33 دقائق
"حقن الكلور"... حين يُترك ثأرُ الصغار في أيدي الآباء "الأبرار" - رصيف22
الأربعاء، 4 نوفمبر 2026

لأول مرة أبحث عن الكلمات فلا أجدها، لا أعلم إن كنت سأنهي هذا المقال أو سأتوقف ولا أجد سبيلاً لمواصلة ما بدأته. أعجز عن التفكير كما أعجز عن التفسير. أفكّر، هل أبدأ من سرد تفاصيل القصة؟ لكنها تفاصيل يتعذّر على أي عقل بشري استيعابها. أو أبدأ من خطورة ما حدث؟ أو ربما من النهاية التي تسبّب لي كل هذه الحيرة؟ لكن، لا بأس، فلأجرّب رواية التفاصيل ربما أستطيع بعدها النفاذ إلى ما عزمت على قوله.
في آذار/ مارس 2026، وصلت الطفلة رحمة، التي لم تُكمل العامين، إلى مستشفى أبو الريش للأطفال في مصر، وهي تعاني أعراضاً خطيرة تشمل ضيق التنفّس، وقيئاً مرارياً مستمراً، وآلاماً متقطّعة في البطن وإمساكاً لنحو أسبوع، وارتفاعاً كارثياً في كرات الدم البيضاء. تعذّر على الأطباء في الحال فهم ما تعرّضت له الطفلة فيما ادّعى الأهل أنها تعرّضت إلى "لدغة ثعبان".
وبينما تصارع رحمة الموت في المستشفى، وضعت والدتها رضيعاً آخر سُمّي رحيم. لكن رحيم وصل إلى المستشفى هو الآخر في حالة احتضار ولم يُكمل الـ40 يوماً. شكّت الطبيبة المعالجة في الوفاة، ولم تقتنع برواية أهل الأب بأن "ثعباناً لدغه" بعدما انتبهت إلى آثار ثقوب في بطنه قرب الصدر.
بعد فحص جثة الرضيع، تبيّنت الكارثة: آثار مادة حارقة في جسده، تحديداً الكلور الذي يستخدم في تنظيف الأوساخ المستعصية. لكن الأوساخ المستعصية في هذه الجريمة لم يُزلها الكلور بل كشفها.
حين قُتل رحيم الذي لم يعرف الرحمة في حياته القصيرة من أقرب الأقربين إليه، ساعدت وفاته في فهم ما كانت شقيقته رحمة تعانيه آنذاك، وساهمت التحقيقات الأمنية في الوصول إلى وجود خلاف بين والدة الأب وشقيقته (جدة الرضيعين وعمّتهما) وبين أم الرضيعين.
وجّهت النيابة إليهما تهمة القتل العمد لرحيم، والشروع في قتل رحمة التي انتهت معاناتها بعد نحو ثلاثة شهور وقضت في نهاية أيار/ مايو 2026 بعد فشل الإجراءات الطبية كلها في إنقاذها بما في ذلك استئصال أجزاء من جهازها الهضمي بعد تآكل أمعائها وانهيار جهازها المناعي.
عقب الوفاة، اتضحت معالم الجريمة وظهرت تفاصيلها المروّعة. في حين لم يحتمل رحيم حقنه بمادة الكلور الحارقة في الرئة، وتوفي فوراً، كانت رحمة قد حُقنت تباعاً وعلى دفعتين، المرة الأولى بـ"دم حيض" ثم بـ"مادة ملوثة كاوية (الكلور)" فى سرنجات طبية.
اعترفت الجدة للأب بتفاصيل جريمتها، وروت أمام النيابة كيف اشتركت هي وابنتها صاحبة الـ20 عاماً، وشقيقتها (شقيقة الجدة) في الجريمتين. في حالة رحمة، قامت الجدة بحقنها، بينما قيّدتها عمّتها وشقيقة جدّتها لشلّ حركتها ومنع صراخها. أما رحيم، فحقنته جدته أيضاً بالكلور بينما شقيقة جدته تقيّده وتكتم صراخه، وعمّته تراقب المكان خشية افتضاح أمرهن. جرم ربما تعجز أعتى المافيات عن التخطيط له والقيام به.
سبب كل هذا الإجرام؟ الغيرة من والدة الرضيعين، زوجة الابن/ الأخ. كان هدف الجدّة، وفق اعترافاتها التي نقلتها وسائل إعلام محلية، "خراب البيت" وإقدام نجلها على طلاق زوجته. كان الطفلان هنا مجرّد "وسيلة" لتحقيق غاية وضيعة، وكانت حياتهما "بلا قيمة" بالنسبة إلى أقرب الناس إليهما.
هل انتهت البشاعة في هذه القصة؟ المؤسف أن الإجابة لا. في جلسة المحاكمة، مطلع الشهر الجاري، وقف والد الرضيعين المغدورين أمام هيئة المحكمة يدافع -ليس عن روحين أُزهقا بالباطل أو عن معاناة رضيعين آلاماً فوق كل احتمال ولا عن أم شابة خسرت رضيعين الواحد تلو الآخر بلا ذنب ولا عن مشاعر الخذلان إزاء جحود أقرب الناس إليه- وقف يدافع عن القاتلات الثلاث، أمه وشقيقته وخالته.
قال إنه لا يصدق أن والدته تفعل ذلك بطفليه، رغم اعترافها، واستذكر شقيقته وهي ترافقه للاطمئنان إلى طفلته وهي تصارع الموت في المستشفى وتمنحه الأموال، وقال إنه "يسامح" خالته أيضاً لو أنها فعلت ذلك. بل واقترب من أمه واحتضنها وبادلته العناق والبكاء مع وصفه بـ"عمري كله".
مشهد انتشر عبر السوشال ميديا والمواقع الإخبارية -أحياناً مع مؤثرات صوتية حزينة- وجرى تسويقه على أنه "بار بوالدته" و"الدم عمره ما يبقى ميّه" و"العفو عند المقدرة"... إلخ. كما انتشر خبر تقديم إقرار "تصالح وتنازل عن الدعويين الجنائية والمدنية" من "ورثة الرضيعين" أي الأب والأم، والعدول عن اتهام المتهمة الثالثة وإنكار التهمة المنسوبة إليها.
لا أعرف صدقاً إن كانت الأم قد "تنازلت" عن حق رضيعيها، وإن حدث، فوفق أي ظروف نفسية فعلت. لكن ما أعرفه أن ما حدث أكبر من أي تسامح، من أي تهاون في تطبيق أشد عقوبة ممكنة.
نتحدّث عن رضيعين أُزهقت أرواحهما ظلماً، وبأبشع طريقة. عن أم خسرت طفلاً تلو الآخر في غضون أيام، وهي مستبعدة كلياً من المشهد حتى الإعلامي ولا يأتي ذكرها وكأنها لا ولاية لها على طفليها أو لا حق لها فيهما. عن حالة من الفزع والرعب تفرضها تفاصيل الجريمة على كل من يسمع بها. عن فكرة شيطانية أطلقتها القاتلات وليس مستبعداً أن تتكرّر إن لم يكن العقاب رادعاً.
لست هنا في معرض التعقيب على أحكام القضاء إذ لا حكم حتى الآن في القضية، ولا أعتقد أن التخفيف -وهو حق أصيل للمحكمة إذا توافرت ظروفه- سيكون له محل في قضية بهذه البشاعة لأن التهاون مع المجرم قد يكون أشد أثراً من الجريمة في ذاتها إذ يفتح الباب لتكرارها مرات ومرات.
يفزعني فقط أنه لا يزال يُنظر إلى الأطفال وعلى نطاق واسع كملكية خاصة لآبائهم، كـ"شيء يمكن التنازل عنه" أو "تعويضه" لا كـ"إنسان". أعلم أنه ليس صواباً أن نقارن بين الجرائم والمآسي، وأنه لا ينبغي أن ننجرّ إلى المزايدة على التوحّش. لكن في كل يوم، تزداد الجرائم ضد الأطفال بشاعةً وقسوةً. تقل المساحات الآمنة المتاحة أمامهم، حتى في منازلهم. تكثر الأيادي المعتدية، والأفعال المؤذية. وفي أغلب الحالات تكون "الرأفة" بمن لم يرأف، و"التسامح" مع من لم يرف له جفن في إيذاء طفل لا حول له ولا قوة. ثم كيف يشوّه "التسامح"، هذا المفهوم النبيل والإنساني إلى هذه الدرجة؟ كيف للنبل أن يسمح للتوّحش والخسّة بأن يتسيّدا المشهد؟
وحين تكون الجريمة من أقرب الأقربين، وبطريقة تعكس الحقد والكراهية إلى هذه الدرجة التي قضى بها رحيم ورحمة، ينبغي أن نفكر في "التعاطف" أو حتى "تقبّل" ما أقدم عليه الأب لأنه برأيي يعكس خللاً مجتمعياً ويهدّد حيوات المزيد من الأطفال.
قرأت تعليقات صادمة على الموقف. إحداهن كتبت: "مشهد مؤثّر جداً"، وقال آخر: "الجنة تحت أقدام الأمهات… رَبَح (يقصد والد الطفلين) الآخرة ودخول الجنة". وقال ثالث: "ربنا يهوّن عليك، أنت ولد بار". وأضافت رابعة: "القرآن الكريم حثّنا على العفو عن الآخرين". وزاد خامس: "الأم أم حتى لو كانت قاسية جداً… البني آدم يعرف يعوّض ولاده لكن ميعرفش يعوّض أمه"...
وغيرها الكثير من التعليقات التي تتعامل مع جريمة بهذا الحجم وكأنها شأن خاص وأن "الأب المكلوم" تنازل بـ"شهامة"، وقُضي الأمر.
وفيما لست شخصاً مؤهَّلاً لتفنيد أحكام الشريعة الإسلامية التي يحاجج بها أمثال هؤلاء المعلقين، إلا أنني أفهم جيداً أن الله أمر ببر الوالدين وأيضاً شرّع القصاص، وأن العفو محبّذ لكنه مشروط بـ"المقدرة". ولا أفهم أي قدرة قد تتولّد لدى من قُتل رضيعاه بطريقة كهذه.
لست هنا كي أشكك أو أزايد على أبوة أو أمومة أحد، ما أحاول قوله هو أن الأطفال لم يعد مقبولاً أن يعاملوا بهذه الطريقة، وينبغي أن يتوقّف "استخدامهم" كـ"وسيلة للانتقام والنكاية".
يجب أن تكون هناك حماية مباشرة للأطفال من الدولة لأنهم أبناؤها وواجبها حمايتهم وليسوا ملكية خاصة لذويهم، وأن يتم تشديد العقوبات في الجرائم ضد الأطفال وخصزصاً تلك التي يقترفها ذووهم، أن يُدرس الرأي العام والآراء المتطرّفة وتتم التوعية بخطورة مثل هذه الأفكار التي تتسامح مع تعنيف الأطفال وقتلهم أو التعنيف والقتل بأي حال وتوضيح موقف القانون والدين من مثل هذه الدعوات.
Loading ads...
وفي كل الأحوال، يجب ألا يُترك ثأر الصغار في أيدي الآباء "الأبرار" الذين قد يسامحون القتلة طمعاً في الجنة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





