نزار بنات. أما هنا، بل وهناك أيضا، وهناك وهناك، نزلت الهراوات وقنابل الغاز المسيل للدموع -بنسختها التي فاقت ما يضربه الإسرائيليون- على شباب وشابات خرجوا مفزوعين لهول ما رأوه من مجزرة المعمداني. أُطلق النار، ولاحقت الجيبات المدرعة المتظاهرين بقصد الدهس، حتى قُتل من قُتل وأُصيب من أُصيب… أما الآن، فلا يبدو أن الشارع هو ذاته الشارع.
"فاجأتني بسؤالك، بالله اعطيني شوية وقت".
أخذت هاتفي ومسحت الباركود الذي أمامي. دخلت قائمة الطعام وأنا على يقين تام أنني سأطلب ما أطلبه كل مرة، لكن أردت أن أعطي نفسي فرصة كسر الملل الذي هي عليه. لحسن الحظ، كان المقهى قد أضاف لقائمة المشروبات لديه أصنافا جديدة. أخذت أنظر فيها، فإذا هي "يافا" و"عكا" و"القدس"… ثم رأت عيني مشروبا لو رآه اليابانيون عندنا لشنوا علينا حملة استعمارية تعيد لهم أمجاد الحرب العالمية، اسمه "هيروشيما"! نعم، اسم المشروب هكذا. انتهت الحيل التسويقية، ولم يتبقَ أمامنا من إبداع تسويقي سوى فتح ندوب الآخرين، هذه والله تفوق القدرة على تحويل المأساة إلى ملهاة!
على سيرة المقاهي في رام الله، أتذكر في الأشهر الأولى من طوفان الأقصى، أنها كانت في وضع يشبه الحداد، فلا أغاني ولا موسيقى صاخبة، بل قرآن فقط. مرت فترة حتى استبدل القرآن بالموسيقى الهادئة، ثم تدريجيا جرى الصعود على السلم الموسيقي إلى أن عاد الوضع إلى ما كان عليه.
حفلات ومهرجانات لا تنتهي في هذه المدينة الصاخبة، ولشدة ارتفاع صوت "الستيريو"، لا يسمع صراخ المستغيثين في القرى المحاذية للمستوطنات. كنت كلما ذهبت إلى طولكرم، المدينة التي ما زال الجيش الإسرائيلي يشن عليها حملته العسكرية منذ بداية السنة الماضية، سألني أهلها: "آه كيف الوضع عندكم في رام الله؟"، ثم ألحقوا السؤال بجواب مستقر عندهم كأوضح البديهيات: "رام الله عالم ثاني!".
أما أصحاب الحفلات والمهرجانات، فإن الذي يستحضر الإبادة منها، يرفع -في أحسن أحواله- شعار "المقاومة بالفن"، وهذا داءٌ عندنا مصاب فيه كل من لا تشخيص له؛ تماما كما تصف للطبيب مجموعة من الأعراض لديك، فلا يهتدي إلى تشخيص معين، فيقول لك: "معك نقص فيتامين بي 12".
وكما يحاذي منشور المباركات منشور التعازي على "فيسبوك" (الذي ما زال هناك من يستخدمه!)، باتت مواكب الأعراس تحاذي الجنازات. عندما كان الاقتحام الطويل لمخيم قلنديا قائما، والتنكيل بأهالي المخيم في أوجه، كان أصحاب العريس يزفونه على بعد كيلومترين فقط بتشحيط السيارات والزوامير، وبالدراجات النارية التي تتنافس أيها يمتلك صوت عادم أقوى وأكثر إزعاجا من الآخر، وبطبيعة الحال بإطلاق النار. قبلها في 24 يوليو/تموز 2026، وفي ساعات الصباح الباكر من يوم الجمعة، وبينما كان أهالي قرية تل يدافعون عن أراضيهم من هجمات المستوطنين، ما أفضى إلى استشهاد 4 من عائلة واحدة، كانت الألعاب النارية والرصاص وزوامير السيارات قد انطلقت احتفالا بصدور نتائج الثانوية العامة "التوجيهي". صديق قال لي مرة بحسرة بعد محاولاته في السباحة عكس التيار: "احنا الفلسطينية شغلتين منقدرش نستغني عنهم: عزايم رمضان والأعراس". أدع لوحة المفاتيح، وأضرب كفي بكفي وأنا أردد: "ولقد علمتك الأيام أن تحذر الفرح لأن خيانته قاسية"، والله كان معك حق يا درويش.
تدريجيا، جرى الانتقال من وضعية "كفى بالموت واعظا" إلى "اكتفينا من الموت واعظا". وإن كانت العولمة قد قربت المسافات فجعلت العالم قرية صغيرة، فإن إسرائيل صنعت النقيض تماما، إذ جعلت القرية الصغيرة عالما شاسعا؛ يحدث القتل وتحدث المصادرة عند جيرانك فتقول: "لسّا بعيد عني"، وتستمر في شأنك الخاص.
(يرن هاتفي بنغمة أغنية للمقاومة: مهابا كان إذ يمشي، بمشيته نرى مجدا، ومقداما بتافور ويضربُ…)
"ألو، وعليكم السلام هلا يمّا، كيف الحال؟ اه نقّطيه عنّي بعينك الله"، والنقوط هو المال الذي يتلقاه صاحب الفرح من المعازيم أثناء المباركة، وفي حالتنا هنا فالحدث هو نجاح أحد أقاربنا في امتحانات الثانوية العامة – التوجيهي.
"شو في أخبار؟ أخباري؟! الأخبار عندكم في طولكرم.. هي المستوطنين وصلوا عندكم قريب عليكم في قرية كفر صور، أكثر من 80 واحد بيوتهم مهددة بالهدم.. يمّا تغيريش الموضوع، الي براقبوا المكالمات بعرفوا بالموضوع.. أمورنا بخير، الكل بسلّم.. سلمي ع أبوي، مع السلامة".
أقفل الخط. وكعادتها، تتفوق الوالدة -حفظها الله- في حسها الأمني على قادة في مواقع حساسة. لقد غيرت أمي الموضوع، ولكن… ألا نغيره نحن أيضا؟!
يأتي النادل من جديد: "اه معلّم، جاهز؟".
"واحد أمريكانو لو سمحت".
و"الأمريكانو" يا رفاق تعويض صفيق لغياب القهوة العربية في مثل هذه المقاهي.
أنظر في وجوه الجالسين، ثم أنظر إلى المارة على شارع الإرسال، وأحاول الخروج من نفسي لأنظر في حالها كذلك، فأرى ضحكا واسترخاء وانهماكا في عمل وتسوقا، كل في شأنه. حياة تبدو عادية جدا، يقاطعها سؤال يطاردني منذ مدة: لماذا لا يلقي أحد بالا للفيل الذي يتوسط الشارع؟!
كنت في الجامعة، عندما سمعت للمرة الأولى المثل الإنجليزي "the elephant in the room" أو "الفيل الذي في الغرفة". يعود أصل هذا المجاز إلى الشاعر وكاتب الخرافات الروسي إيفان كريلوف، حين كتب عام 1814 خرافة بعنوان "الرجل الفضولي". يدخل هذا الرجل إلى متحف مليء بالحيوانات المحنطة، يراها جميعها، إلا الفيل الضخم. لاحقا في عام 1872، استحضر الأديب الروسي دوستويفسكي المعنى في روايته "الشياطين"، على لسان إحدى الشخصيات: "بيلينسكي كان تماما مثل الرجل الفضولي عند كريلوف الذي لم يلحظ الفيل في المتحف، لكنه كرس كل انتباهه للحشرات الاشتراكية الفرنسية"، والذي يقصده بالفيل الذي فاته الانتباه إليه هو الشعب الروسي نفسه.
بعدها توالت الاستخدامات لهذا المجاز بصياغات مختلفة، إلى أن ظهر أول استخدام موثق للعبارة الإنجليزية بصيغتها الحالية، بحسب قاموس أكسفورد، في صحيفة نيويورك تايمز في عام 1959، حتى استقر على هذا المعنى: "مشكلة خطيرة أو مثيرة للجدل، حاضرة بوضوح لكن يُتجاهَل الحديث عنها، عادة لأن تجاهلها أكثر راحة".
في سبتمبر/أيلول عام 2006، وداخل مستودع صناعي مهجور في مدينة لوس أنجلوس في الولايات المتحدة الأمريكية، أقام الفنان بانكسي معرضه "قانوني بالكاد". أحضر بانكسي فيلة آسيوية حقيقية اسمها تاي (Tai) بعمر 38 عاما، وهي "نجمة هوليوودية" مدربة بشكل احترافي على التعامل مع الأضواء والمكياج. قام بانكسي بطلائها بنفس لون ونقوش ورق الجدران الوردي والذهبي المحيط بها لتختفي بصريا داخل الغرفة، وأجلس أمامها أحدا يقرأ بلا اكتراث. ووزع على الحضور ورقة فيها: "هناك فيل في الغرفة… هناك مشكلة نتجاهلها تماما… 1.7 مليار شخص لا يحصلون على مياه شرب نظيفة. ملايين البشر يعيشون تحت خط الفقر… هل يرغب أحد بكأس نبيذ مجاني؟".
يُخيّل إليّ أنّ الضفة الغربية بمثابة المتحف في قصة الرجل الفضولي، وأنّ رام الله هي الغرفة في معرض بانكسي؛ بلد مليء بالتفاصيل الصغيرة المشتتة. انشغل المحسوبون على الوسط الفني والثقافي في البلد بطوشة شب جديد وسان ليفانت؛ "دس" مغني الراب شب جديد في سان ليفانت، وهو الشاب الذي لا تكاد أغنية له تخلو من البذاءة والحضور النسائي الفاحش وسط غنائه عن فلسطين، فانفتحت "ماسورة" النقاش حول من يحق له تمثيل فلسطين، وما هو الفلسطيني.
بطبيعة الحال، لم يدم "الترند" طويلا، لكن السؤال الذي بقي شاغلا كل أحد في الضفة: هل وصل البنزين إلى محطات الوقود؟… أما الفيل، الذي من المفترض أن يسرق كل ذرة انتباه، فيسرح ويمرح بيننا دون اكتراث منا… على بعد أمتار قليلة من موقعي هذا، تحديدا على دوار المنارة، ينصب المروجون للأوهام خيامهم يدعون المواطنين -المتخمين بالحقوق المدنية- للمشاركة في الانتخابات التشريعية والرئاسية (التي ألغيت لاحقا بالمناسبة). وعلى بعد أمتار أخرى، كان يقام مهرجان "وين ع رام الله" بنسخته الجديدة "باقون" بعد انقطاع عامين بسبب حرب الإبادة!
قد يحلو للبعض وصف هذا بـ "المفارقات". سوسيولوجيو البلد سيقولون: "هذه ظواهر اجتماعية تستحق الدراسة"، اليسار الذي لم يعد موجودا كان سيقول: "هذا كي للوعي، انهزامية في أحسن الأحوال، بل هي خيانة"، لكن اليسار الذي تتبعه كلمة "الجديد" سيكون مشغولا بطبيعة الحال بـ "المقاومة بالفن". وعلى مثل هذا تقول جداتنا: "الله ينزلنا القبر بلطافة".
لكن، ألا يمكن أن يكون الاستغراق في شأنك الخاص، والعيش دون اكتراث لما هو قادم، والتصرف بناء على ذلك؛ نوعا من أنواع الصمود والنجاة؟!
حدثني أحدهم أنّ والده في عز أيام الانتفاضة الثانية كان يُنزل شاحنات الطوب للبدء في مشروع عمارة سكنية. أليس هذا حال زارع الفسيلة حين قيام الساعة؟! أو ربما يشبه ذلك "السياسة التحتية" عند جيمس سكوت، فبدلا من "النكتة" كحيلة للمقاومة تصير "اللامبالاة" حيلة من نوع آخر، فليس كل ما يبدو لا مبالاة هو كذلك، إنما حيلة نفسية مؤقتة لمن لا يملك سواها. مع ذلك، فإنّ ما يبدو كحيلة كثيرا ما يكون "غفلة"… وربما بلادنا من النوع الذي يبني عشه على أنف غزال، بتعبير درويش.
هذه بلد تحب الرموز، فما بالها لا تلتفت للفيل! حين أنزل أحدهم مهدته على رأس أسد من الأسود الخمسة الرابضة على دوار المنارة، قامت البلد ولم تقعد! لكن الفيل اليوم، يدوس برجليه الكبيرتين رؤوس الأسود جميعا، ويدمر بخرطومه الضخم أجسامهم المنفوشة، لكن الحدث المستمر لم يصبح إلى الآن "ترندا".
إذا دخلت إلى موقع "الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني"، وبحثت في إحصاءات عام 2021، أي قبل الحرب، ستجد رقما مرعبا خاصا بمحافظة رام الله والبيرة. ستجد أن هناك مستوطنًا واحدا مقابل كل 2.5 فلسطيني يعيش في محافظة رام الله والبيرة، لا حول لهم ولا قوة وبالكاد يحصلون من سلطتهم على "شبك حماية" للنوافذ! مستوطن مسلح بأقوى أنواع الأسلحة، مدرب بأفضل أنواع التدريبات، مدعوم بالجيش والشرطة، أقوى مؤسستين إسرائيليتين.
هذا قبل السابع من أكتوبر، أما بعدها -تحديدا- فلم يعد الإحصاء والعد ممكنيْن لسرعة حركة الفيل وانتشاره. أذهب لزيارة أهلي في طولكرم كل أسبوعين تقريبا، وفي كل زيارة أرى "كرفانا" جديدا على الأقل. منظمة استيطانية تدعى "تلال الجبهة"، نشرت في يوليو/تموز 2026 خريطة تكشف عن 219 بؤرة استيطانية منتشرة في الضفة أقيمت خلال السنوات القليلة الماضية، بحسب ما نقل معهد الأبحاث التطبيقية (أريج).
قالت المنظمة الاستيطانية على خريطتها إن "كل دبوس على الخريطة شق بجهد ودم وعرق"، ثم قدمت اعتذارها للجمهور قائلة: "الانتشار واسع جدا، ومعدل النمو سريع، لذلك من المحتمل أننا نسينا بعض النقاط. نعتذر مسبقا. من يلاحظ أي نقص، يمكنه التواصل معنا بشكل خاص، وبعون الله سنصحح ونوسع الإصدار القادم من الخريطة". ثم دعت جمهورها: "خذوا خمس دقائق لاستنشاق هواء الخلاص […] يُمنع التوقف هنا. هذه الخريطة مجرد مرحلة في الطريق. نحن مستمرون بكل قوة نحو أرض إسرائيل الكاملة". ينمو الاستيطان أسرع من قدرتهم على توثيقه. الأمر يشبه الثري الذي سئل: "كم تبلغ ثروتك؟"، فنظر إلى ساعته وقال: "قبل السؤال أم بعده؟".
اللافت أن أكثر البؤر الجديدة عددا التي أشارت لها الخريطة (78 بؤرة)، تتبع للمجلس الاستيطاني "بنيامين" الذي يشرف على مستوطنات وبؤر محافظة رام الله والبيرة، وهو كذلك أكبر مجلس من المجالس الاستيطانية الستة. رئيس هذا المجلس، يسرائيل غانز يعرف المسألة بوضوح تام، يقول: "إما استيطان إسرائيلي قوي، وإما رام الله برعاية إيرانية على حدود منطقة غوش دان". الأمر يجري بسرعة عجيبة، إلى درجة أن ساكن الضفة يكوّن كل جمعة حقيقة جديدة. إذ بات من "الطبيعي" مثلا أن يحاول مستوطنون اقتحام متنزه كان الأهالي الفلسطينيون يعدون فيه شواءهم، وأن ترى مجموعة أخرى منهم تتجول في أحياء فلسطينية محسوبة على مدينة رام الله.
وليست هذه آخر الحقائق. فعلى بعد أمتار قليلة من بيت رئيس السلطة الفلسطينية ومربعه الأمني، طالب المستوطنون بالاستحواذ الكامل على طريق يقع داخل رام الله، يربط المدينة بقرى وأحياء سكنية، ويمر فيه المريض إلى المستشفى والطالب إلى الجامعة. إنه "الشارع 463" أو "محور فالرشطاين" كما يسمونه، نسبة إلى بنحاس فالرشطاين، رئيس مجلس "بنيامين" الأسبق الذي كان قد أضرب عن الطعام لفتحه، وهو طريق يمتد نحو 23 كيلومترا من الطريق 446 غربا حتى مستوطنة "بيت إيل" شرقا. أما جزؤه الشرقي، الذي شقه مجلس "بنيامين" في منتصف التسعينيات، فقد منع الجيش المستوطنين من السير فيه منذ اندلاع الانتفاضة الثانية.
يمتد المقطع الذي يطالب به المستوطنون نحو عشرة كيلومترات بين البيرة ومخيم الجلزون شرقا وبلدة عين قينيا غربا، يلتف على رام الله من الشمال، فيصل مستوطنتي "بيت إيل" و"عوفرا" بكتلة "دوليف" و"طلمون"، ويختصر عليهم، بحسب حساباتهم، طريقا تستغرق اليوم قرابة الساعة إلى أقل من ربع ساعة. ولم يبق الأمر مطالبة؛ يقول غانز إن القرار المبدئي بفتحه قد اتُّخذ، ونقلت صحيفة هآرتس أن الجيش بدأ يعد ترتيبات أمنية خاصة لحركة المستوطنين عليه.
وفي الجهة الغربية من المدينة، ينتظر شارع ثانٍ دوره، هو الطريق الالتفافي لبيتونيا، الذي أمر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في يناير/كانون الثاني 2026 بدراسة إعادة فتحه بعد أكثر من عشرين عاما على إغلاقه في الانتفاضة الثانية، قبل أن تكتب صحيفة استيطانية أنه أُقر هو الآخر. شارع من الشمال وآخر من الغرب؛ لم يعد الفيل يتمشى في الغرفة يا صديقي، صار يصمم جدرانها.
رام الله تتقدم في كل الإحصاءات، ففيها 245,949 دونما استولت عليها البؤر الاستيطانية الرعوية، بحسب تقرير لدائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير صدر في مايو/أيار 2026، وهو ما نسبته 31% من كل ما استولت عليه البؤر في الضفة، ماذا يعني ذلك؟ يعني أن ثلث مشروع الاستيلاء الرعوي في الضفة يجري في المحافظة التي يجلس فيها الجهاز السياسي الفلسطيني. وتتصدر عدد البؤر بواقع 40 بؤرة في المحافظة (حتى كتابة هذا السطر طبعا).
تتصدر اعتداءات المستوطنين في رام الله غيرها من المناطق أيضا، فقد أسفر 523 اعتداء في عام 2025 عن إصابات أو أضرار بحسب الأمم المتحدة، أي نحو ثلث اعتداءات المستوطنين في الضفة يتركز في رام الله. وفي الدم أيضا تتصدر رام الله، فحتى 2 أكتوبر/تشرين الأول 2026 استُشهد 30 فلسطينيا خلال اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية بحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، وهي الحصيلة الأعلى منذ بدأت الهيئة رصدها عام 2022، نصف هذا العدد في محافظة رام الله والبيرة وحدها. وفي السجل التراكمي منذ 2022، تتصدر المحافظة بـ36 شهيدا، أي نحو 41% من كل من قتلهم المستوطنون في الضفة.
وحتى لا تسيء فهم البؤرة وفاعليتها، فإن ما سيطرت عليه البؤر الرعوية (793,909 دونم، نحو 14% من الضفة، بحسب تقرير لحركة "السلام الآن" الإسرائيلية ومنظمة "كيرم نافوت" صدر في مارس/آذار 2025) يفوق بكثير مساحة المستوطنات التي بنيت منذ عام 1967 مجتمعة، فما سيطرت عليه البؤر يتجاوز عشرة أضعاف البناء الاستيطاني. أي أن الخيمة والقطيع أنجزا ما عجزت عنه الجرافة والإسمنت في نصف قرن. وفي تقرير أحدث صدر في مايو/أيار 2026، قالت المنظمتان إن 185 بؤرة أُنشئت بين عامي 2023 و2025 باتت تسيطر مجتمعة على أكثر من مليون دونم، أي نحو 18% من مساحة الضفة.
تعلمنا منذ صغرنا أن الكذب حبله قصير، وهذه الأرقام تخبرنا بهذه الحكمة القديمة. انظر للكذبة التي تدعى "أ" و"ب" و"ج". تبلغ "ج" 61% من أراضي الضفة الغربية، وهي بحسب "اتفاقية أوسلو" تتبع أمنيا وإداريا للجيش الإسرائيلي لا للسلطة الفلسطينية. منظمة "رغافيم" (Regavim) التي جاء منها سموتريتش، تعرف عن نشاطها بأنه معني بإيقاف "الضم الفلسطيني للأراضي الإسرائيلية في مناطق (ج)". لم يعن ذلك توسع الاستيطان وسيطرته على هذه الأراضي فقط، بل عنى كذلك أنّ المخيال الجمعي للفلسطينيين لم يعد يراها أراضي فلسطينية، فكل ما يجري في "ج" هو في "ج" ولا يمكن حتى الاتعاظ به، لأنه استقر في لاوعينا أنّها أراضٍ بعيدة يسكنها بدو رحل.
هكذا تمدد مشروع التهجير والاستيطان على مرأى من الجميع، متكئين على التقسيم الذي لم يعد مقنعا حتى لإسرائيل نفسها. يقول سموتريتش للمستوطنين الذين أمامه مستهزئا: "أنتم تعرفون أنه أصبح من المعروف أنني لا أفهم اللغة الإنجليزية، لذلك أنا لا أعرف التمييز بين A وB وC".
يصدق الواقع هذه السخرية. في 8 فبراير/شباط عام 2026، قرر "الكابينت" أن يمد يد "الرقابة والإنفاذ" إلى مناطق "أ" و"ب" نفسها، أي إلى الأرض التي يفترض أنها تحت ولاية السلطة. والذرائع جاهزة، من مخالفات مائية وتلوث بيئي ومواقع أثرية. بكلام آخر، صار بيت في "أ" قابلا للهدم إن وقف قرب بئر ماء أو حجر قديم. سارع غانز إلى الترحيب، وقال إن سنوات من عدم الإنفاذ حوّلت مناطق كاملة إلى "بؤر تلوث". تأمل الكلمة يا صديقي، فالمستوطن الذي يسكن البؤرة، يسمّي القرية الفلسطينية بؤرة.
أمسك الهاتف، وأفتح "تلغرام" وأقرأ الإشعار الجديد: صحيفة يديعوت أحرونوت عن مصادر أمنية إسرائيلية: المستوطنون أقاموا 100 بؤرة غير شرعية في الضفة الغربية دون تنسيق معنا، منها ما بين 15 و20 في مناطق "أ" و"ب".
أدع الهاتف وأعود إلى لوحة مفاتيح الحاسوب. يختبئ خلف هذا الرقم، رقم آخر أكثر فظاظة. تشير بيانات منظمة "ييش دين" (Yesh Din)، أن نحو ثلثي عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين (62.6%) خلال عام 2026، تركز في مناطق "أ" و"ب"، مقابل 32.4% في عام 2025.
لكنّ الأرقام والتقسيمات الأبجدية من طبيعتها أن تحجب الحقائق. فإذا أردت أن تفهم الرقم، عليك بمقارنته مع السنوات السابقة لتعرف أن الطريق يقطع قفزا لا مشيا ولا حتى ركضا. من عام 1996 إلى مطلع عام 2023 كان المتوسط السنوي للبؤر الاستيطانية الجديدة أقل من 7 بؤر، ثم قفز إلى 26 في عام 2023، ثم 59 في عام 2024، ثم وصل إلى 86 في عام 2025، بحسب حركة "السلام الآن"! وإذا أردت أن تفهم الحروف الأبجدية، عليك معرفة أنّ المستوطن لن يعيقه عائق -والظروف والعدّة مواتية له- أن ينفّذ هجوما على ما يسمى مناطق "أ" كمفاجأة السابع من أكتوبر.
بني المشروع الاستيطاني على كثير من المحجبات، ولذا كثيرا ما أسيء فهمه. من هذه الحجب، قول القائل: "قطعان المستوطنين"، حتى صار يهيأ لنا أن حركتهم عشوائية ونشاطهم ارتجالي، وأنهم حيوانات متحركة ليس لها عقول. لكنهم جماعات شديدة التنظيم، يتحركون ضمن منظمات رسمية أو مجموعات ميليشيوية. في البدء كان يغلب عليهم طابع التمترس خلف سياج المستوطنة للدفاع، لكنهم اليوم يخططون ويبادرون للهجوم على عدة قرى دفعة واحدة.
أشار تقرير منظمة "بتسيلم" الأخير "مشروع المحو"، الصادر في سبتمبر/أيلول 2026، أنّ الاعتداءات الجماعية للمستوطنين صارت تنجم عن تخطيط واستعداد مسبقين من خلال مجموعات علنية على "واتساب" و"تلغرام". "أخبار التلال"، وهي واحدة من المجموعات، نشرت دعوة خلال شهري فبراير/شباط ومارس/آذار عام 2023 "لمحو حوارة الآن". ويكشف تحقيق أجرته منظمة إسرائيلية تدعى "فيك ريبورتر" (Fake Reporter)، نشرته صحيفة نيويورك تايمز عام 2021، أن هذه الهجمات المنظمة عبر مجموعات "الواتساب"، تجري تحت شفرة "الخروج للمظاهرات". يدعو المستوطن أخاه المستوطن للخروج في تظاهرة على مفترق الطريق، وهو ما ينتهي دائما بالهجوم على القرى الفلسطينية.
ولا ينتظر المستوطن أن يأتي الجيش ليردعه، فللجيش عقيدته الخاصة. قائد ما يسمى "المنطقة الوسطى"، آفي بلوط، يرى في كل فلسطيني "مخربا محتملا"، بحسب ما نقلت مؤسسة الدراسات الفلسطينية. ومن ينجو من الرصاص لا ينجو منه تماما، فرصاصة في الركبة يقصدونها قصدا تكفي ليعود المصابون إلى أهليهم وأصحابهم "نُصبا تذكارية عرجاء" يراها كل من يفكر أن يرفع رأسه؛ هكذا وصفها بالضبط.
لكن من أين للمستوطن كل هذه العدة؟ في 3 أبريل/نيسان عام 2025، وقف وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزيرة الاستيطان أوريت ستروك في مزرعة "ميتاريم"، إحدى البؤر الرعوية في تلال جنوب الخليل، يسلمان مركبات رباعية الدفع (إيه تي في) لبؤر غير قانونية حتى بتعريف القانون الإسرائيلي نفسه، اشترتها الحكومة من بند في موازنتها اسمه "مكونات أمنية للمستوطنات الشابة"، و"المستوطنات الشابة" هي الاسم المهذب للبؤر، بحسب ما نشرته صحيفة تايمز أوف إسرائيل. صاحب المزرعة، ينون ليفي، سبق أن صُوِّر وهو يطارد على مركبة كهذه رعاة فلسطينيين قرب خربة زنوتة التي هجّر أهلها بالكامل.
جلس رئيس مجلس مستوطنات جبل الخليل في إحدى المركبات الجديدة إلى جانب سموتريتش، وقال له: "لولا أيديكما على المقود، ما كان هذا ليحدث". ردت ستروك: "نحن ما يسمى الدعم القتالي في هذا الملف، أما أنتم فالمقاتلون الحقيقيون". وأشار سموتريتش إلى بؤرة على التلة المقابلة، ومدح أصحابها لأنهم يستولون على "مساحات هائلة"، ثم قال: "نحن هنا لنبني معهم ونستوطن الأرض".
يقول المحلل على شاشة الأخبار: "الاستيطان في الضفة الغربية"، فيخيّل أنّ ثمة ضفة غربية للفلسطينيين، هي المركز، وعلى هامشها مستوطنات وبؤر معزولة. والواقع أن الأمر معكوس تماما. لا يوجد شيء اسمه الضفة الغربية، إنها تتحول إلى "يهودا والسامرة"، في كل مناسبة وغير مناسبة يذكروننا بهذا.
أعادني هذا لإعلان قديم. في سبتمبر/أيلول عام 1991، تسلّم وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر تقريرا من إعداد مركز القدس للإعلام والاتصال، عن الاستيطان في الأراضي المحتلة في الضفة والقطاع بدءا من الاحتلال العسكري لهذه الأراضي في يونيو/حزيران عام 1967، وقد تعرّضوا خلاله لإستراتيجية الاستيطان في التسعينيات. وممّا لفتني فيه إعلان قديم بعنوان "ثمة مكان لك"، ممول من "أمانا"، الذراع الاستيطانية الأبرز والأكثر نفوذا في حركة الاستيطان الإسرائيلية، والتي تأسست في أواخر السبعينيات على يد حركة "غوش إيمونيم" الشهيرة.
يقول الإعلان "إنْ كنت قد جئت إسرائيل لتعمل شيئاً مختلفاً، لتغير نمط حياتك، لتجد متطلباتك، لتساهم؛ فمكانك معنا، في مستوطنة جماعية بعيدة عن ضوضاء المدن الكبرى، لكنها تبعد عن القدس أو تل أبيب مسافة لا يتجاوز قطعها بالسيارة 15 دقيقة"، ثم يعدد الإعلان الرفاهيات، من المياه الجارية وشبكة الطرق والمواصلات والاتصالات والصناعات إلى المنازل المريحة، مع إمكانية أن تُشكّل نمط حياتك الخاص كما تريد، سواء كنت عالماً أو مقاولاً أو صاحب مهنة، فالفرص في المستوطنات لا حصر لها! أي مكان سوى هنا يمنحك وأولادك "فرصة النماء في بيئة صحية ريفية ذات شبكة من الخدمات التربوية"؟ ويضيف الإعلان أن كل ذلك تسنده برامج مشتركة بدعم من الوكالة اليهودية ووزارة المعارف والثقافة الإسرائيلية.
الوعد نفسه يتحقق اليوم ليس فقط في المستوطنات، بل في البؤر أيضا. خذ مثلا بؤرة "جفعات هارواة" المقامة على أراضي سنجل. الصورة الأولية أنها ستكون عبارة عن "كرفانات" وأشياء من هذا القبيل. لكن البؤرة التي أُنشئت عام 2002، تضم اليوم حوالي 50 عائلة وأكثر من 60 منشأة، ما بين كنيس وروضة أطفال ونادٍ وملعب كرة قدم وساحات ألعاب ومكتبة، بحسب أريج؛ هذه ليست "بؤرة" يا صديقي، إنها بلد بأكمله. بل إن الحكومة الإسرائيلية شرعنتها في فبراير/شباط 2023 ودمجتها مع بؤرة "جفعات هرئيل" المجاورة في مستوطنة واحدة، فلم تعد "بؤرة" حتى في القاموس الإسرائيلي.
فجأة أنار شارع الإرسال منبئا بحلول المساء، و"الحزن يأتي في المساء لأنه حزن ضرير" كما يقول صلاح عبد الصبور. أخذني نيون الشارع إلى نيون آخر.
قبل نحو ثلاثة عقود، كان حسين البرغوثي مهجوسا بـ "نيون" المستوطنة المقابلة لقريته كوبر شمال غرب رام الله، متأملا في الجمال الذي تمت خيانته، وفي المستوطنة المهجوسة -حتى في نومها- حد الهذيان، إذ يكتب: "وأنا واقفٌ فوق الخرائب، غرباً في قمة جبل مغطى بغابات صنوبر وسرو وبلوط، تشع أضواء النيون من مستعمرة إسرائيلية تدعى حلميش عندهم، ومستعمرة النبي صالح عندنا. أضواء باردة، وكاشفة، ومحاطة بأسلاك شائكة. وبدت المستعمرة معلقةً في الفضاء، ربما بسبب الضوء أيضاً، ولم تلمس الأرض ولا التاريخ بعد".
لقد كان ضوء المستوطنة يمنح شعوراً بالبُعد، تماماً كما ضوء القمر، غير أنّ الضوءين مختلفان. لقد أحسّ حسين البرغوثي بالفرق الشاسع بينهما، إلا أن نيون المستعمرة كما يقول، كان "مرتبا ومهيمنا حاد البياض… أشبه ما يكون برؤيا مسلّحة".
لم يعد "النيون" نيوناً يا حسين، وهذا "البعد" لا أدري إن كان ما يزال ساريا! ومن طبائع "النيون" أنّ إطالة النظر فيه، يزيد من وهجه في عينيك ويُضعف البصر. ليست المسألة في رؤية الفيل الضخم ورصده، بل في استشعار ارتجاج الأرض تحت خطاه الثقيلة والسريعة. والفيلة يا صديقي، تتواصل عبر ذبذبات تحت صوتية تلتقطها أقدامها من مسافة نحو كيلومترين. لقد استشعر الجهاز العصبي لحسين ذبذبات المستوطنة وهي بعد ضوء نيون معلق في الهواء، لكنها غدت اليوم متغلغلة في الأرض، من يريد أن يعرف مدى تغلغلها عليه الانتباه لهذه الذبذبات.
ظننا طويلا أن الوعي هو مربط كل فرس. يعيدني ذلك إلى أيام الجامعة، إلى وقت كان للثقافة طعم، إذ كانت تعويضا لغياب العمل التنظيمي والسياسي الذي خبره جيل الانتفاضة الثانية بكثافة. وقتها، أي حين كان للثقافة طعم (بغض النظر إن كان حلواً أم مرّاً) كانت فكرة: "الناس بحاجة إلى توعية"؛ هي الفكرة الأكثر شيوعا. وبالفعل كانت المجموعات الثقافية تمارس مهمتها الرسالية في رفع وعي الناس! ثم لاحقا، تستشكل هذه الغاية بعد تنبّهها أن في ذلك تقليلا من شأن "الناس"؛ هذه الكلمة التي عرفنا لاحقا أن لا معنى لها لعموميتها، فهي كلمة وظيفية تصلح لملء الفراغات في الأفكار ليس إلا.
أما الآن، بعد الإبادة، فلم يعد ممكنا قول كلمة ثقافية واحدة. بل وتشكّلت لدي قناعة مصدرها المدرسة الغزية، أنّ الوعي ليس الموضوع حين يتعلق الأمر بالمجتمع، بل الإيمان. الإيمان هو أقوى مكونات الصمود في المجتمع، خصوصا إن كانت له مفاعيل على الأرض تحرسه. فبعد الطوفان، حتى الأطفال باتوا يمتلكون وعيا كافيا لفهم ما يجري، ولم يغيّر ذلك كثيرا في المشهد الآني. بل إنّ الوعي الزائد -في كثير من الأحيان- يمتلك من الطاقة السلبية ما يكفي لتعطيل الفعل.
يقول المحلل على شاشة الأخبار: "الاستيطان في الضفة الغربية"، فيخيّل أنّ ثمة ضفة غربية للفلسطينيين، هي المركز، وعلى هامشها مستوطنات وبؤر معزولة. والواقع أن الأمر معكوس تماما. لا يوجد شيء اسمه الضفة الغربية، إنها تتحول إلى "يهودا والسامرة"، في كل مناسبة وغير مناسبة يذكروننا بهذا؛ هل مررت بالشوارع الخارجية مؤخرا؟ هل رأيت أعلامهم المزروعة بين كل مئة متر وأخرى؟ اسمع ماذا خطب سموتريتش بالمستوطنين في يونيو/حزيران عام 2024:
"لقد أنشأنا نظاماً مدنياً منفصلاً، لكن الحكومة سمحت في الوقت نفسه لوزارة الدفاع بأن تظل منخرطة في العملية حتى يبدو للعالم أن الجيش لا يزال في قلب الحكم في الضفة الغربية، وبهذه الطريقة سيكون من السهل ابتلاع الضفة دون أن يتهمنا أحد بأننا نقوم بضمها.. أقول لكم إنه أمر درامي للغاية، مثل هذه التغييرات تشبه تغيير الحمض النووي للنظام".
"أستاذ بتحب تطلب إشي؟ المطبخ رح يسكّر كمان ربع ساعة".
"خليني أشوف"، أجبته مستنفرا.
"خد راحتك، برجعلك"، قال لي منسحباً بعد أن استشعر أنه فعل شيئاً دون أن يعرف على وجه الدقة ما هو.
فصلني النادل بمقاطعته هذه، فلم يقطع حبل أفكاري فقط، ولكنه قطع كذلك غضبي الذي انبنى طوبة تلو طوبة. ولكن لا ضير، ربما بحاجة لأن أفصل قليلا.
مسحت "الباركود" وتصفحت قائمة الطعام مرة أخرى. كانت أسماء مدننا المسروقة ترتج في عيني، كما لو أنها كعكة يابانية. ومثل المخمور، أخذت الأسماء في عيني تتغيّر وتحلّ محلّها أسماء أخرى، سنجل وترمسعيا ودير جرير… أغلقت قائمة الطعام مسرعا، لأقطع على شيطان أفكاري استرساله هذا. ذهبت إلى "ساوند كلاود" وشغّلت قصيدة للشاعر المصري أحمد بخيت، وإذ به يقول: "خذ طلةً أخرى وهبنيَ طلة.. كي لا أموتَ ولا أرى رام الله".
ماذا تريد أن ترى أيها الشاعر؟! لسنا "الضفة الغربية" والمستوطنات على هامشها، هذه دولة للمستوطنين ونحن الفلسطينيون على هامشها.. اييه، ونحن على الهامش.
"ولا إشي، الحساب لو سمحت".
كنت آخر زبون يخرج من المقهى، وكان العمال قد بدأوا مهمتهم اليومية الثقيلة في التشطيب، وهي مهمة لا غنى عنها في عالم المطاعم والمقاهي، ولولاها لا يعود المكان قابلا للاستقبال.
Loading ads...
خرجت من المحل لأجدني أقف أسفل إنارة شارع الإرسال. كان فكري لا يزال مشغولا بالفيل، الحيوان الذي على ضخامته يخاف من النحلة وخليّتها المنظّمة. فبالرغم من أن جلد الفيل يبدو سميكاً منيعاً، إلا أن مناطق حول العينين والأذنين والخرطوم حساسة جداً للسع النحل. كائن صغير جداً، منظَّم، يملك رادعاً حقيقياً أمام أضخم كائن بري على الأرض!
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





