شهدت شوارع دمشق في السنوات الأخيرة انتشاراً لافتاً لشباب يعملون في توصيل الطلبات، بعد أن دفعهم الانهيار الاقتصادي إلى البحث عن أي مصدر دخل ممكن. لكن هذا العمل الذي يفترض أنه بسيط وسريع، تحوّل مع الوقت إلى رحلة يومية في قلب الخطر، وسط غياب كامل لأي حماية قانونية أو ضمان اجتماعي.
وخلال الأشهر الماضية، ازداد اعتماد المحلات والأهالي على عمال التوصيل الأفراد، بعد اختفاء التطبيقات وضياع أي إطار رسمي ينظم هذه المهنة. إذ يعمل هؤلاء الشباب اعتماداً على أرقام هواتفهم وصفحاتهم الشخصية على وسائل التواصل، ينشرون إعلاناً صغيراً: “عامل توصيل ـ للتواصل على الرقم…”، ثم ينطلقون في مدينة تتغير مخاطرها كل ساعة.
هذا الواقع لم يعد مجرد ظرف اقتصادي، بل تحول إلى صورة مكثفة لاقتصاد هش قائم على الفوضى، يحمل العامل كل الأخطار، فيما يكتفي أصحاب المحلات بالربح وترك السائق في مواجهة مدينة بلا أمان.
بين الحاجة والخطر
وسط هذه الظروف، يعيش شباب التوصيل يوميات لا علاقة لها بأي مهنة مستقرة، فالمخاطر لم تعد مرتبطة بالحواجز، بل بالفوضى المنتشرة في الشوارع: سرقات، تحرش بالدراجات، مطاردات ليلية.
دراجة عامل في توصيل الطلبات بدمشق – “الحل نت”
يعمل جود الغريب (25 عاماً) في توصيل الطلبات منذ سبعة أشهر، بعد أي أمل في الحصول على عمل آخر.
“أنا بشتغل لحالي، ما في شركة ولا تطبيق، كل شغلي من خلال رقم بنشره على الصفحات، بتفوت طلبات من ناس بعرفهم وناس ما بعرفهم، أحياناً بروح على مناطق ضيقة أو شوارع مظلمة، وما بعرف مين اللي ناطرني، مرة وصلت على عنوان، طلعوا ثلاثة شباب حاولوا ياخدوا مني الموبايل والدراجة، لو ما صار صوت بالشارع كنت نسرقت.”
ويقول الغريب في حديث لـ “الحل نت”، أن الخوف بات جزءا من عمله اليومي. ويضيف: “بتطلع وأنت ما بتعرف إذا بترجع، بس إذا ما اشتغلت كيف بدي أجيب مصاري؟ ما في شغل ثاني، والبلد كلها ماشية بهل الطريق. كل واحد عم يحاول يعيش بأي طريقة.”
يعمل شباب التوصيل في دمشق ضمن شبكة غير رسمية: محلات تستدعيهم عند الحاجة، زبائن يتواصلون مباشرة على الهاتف، واتفاقات تُعقد عبر رسائل قصيرة، لا عقود، لا ضمان، ولا جهة مسؤولة.
يعمل ماهر العيسى بدراجته القديمة في توصيل الطلبات بين أحياء ركن الدين والقصاع في دمشق، من دون عقد عمل أو غطاء قانوني. يقول لـ “الحل نت“: “نحنا مو موظفين عند حدا، صاحب المحل بيقلك: بتوصل الطلب وبدفعلك 10 الاف او 15 الف حسب المسافة، إذا صار معك شي، هو مانو مسؤول بياخد موقف المتفرج، سرقت دراجة؟ مو شغلي، انضربت على الطريق؟ الله يعينك، ما في حدا بيسأل.”
ويضيف العيسى لـ “الحل نت” وهو يضحك مرارة: “يعني باختصار نحنا مندفع حق الصيانة، وحق كل شي، وبالنهاية إذا صار معنا شي منكون خسرنا شغلنا.”
عالم من الفوضى.. والرزق “على الله”
مع غياب أي تنظيم، يعتمد الشباب على سرعة ردهم على الاتصالات وعدد الطلبات التي تصلهم في اليوم، بعضهم يعمل حتى منتصف الليل، لأن “نصف الرزق يأتي بعد إغلاق المحلات حين تكثر الطلبات على الأطعمة والأدوية.”
عامل توصيل طلبات في دمشق – “الحل نت”
بحسب حديث رامي عرفات لـ “الحل نت”، الذي بدأ العمل في المهنة بعد سقوط نظام الأسد، فإن “أخطر وقت للعمل هو آخر الليل، الشوارع فاضية، والإضاءة معدومة. مرة كنت طالع من برزة للمهاجرين، وقفني شخصين مسلحين وبس شافوا معي شنطة قالولي افتحها، بس مالقو بقلبها شي وراحو، يعني ما بتعرف الخطر من وين بيجي.”:
يرى عرفات أن المهنة تُظهر بوضوح كيف صار اقتصاد دمشق قائماً على هشاشة الناس. ويضيف: “عشنا ببلد صارت الشغلة فيها مين بيقدر يمشي بالليل بدون ما ينسرق، وهذا الشي لحاله بيحكيلك وين واصلين.”
لا تتوفر إحصاءات لعدد العاملين في مهنة توصيل الطلبات، إذ لا توجد جهة رسمية تنظّم عمل التوصيل أو تضع قواعد تحدد حقوق العاملين وواجباتهم.
“انهيار منظومة القانون جعل كل من يعمل خارج المؤسسات يعيش بلا حماية، هؤلاء الشباب مثال واضح: هم عماد اقتصاد هشّ يعتمد على أجسادهم، وعلى دراجاتهم، وعلى جرأتهم.”
الناشط المدني علاء سرحان
ويرى سرحان في حديث لـ “الحل نت” أن “ما يحدث مع عمال التوصيل ليس استثناءً، بل جزءا من صورة أكبر.
رغم كل شيء، يستمر هؤلاء الشباب في عملهم، يملؤون الشوارع بدراجاتهم وصوت محركاتهم الصغيرة، كأنهم شريان حياة اقتصادٍ يحتضر، تعرف المدينة ملامحهم: وجوه متعبة، حقائب على الظهر، ورسائل زبائن لا تتوقف.
Loading ads...
فبين شارع مظلم وزقاق لا يعرف ما ينتظره فيه، يواصل العامل طريقه، لأن الحاجة أقوى من الخوف ووسط مدينة لا تقدم لهم أي حماية، يصبح الأمل مجرد أمنية يومية: أن يعودوا سالمين إلى بيوتهم.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


