تمكّن الرئيس السوري أحمد الشرع من التقدّم نحو مناطق خاضعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، عبر مسار سياسي وأمني متدرّج، أتاح له التحرك عسكريا دون مواجهة اعتراض أميركي مباشر.
لم يكن التحرك العسكري مفاجئا بقدر ما كان تتويجا لمسار دبلوماسي، أعاد ترتيب مواقف إقليمية ودولية، وخصوصا الموقف الأميركي من معادلة النفوذ في شمال وشرق سوريا.
اجتماعات مغلقة قبل بدء الهجوم
بحسب تقرير لوكالة رويترز، فإن السيطرة السريعة للحكومة السورية على مناطق ظلت لسنوات تحت سيطرة “قسد” جاءت بعد سلسلة اجتماعات حساسة عُقدت في دمشق وباريس والعراق، وشارك فيها مسؤولون سوريون وأطراف دولية خلال مطلع كانون الثاني/يناير الجاري.
ونقلت الوكالة عن تسعة مصادر مطلعة أن هذه اللقاءات، التي لم يُكشف عنها سابقا، أظهرت أن الولايات المتحدة لم تعرقل العملية العسكرية، رغم أنها غيّرت ميزان القوى في سوريا على حساب حليف سابق لواشنطن.
ووفق المصادر، مهّدت هذه التفاهمات الطريق أمام الشرع لتحقيق هدفين متلازمين: بسط سيطرة الدولة على كامل الأراضي السورية، وتعزيز موقعه كشريك مفضّل للإدارة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب.
التقرير أشار أيضا إلى أن الهجوم أنهى فعليا مشروع الحكم الذاتي الذي سعت إليه القيادات الكردية في شمال شرق سوريا، واختبر في الوقت ذاته حدود الدعم الأميركي للشرع، الذي سبق أن قاد فرع تنظيم القاعدة في سوريا قبل تحوّله إلى رئيس للبلاد.
تغيّر الموقف الأميركي وتراجع موقع “قسد“
كانت الولايات المتحدة الداعم الأساسي لـ”قسد” منذ عام 2015، حين شُكّلت لمحاربة تنظيم “داعش”، قبل أن تبني لاحقا إدارة ذاتية بمؤسسات مدنية وعسكرية منفصلة.
لكن هذا الدور بدأ يتآكل بعد إسقاط نظام بشار الأسد أواخر 2024، وتعهد القيادة الجديدة في دمشق بإعادة توحيد البلاد، بما يشمل المناطق التي تديرها “قسد”.
وبعد أشهر من مفاوضات لم تفضِ إلى نتائج خلال عام 2025، وانقضاء مهلة دمج “قسد” دون تقدم، بدأ الخيار العسكري يطفو على السطح.
وتوقفت مطلع كانون الثاني محادثات مباشرة في دمشق بين الطرفين بشكل مفاجئ، أعقبها تحرك سياسي سوري باتجاه باريس، حيث جرت لقاءات بوساطة أميركية مع إسرائيل حول ترتيبات أمنية أوسع.
وخلال تلك اللقاءات، عرض الجانب السوري فكرة تنفيذ عملية محدودة ضد مواقع “قسد”، دون أن يواجه اعتراضا واضحا، بحسب ما نقلته رويترز عن مصادر مطلعة.
في الوقت ذاته، تلقت دمشق من أنقرة رسائل تفيد بأن واشنطن لا تعارض التحرك طالما جرى تجنب استهداف المدنيين الأكراد أو تهديد مراكز احتجاز عناصر تنظيم “داعش”.
ومع بدء الهجوم، أرسلت الولايات المتحدة إشارات متزايدة لـ”قسد” عن تراجع دعمها السابق، فيما أبلغ المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، قيادة “قسد” بأن مصالح واشنطن باتت مرتبطة بالحكومة السورية الجديدة، وليس بكيان عسكري منفصل في الشمال الشرقي.
رافق ذلك تقديم تطمينات بأن الولايات المتحدة ستتدخل إذا تعرّض المدنيون الأكراد للخطر أو تضرّرت مراكز احتجاز عناصر تنظيم “داعش”.
لكن مع توسّع تقدّم القوات السورية خارج النطاق المتفق عليه، اقتصرت الاستجابة الأميركية على دعوات لوقف التقدّم وإشارات تحذيرية جوية، وهو ما اعتبره مسؤولون أكراد غير كافٍ ولا يرقى إلى مستوى الحماية الموعودة.
وقالت المسؤولة الكردية هادية يوسف إن ما قامت به واشنطن وقوات التحالف “غير مقبول”، ويمثل تخليا عن حليف قاتل إلى جانبها لسنوات، في إشارة إلى فجوة واضحة بين التعهدات الأميركية والتصرفات الفعلية على الأرض.
ورغم محاولات أميركية محدودة لفرملة التقدم العسكري السوري، فإنها لم تصل إلى مستوى التدخل الفعلي، ما عمّق شعور القيادات الكردية بـ”الخيانة”، وفق تصريحات لمسؤولين أكراد.
تصعيد كاد يفتح باب العقوبات
في المرحلة الأخيرة من الهجوم، تجاهلت القوات السورية وقف إطلاق النار المعلن، واقتربت من تطويق آخر المدن ذات الغالبية الكردية، ما أثار غضبا داخل الإدارة الأميركية ومخاوف من وقوع انتهاكات واسعة بحق المدنيين.
وبحسب مصادر أميركية، طُرحت داخل واشنطن إمكانية إعادة فرض عقوبات على دمشق إذا استمر القتال، قبل أن يعلن الشرع وقفا جديدا لإطلاق النار مشروطا بطرح خطة دمج من قبل “قسد”، في خطوة هدفت إلى احتواء الغضب الأميركي أكثر من كونها استجابة لمخاوف إنسانية.
وقالت ثلاثة مصادر أميركية إن إعلان الشرع المفاجئ عن وقف إطلاق النار أرضى واشنطن، واعتُبر مؤشرا على أنه بات في مأمن من أي ردّ فعل أميركي مباشر.
Loading ads...
وبعد دقائق، أصدر المبعوث الأميركي توم باراك بيانا أكد فيه أن الدور القتالي لـ”قسد” ضد “داعش”، “انتهى إلى حد كبير”، معتبرا أن الفرصة الأكبر المتاحة أمام الأكراد باتت ضمن إطار الحكومة السورية الجديدة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





