أول يوم في شقّة النزوح؛ جدران فقط من حولي، لا أثاث سوى الفرشة والمخدة وأكياس ملقاة على الأرض فيها بعض الملابس.
ربما نعود بعد أيام، بعد أن تهدأ العاصفة. هكذا اعتقدت. لكنني لم أعرف أنّ هناك من يستطيع تحميل جبال كاملة للإنسان في وقت قصير.
في رفح، لم أكن أعرف كيف أبدأ اليوم الجديد. ثمّ اكتشفت أنّ اليوم يمكن أن يبدأ بشيء واحد: الماء. كنت أمشي نحو كيلومتر واحد لأحمل دلوَين. أصل إلى بيت إقامتي الجديد منهكاً، وأفكر في حالي وكيف يمكن أن تستمر الحياة هكذا.
ربما لهذا السبب تغيّر معنى الأشياء عندي. لم يعد الماء شيئاً تستخدمه. صار شيئاً تبحث عنه.
ثمّ جاء الطعام، فالخبز، ثمّ العملة الورقية، وكلها تحوّلت إلى مفقودات صار علينا البحث عنها.
وقفت في طوابير الكوبونات حتى لا أخسر حصتي. كنت أخشى أن تصبح هذه الكوبونات مصدر الطعام الوحيد لنا، وهو ما حدث بالفعل.
وللحصول على العملة الورقية، صرت أدفع عمولة سحب من تاجر الحرب تصل إلى نصف المبلغ. حصلت على خيمة ووضعتها احتياطاً. خفت أن أفقد المكان مرةً أخرى.
في الحياة العادية، لا نفكّر كثيراً في النقود إلا عندما نريد شراء شيء. في الحرب، تفكر فيها عندما تريد أن تأكل. هكذا تغيّرت مشترياتي.
قبل الحرب، كنت أشتري العطر والملابس والكتب والأنتيكات. بعدها، صرت أشتري جرّة ماء، وبطاريةً للإنترنت، وبطاريةً للشحن، ووجبة طعام تكفي ليوم واحد.
كنت أشتري ما يسمح لي بأن أكمل اليوم. هذا فرق صغير في الكلمات، لكنه فرق كبير في الحياة.
حتى الطريق تغيّر. صرت أركب "العجلة"، وهي عربة مشبوكة بسيارة قديمة ومتهالكة. نتكدّس داخل مساحة صغيرة، وسط وجوه متعبة وثياب بالية.
كان ظهري يؤلمني من الجلوس، وكنت أشعر أنّ السيارة يمكن أن تنقلب في أيّ لحظة.
في السابق، كان الطريق وسيلةً للوصول. الآن صار شيئاً يجب أن أنجو منه أيضاً.
اختفت القهوة. حلّ محلّها الحمص والبقوليات، وتوقفت عن التدخين.
ففي فترة من الحرب، أصبحت السيجارة الواحدة تباع بنحو سبعين دولاراً. لم تعد سيجارة. صارت شيئاً آخر، شيئاً يشبه الترف الذي تتذكره ولا تستطيع الوصول إليه.
حتى الأغاني فقدت مكانها. ففي حياتي الطبيعية، كنت أستمع إلى فيروز في الصباح. لكنني خلال الحرب لم أعد أستطيع سماع الأغاني بالطريقة نفسها. لم تكن المشكلة في الأغاني. كانت في أنّ العالم الذي جاءت منه لم يعد موجوداً حولي.
كنت أسمع صوتاً من حياة قديمة بينما أعيش في حياة أخرى.
كتبت وأنا جائع. كنت أكتب جملةً، ثم أتوقف. أعرف ما أريد قوله، لكنني لا أستطيع أن أصل إلى الجملة التالية. اكتشفت أنّ الجوع حين يتعمّق في المعدة، يكبّل اللغة أيضاً.
صارت الكتابة أيضاً حلماً بالنسبة لي. كنت أكتب ما أراه. لم أعد أكتب عن الأشياء التي أريدها أو المشاريع التي أخطّط لها. أصبحت الكتابة عملاً ومصدر دخل، في الوقت الذي كنت أحاول فيه تأمين الطعام والماء لعائلتي.
وفي إحدى الليالي، بينما كنت أكتب عن قصف مستشفى المعمداني، قُصف منزل يبعد نحو خمسين متراً عن المكان الذي كنت فيه. دخلت الشظايا إلى البيت، وسقطت واحدة منها بجانبي.
كنت أكتب عن موت الآخرين، وأفكّر في موتي. كان الموت قريباً جداً بشكل لا يمكن إزاحته.
كنت أنام على فرشة فوق البلاط. الملابس تهالكت، ولم تكن هناك ملابس متاحة كما في السابق. أنام وأستيقظ بالملابس نفسها.
الاستحمام وغسل الملابس والحلاقة أصبحت مرتبطةً بوجود الماء.
حتى النظافة، وهي أكثر الأشياء عاديةً، أصبحت أمنية. أصبح الحصول على المنظّفات أمراً نادراً. ذات مرة اشتريت علبة شامبو مغشوشة بـ60 دولاراً أمريكياً. اشتريتها لأستحمّ بعد ذلك بالماء البارد في منتصف الشتاء، عبر دلو ماء. كنت أتألّم وأنا أدلقه على جسدي بالكيلة؛ قد لا أستطيع الحصول على ماء مرةً أخرى.
كان أطفالي يتغيّرون أمامي؛ قبل الحرب كانوا يلعبون مع أصدقائهم، ويعودون إلى البيت ولديهم قصص صغيرة عن المدرسة والشارع والأصدقاء. خلال الحرب تفرّق الأصدقاء ولم يعودوا يجدون بعضهم.
خلال الإبادة، صاروا أكثر صمتاً، يجلسون معنا أكثر من المعتاد، وينظرون إلى عيوننا كأنهم يستجدون شيئاً لا نملكه.
كنت أعتقد أنّ الأطفال يبحثون عن آبائهم عندما يخافون. ثمّ اكتشفت أنهم يبحثون عن أي مكان يشعرون فيه بأنّ العالم ما زال ثابتاً.
الإبادة اقتلعت بالتدريج شعور أطفالي بالممكن، فكل مطلب عادي دار في خيالهم، صار مستحيلاً؛ الفاكهة، الألعاب، البيت، الهدوء، التعليم، والسكينة في مكان دون مغادرته.
صاروا رحّالةً وهم لا يعرفون بعد ما هو الطريق.
كنت أجلس معهم وأشجعهم على القراءة والتعليم، وأقول لهم إنّها مرحلة وسوف تمضي.
أقولها لأنني يجب أن أقولها.
لا أعرف متى ستمضي. لكن الأب أحياناً لا يملك لأطفاله سوى جملة يكرّرها حتى يصدّقها هو أيضاً.
تغيّرت علاقتي بالناس. في أثناء النزوح كوّننا علاقات جديدةً، لكنها كانت مؤقتة، تنتهي بانتهاء المكان.
اختفت الزيارات، واختفت متعة الجلوس مع الآخرين. حاولت أن أبقى على اتصال بأقاربي وأصدقائي، ثمّ حدث شيء جعلني أخاف من الاتصال بالناس.
اتصلت بابن عمتي لأطمئن عليه، لأنّ القصف كان شديداً في منطقتهم. تحدّثنا، ثمّ نمت.
في الصباح، نظرت إلى شاشة هاتفي النقّال فوجدتها مكسورةً، هكذا دون سبب.
خطر على بالي ابن عمتي، وفي اللحظة نفسها أخبرتني أمي في مكالمة سريعة بأنّه استشهد وعائلته.
حتى الأعياد أصبحت مختلفةً. صارت أقرب إلى مبكى. يأتي العيد في الإبادة ونحن نُذبح. دمنا يلغي أشكال التهنئات كافة.
بعد ذلك صرت أخاف أن أتحدث مع أحد. صرت أخاف أن أتذكّر أحداً، فأهاتفه وأفقده بعد قليل.
خلال المجاعة، كانت أختي في شمال غزة وكنت في جنوبها. كنت أحياناً أتجنب الاتصال بها. لم أكن أريد أن أسمع أنها جائعة بينما لا أستطيع أن أفعل لها شيئاً.
في إحدى المرات قالت لي بصوت مختنق: "أنا جائعة... أنا منهكة... أنا ضعيفة".
أغلقت الهاتف ومشيت باكياً.
في ذلك اليوم، ضربت الأرض، ضربت عجزي الذي داهمنا جميعاً، وصار أقسى من الجوع نفسه.
عندما عدت إلى غزة، لم أجد المدينة التي أعرفها. المباني مهدّمة. الشوارع تغيّرت. أماكن كاملة اختفت.
تهت في أماكن كنت أعرفها جيداً. وما زلت حتى اليوم أضلّ عن بعض الشوارع، كأنني أعيش في مدينة أزورها لأول مرة.
كنت أظنّ أنّ الذاكرة موجودة في الرأس. ثمّ اكتشفت أنها موزعة على الأشياء: كتاب على رفّ، شارع تسلكه كل يوم، كرسي تعرف مكانه، رائحة بيت، لحظة دافئة مع العيلة والأصحاب.
تغيرت هذه الأشياء. اختفت أحياناً، أو تمّ محوها. وهنالك أشياء بالفعل موجودة، لكنها فقدت عناوينها وجاذبيتها وتقطعت الخيوط التي كانت تربطنا بها.
مع هذا الزخم في الخراب، صرت أشكّ في أنّ هذا هو الواقع فعلاً، فلا يعقل أن يحدث كل هذا التغيير، في وقت ضيق.
ما هذا الشطب السريع لكل ما نملك؟ كم مرةً نستطيع أن نبني ذاكرة؟ الأمر يبدو مستحيلاً.
تغيرت الحياة في غزة. لم يعد شيء على حاله، ولم نعد نحن نحن. عبوسين منكسرين ومشتتين، كنّا نضحك أحياناً. نضحك على ملابس أحدنا، أو على موقف صغير لا يستحق الضحك في الظروف العادية.
أتذكر أننا عندما أُعلن وقف إطلاق النار في إحدى المرات، غنّينا "علّي الكوفية". كنت في مقهى في نزوحي الثاني في دير البلح. وقف أحدهم أمامي وظلّ يرقص. بكيت لحظتها. ذاكرتي بدأت تعمل في الاتجاه الصحيح.
الحياة لم تتوقف تماماً، ربما فقدت طريقتها القديمة في الظهور فحسب.
اليوم أجلس مع أطفالي. أحاول أن أصنع لهم شيئاً يشبه الحياة الطبيعية. أشجعهم على القراءة والتعليم، ونحلّ مشكلات اليوم واحدةً واحدة.
وأحاول أن أكتب، وأجلس أحياناً أمام البحر.
ما زلت أحبّ بحر غزة، وهواءها ورائحتها ولونها. لكنني أخاف أحياناً من البحر، لأنه يعرف عن حياتي أكثر مما أريد أن أتذكر.
ما زلت أحبّ هذا المكان، لكن الحب نفسه تغيّر.
Loading ads...
صرت أحب غزة مثلما يحبّ الأب ابنه الكسيح.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






